نور الدين أبو لحية

كاتب وأستاذ جامعي جزائري

إيران والشريعة الإسلامية

لن يتقبّل الكثير من الناس هذا الكلام بفعل تلك الحملة المدروسة التي تُشيطن إيران، وتجعل دينها المجوسية بدل الإسلام، ولذلك ننصح العقلاء الذين لم تتسنّ لهم الثقة بما نقول، أو بالأدلّة التي نوردها، بأن يراجعوا الفقه الشيعي من مصادره المعتمدة، أو يذهبوا إلى إيران نفسها ليتأكّدوا.

الفقه الذي يستند إليه الإيرانيون فقه واقعي يعالج المشكلات الواقعية
الفقه الذي يستند إليه الإيرانيون فقه واقعي يعالج المشكلات الواقعية

عندما نسلّم عقولنا لوسائل الإعلام المغرِض، ونسلّمها لرجال الدين الطائفيين الذين يخدمون أهداف أعداء الإسلام، نخرج بنتيجةٍ خطيرةٍ جداً هي أن لإيران وللإيرانيين ديناً آخر مختلفاً تماماً عن الإسلام، وأن شرائعهم وشعائرهم مختلفة تماماً.

بينما إذا تركنا المغرضين والحاقدين، وعملنا بما أمرنا به ربّنا من استعمال العقل والحجّة والبُرهان، وطبّقنا ما أمرنا الله تعالى به من استعمال المنهج العلمي، عندما قال: { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، وقال مخاطباً اليهود: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]

إذا فعلنا ذلك، وذهبنا إلى إيران، أو إلى مراجعها الكبار، أو إلى ولّيها الفقيه، أو إلى تراثها الضخم في الشريعة الإسلامية، أو إلى أبناء شعبها الذين يرتادون المساجد، ويحيون المناسبات الدينية المختلفة، فإننا نجد الأمر مختلفاً تماماً.

فالإيرانيون يطبّقون نفس الشريعة التي نصّ عليها القرآن الكريم ابتداء من الصلاة التي تُقام في مساجدها الكثيرة، وفي كل مدينة أو قرية من قراها، ولا ينسون بعد الصلاة أن يستمعوا أو يقرأوا من نفس المصاحف التي يقرأ فيها سائر المسلمين، ولا ينسون كذلك أن يؤدّوا المعقبات التي يعقب بها سائر المسلمين صلاتهم.. والكثير منهم لا يغفل عن أداء الرواتب المستحبّة قبل الصلاة وبعدها كسائر المسلمين.

وأغنياؤهم لا يغفلون عن أداء ما وجب في أموالهم من زكاة أو خمس، بحسب ما ينصّ عليه فقه أئمتهم، والذي لا يختلف كثيراً عن فقه سائر أئمة المسلمين.

ومَن استطاع منهم الحجّ، فإنه لا يقصّر في ذلك، بل إنهم يعدّون أنفسهم للحجّ قبل فترةٍ طويلةٍ جداً، وربما يقيمون مجسّمات للحجّ([1]) ، حتى تُيّسر عليهم تطبيق المناسِك بنفس الطريقة التي طبّقها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والتي رووها عن أئمتهم، وهي لا تختلف إلا في بعض الفروع البسيطة عن سائر ما نصّ عليه الفقهاء من سائر المذاهب.

بل إننا نجد فوق ذلك كله أن كل فردٍ من الإيرانيين ـ مثل سائر الشيعة ـ يتّخذ عالماً من العلماء إماما في الفتوى، يرجع إليه، ويقلّده، حتى لا يختلط عليه دينه، وحتى لا يبحث عن الرُخص من خلال تجوّله في الكتب أو بين الفقهاء، وهي ميزة لا نجدها للأسف في المدرسة السنّية، وهو ما تسبّب في ظهور الكثير من الفتاوى الشاذّة، بل أتاح الفتوى لكلِ مَن هبّ ودبّ من غير أن تكون له الآليات التي تسمح له بذلك.

ولهذا نجد الإيرانيين يستفتون عن دينهم في كل المسائل ابتداء من المعاملات المالية، والمحظورات من المأكولات والمشروبات والملبوسات، وسائر أمور الدين، وعند الرجوع إلى أمّهات الكتب الفقهية، أو الرسائل العملية نجدها تتّفق مع سائر المسلمين في أكثر الأصول، وإن اختلفت معها في بعض الفروع البسيطة.

لكن الأنظار الحاقِدة للأسف لا تنظر لكل هذا، وتنظر فقط إلى ما يُسمّى بزواج المتعة أو الزواج المؤقت، مع كونه ليس سوى الفرع البسيط من فروع الشريعة، ويوجد مثله في المدارس السنّية، حيث نرى زواج المسيار والزواج العُرفي، وزواج فرند، وزواج المحلّل، وغيرها من أنواع الزواج التي أجازها الفقهاء من باب الضرورة، والتي لا يطبّقها أكثر الناس في حياتهم إلا الشاذّ والنادر منهم.

