نور الدين أبو لحية

كاتب وأستاذ جامعي جزائري

قِيَم الجمهورية في النظام الإيراني

من القِيَم التي يتأسّس عليها نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية [الجمهورية]، والقِيَم النابعة منها، وهي تشكّل مع [الإسلام] اللقب الذي اختارته إيران لنفسها بعد انتصار ثورتها؛ فهي [جمهورية إسلامية]، وليست إمارة إسلامية، ولا مملكة إسلامية، ولا خلافة إسلامية، ولا إمبراطورية إسلامية.

قِيَم الجمهورية في النظام الإيراني
قِيَم الجمهورية في النظام الإيراني

وفَهْم الجمْع بين هاتين القيمتين الساميتين [الجمهورية]، و[الإسلامية] يُيسّر التعرّف على سرّ الكثير من المواقف الإيرانية، والمؤسّسات التي تحكمها؛ فكلها تنبع من هاتين القيمتين، من الشعب احتراماً له ولقراراته، ومن الإسلام باعتباره الخيار الذي ناضل من أجله الشعب الإيراني، وأثبت تمسّكه به رغم كل المحن التي أصابته بسببه.

بل إننا إذا رجعنا إلى الوراء، وبحثنا في السرّ الأكبر لنجاح الثورة الإيرانية نجده ينبع من اعتمادها على كلا القيمتين؛ فهي قد نهضت من أجل أن يستردّ الشعب حريته وحقوقه التي صادرتها الأنظمة المستبدّة بمعونة الاستكبار العالمي، واستعمل في ثورته الإسلام بدل الشيوعية أو الاشتراكية، أو غيرها من النظريات التي اعتمدها للأسف الكثير من الثوّار العرب، ولهذا كان شعار الثورة الإسلامية في ذلك الحين الذي كانت الشعوب فيها ترزح بين الشرق أو الغرب هو (لا شرقية، ولا غربية.. إسلامية إسلامية).

وللأسف نجد الكثير من المغرضين ينتقدون الجمهورية الإسلامية الإيرانية في جمعها بين هاتين القيمتين، ذلك أنهم يتصوّرون استحالة تجمعهما، بل يتصوّرون أنهما قيمتان متناقضتان، وذلك نتيجة تأثّرهم بالمدارس الغربية، واعتبارهم أن مراعاة أحكام الإسلام تتناقض مع مراعاة مطالب الجماهير.

ولهذا نجد قادة الثورة الإسلامية وفقهاءها ومفكّريها يقدّمون الشروحات الوافية، لكون الحُكم الإسلامي لا يتناقض أبداً مع الحُكم الجمهوري، بل يذكرون أن الحُكم الجمهوري في البلاد الإسلامية لا يتم إلا بمراعاة الحُكم الإسلامي، لأنه دين الشعب، والشعب لا يمتنع من أن يُحكَم بدينه.

ولا بأس أن نذكر هنا بعض النماذج من تلك الردود، باعتبارها أحسن جواب عن تلك الانتقادات المغرضة، والتي يصدر معظمها للأسف من بلاد لا تعرف الجمهورية ولا الديمقراطية، بل هي تعيش في ظلال الحُكم الملَكي الذي يفتقد لأدنى معاني الحرية والكرامة.

وأولها ما ذكره الوليّ الفقيه المعاصر السيّد علي الخامنئي في بيان العلاقة بين قِيَم الجمهورية وقِيَم الإسلام، وذلك في لقاء له مع أعضاء مجلس خبراء القيادة بتاريخ (14/ 3/2002)؛ فقد قال في ذلك:  (إنّ حقّ الله في الإسلام ليس منافساً لحقّ الناس، ولا في مقابله، جميع حقوق الناس، ومن جملتها حقّ الشعب في الانتخاب، والذي هو حتماً في أمر الحكومة، ناشئة من الحُكم الإلهيّ، فقيمة جميع حقوق الشعب ناشئة عن حاكميّة الله وما أمر به الله تعالى، لذا، عُبّر في القرآن الكريم، في الموضع الذي يتمّ فيه الاعتداء على حقوق الناس والتعرّض لهم، كمسألة الربا، بقوله تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279] مع أنّ هذا العمل هو اعتداءٌ على حقوق النّاس، لكنّ الحرب مع الله.. ذلك لأنّ ما يرتبط بالناس على اتّساعه، هو تكليفٌ إلهيّ، الحقّ الذي جعله الله للناس، التكليف الذي وضعه الله على عاتق مَن يتولّون أمور الناس يمكن القول إنّ الجمهورية الإسلاميّة ليست حبراً على ورق، هي حقيقة، تعتمد على رأي الشعب حيث أمرنا الله سبحانه أن نولي الأهميّة لرأيه واختياره وإرادته في هذا المجال).

وبناء على هذا، يستنتج أن مفهوم [الجمهورية الإسلامية] يتحقّق بمراعاة [الإسلام] وتكالفيه الشرعية، ذلك أن التكاليف الشرعية الإسلامية تراعي مطالب الشعب، وتطالب بتنفيذها، ولو لم يطلبها الشعب نفسه.. والحاكم المسلم هو الذي لا يتنتظر من الرعية أن تطالب بحقوقها، ولا أن يمنّ عليها بتقديمها، لأنه يفعل ذلك انطلاقاً من واجباته الشرعية، يقول في ذلك: (وليست مشكلتنا في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة فقط، أن يسيء النّاس فهمنا، أو تتراجع ثقتهم بنا، مشكلتنا هي التكليف الشرعي أيضاً، ولو لم يفهم الناس؛ فإذا قمنا في مكان ما بعمل، أدّى إلى تضييع حقوق الناس، مع أنّ أحداً لم يدرك أنّه تمّ التعرّض لحقوق الناس وكانت الدعايات صاخبة أيضاً، فإنّ مشكلة التكليف الشرعي تبقى تواجهنا في أقاصي الجسم العظيم للحكومة وفي طولها وعرضها ـ حيث الحكومة ليست محصورة ومتجلّية في شخص القائد - الجميع شركاء في هذه السيادة الشعبيّة الدينيّة، والوظائف الملقاة على عاتقهم من هذه الناحية، سواء رئيس الجمهوريّة، أم رئيس سلطة من السلطات الثلاث، أم نوّاب المجلس، أمْ أيّ مسؤول في ناحية من النواحي ـ تكليف الجميع هو مراعاة حقوق الناس لله، هذان الإثنان، متساويان بعضهما مع بعضٍ ومتّحدان). ([2])

وهكذا نرى الخميني دعا كل حين إلى تصحيح التصوّرات نحو معنى [ولاية الفقيه]، وكونها لا تتناقض مع الجمهورية، بل هي تلبي مطالب الجمهور أحسن تلبية، لأنها تنبع من القِيَم التي يؤمن بها، لا من القِيَم الغريبة عنه، يقول في ذلك: (إن مَن يدّعي أن مبدأ ولاية الفقيه يستلزم ديكتاتورية فلا ريب أنه جاهل بهذا المبدأ وأهميته وقدسيّته، بل العكس هو الصحيح؛ فإن الحامي للحريات وفق المبادئ الإسلامية، والحامي لإرادة الشعب وحقوقه والمدافع عنه هو مبدأ ولاية الفقيه الذي يقوم بمهمة الإشراف على أمور البلد، حتى لا ينحرف أحد ممن يمكن أن يستلم مقدّرات البلد، فهو الذي يمنع رئيس الجمهورية من أن ينحرف وأن يحكم بهواه، وهو الذي يمنع رئيس الوزراء من أن ينحرف ويحكم بهواه، وهكذا الكلام بالنسبة لأّي مسؤول، كما أن مبدأ ولاية الفقيه يمنع الفقيه نفسه أن ينحرف وأن يحكم بهواه، ولا يحق له ذلك أصلاً، بل عليه أن يحكم وفق رأي الإسلام حسب اجتهاده، والمفروض أنه بذل جهده كله للوصول إلى هذا الرأي واستكشافه من خلال وسائل الاستنباط الممكنة له، كما أن عليه بذل الجهد في تمحيص الوقائع وتشخيصها حتى يطبّق عليها حكمها الإلهي ويحكم على وفقه. والمفروض في الفقيه الوليّ العدالة والوَرَع والكفاءة بل الأكفئية في تحقيق كل ذلك، كما أن المفروض أن في الأمّة عُلماء وتُقاة وثُقاة ورعِون يراقبون حركة الفقيه، بإمكانهم عزله إن انحرف وصار يحكم بهواه، وقد صان الدستور هذا الحق للخبراء وللأمّة).