وهكذا الأمر بالنسبة للزواج المؤقت في إيران، حيث لا يكاد يسمع به إلا أصحاب الضرورات، وفي المواضع المحدودة جداً، فالآباء الإيرانيون - كسائر الآباء في الدنيا - حريصون على أن يزوّجوا بناتهم زواجاً دائماً، ومن الأكّفاء، ولا يسمحون أبداً بممارسة ذلك النوع من الزواج، وإن كان الفقهاء ينصّون على جوازه للضرورة، حماية للمجتمع من أن ينتشر فيه أبناء الفاحِشة.

وللأسف، فإن الذين يرمون إيران، والشيعة بهذا يسمعون في بلادهم بمن يُسمّون [الأمّهات العازبات]، ويسمعون كذلك بالأبناء غير الشرعيين، ويشكون من كثرتهم، ومن تحمّل الدولة لأعباء تكاليفهم، ولو أنهم طبّقوا ما نصّ عليه الفقهاء ـ بالنسبة لهؤلاء ـ ما يُسمّى بالزواج المؤقّت، لعُرف آباء هؤلاء، ولما وقعت المجتمعات الإسلامية ضحية لانتشار الفاحِشة.

ولهذا، فإن الفقه الذي يستند إليه الإيرانيون فقه واقعي يعالج المشكلات الواقعية، ولا يغضّ الطرف عنها، ولا يتهرّب منها بالمثاليات التي لا يمكن أن ينسجم معها  الكثير من الناس.

ولهذا استطاع فقهاؤهم أن يضعوا الحلول لكل المشكلات، بما فيها مشكلة الانحراف الأخلاقي، حيث أتاحوا لهؤلاء ـ بحسب ما تنصّ عليه أدلّتهم ـ أن يتزوّجوا زواجاً مؤقتاً بشرط التوثيق، حتى إذا ما نتج من ذلك الزواج أولاد نسبوا إلى آبائهم وأمّهاتهم، وربما يكون ذلك سبباً لتحوّل الزواج المؤقّت إلى زواج دائم.

وهكذا نجدهم يضعون الحلول ـ بناء على ما ورد في المصادر المقدّسة ـ لكل المشكلات الواقعية في جميع أبواب الفقه من غير خروج منهم عن مصادر الشريعة، ولهذا نراهم ـ مثل سائر الشيعة ـ ينصّون على وجوب تقليد المجتهد الحيّ الذي يعيش الواقع، ويعرف ملابساته جيّداً، حتى يفتي فيها بما يتناسب معها.

وفوق ذلك كله نرى الإيرانيين يسعون إلى التمسّك بالشريعة في الجوانب السياسية والعلاقات الدولية، وكل الشؤون الكبرى التي لا نرى للفقهاء في المدرسة السنّية أي حضور فيها.

ولهذا فإن للوليّ الفقيه عندهم سلطة فوق كل سلطة، ذلك أنه يمكنه أن يلغي أي قرار تخرجه الحكومة أو مجلس الشعب أو القضاء، أو غيرها إن عارض الشريعة، ولم يكن هناك أي مسوّغ شرعي لقبوله.

وبناء على هذا نجد الفقيه حاضراً في كل المجالات .. فهو في البنوك يراقب معاملاتها ومصارفها بدقة لتتناسب مع الشريعة.. وفي استديوهات السينما يراقب السيناريوهات والحوارات والملابس والديكور حتى يتناسب مع الشريعة.. وهكذا نجده حاضراً في كل محل، حتى الشرطة الأخلاقية المؤتمِرَة بأوامر الفقيه، تنتشر في الشوارع والأزقّة لتراقب سلوكات الناس، حتى لا تصطدم بالشريعة.

طبعاً لن يتقبّل الكثير من الناس هذا الكلام بفعل تلك الحملة المدروسة التي تُشيطن إيران، وتجعل دينها المجوسية بدل الإسلام، ولذلك ننصح العقلاء الذين لم تتسنّ لهم الثقة بما نقول، أو بالأدلّة التي نوردها، بأن يراجعوا الفقه الشيعي من مصادره المعتمدة، أو يذهبوا إلى إيران نفسها ليتأكّدوا، وقبل ذلك، واحتراماً لدينهم وورعهم ننصحهم أن يكفّوا عن الخوض في أعراض المسلمين، وفي ثلبهم بما هم بريئون منه.

 

([1])  وقد أثار هذا للأسف نقمة المُغرضين ، فبدل أن يشيدوا به راحوا يصوّرون للناس أن إيران وضعت كعبة أخرى بدل الكعبة التي يحجّ إليها سائر المسلمين، ومن ذلك ما نشره موقع [البوابة] السعودي، حيث نشر فيديو وصوَراً وخبراً تحت عنوان (بالفيديو.. إيران تبني كعبة على أراضيها وتدعو الناس للحجّ)، مع أن الفيديو والصوَر خاصة بدروس تعليم أحكام الحجّ يلقيها وبشكلٍ تفاعلي عملي تطبيقي رؤساء بعثات الحجّ لتسهيل فريضة الحجّ حين وصول الحاج الإيراني إلى الديار المُقدّسة، كما أن هذا التقليد مُتّبع في العديد من البلدان الإسلامية لتهئية حجّاجها لكي يؤدّوا مناسك الحجّ بشكلٍ صحيحٍ.