وهو يذكر أنه لا وجه لاعتبار ولاية الفقيه حكماً ديكتاتورياً، ذلك أن هذا النوع من الحُكم يُطلَق على مَن يستند في حُكمه إلى الرأي الشخصي بعيداً عن أيّة اعتبارات صحيحة، ثم يُجبر الشعب على اتباعه، (وإنما يكون الحُكم ديكتاتورياً إن كان الحُكم وفق الهوى مُتاحاً للحاكم، وكان الحاكم قادراً على أن ينفّذ جميع رغباته من دون أن يتجرّأ أحد على معارضته).

وهو يذكر أن من أكبر الأدلّة على عدم وجود أية صلة بين ولاية الفقيه، والحُكم الديكتاتوري هو تصويت أغلبية الشعب في إيران على ولاية الفقيه، يقول في ذلك: (ليس من الديكتاتورية في شيء أن يكون النظام المعتَمد في إيران قد أيّدته أكثرية الشعب بحيث تجاوزت نسبة التأييد التسعين في المائة من دون ضغط أو إكراه؛ فالشعب بغالبيّته العُظمى أيَّد ولا يزال نظام الجمهورية الإسلامية المبني على مبدأ ولاية الفقيه كما نصّ عليه الدستور).

ويذكر أن المعترضين هم الذين يريدون مُصادرة رأي الجمهور، والحديث باسم الشعب؛ يقول في ذلك: (الديكتاتورية مُتجسّدة في كلمات المعترضين، إذ يحاولون وهم القلّة أن ينصّبوا أنفسهم في موقع يحسبون أنفسهم أوصياء على الشعب والأمّة، والحال أن الشعب لم يرضَ بذلك منهم بدليل أنه خالفهم. وهؤلاء عندما ينصبّون أنفسهم في هذا الموقع يسعون لفرض رأيهم وإثارة جو نفسي وزعزعة ثقة الشعب والمسلمين بهذه الجمهورية والثورة، وهذا نحو من أنحاء الديكتاتورية).

ويذكر أن هؤلاء الذين يعترضون على ولاية الفقيه، بحجّة تناقضها مع قِيَم الجمهورية، يعترضون في الحقيقة على الإسلام وقِيَم الإسلام، وليس على الوليّ الفقيه، ذلك أن (هؤلاء المعترضين لن يعترضوا بهذا الاعتراض لو كانت الصلاحيات كلها التي ثبت في الإسلام أنها للفقيه قد أُعطيت لإنسانٍ آخر غير فقيه، بل وغير مسلم، بل ربما سيمدحون الشخص والنظام حينئذ، ولكنهم يعيشون عقدة الإسلام ولا يتجرّأون على قول ذلك).

هذه مقولات القائدين الكبيرين اللذين أتيح لهما توليّ منصب الوليّ الفقيه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد اقتصرنا على هذه النماذج، وهي كافية لردّ المعترضين الذين يُصوّرون كليهما بصورة الحاكم المستبدّ، وهو تصوير ناتج من الجهل والكِبَر، ولو أنهم كلّفوا أنفسهم بمطالعة ما كتبه كل منهما، أو التعرّف على مواقفه بنيّة صادِقة لما تجرّأوا على مثل ذلك التصوير الظالم.