حسني الخطيب

حاصل على درجة البكالوريوس في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة لاهاي الدولية، يكتب في مجالات مختلفة، لاسيما في ما يختص بذوي الإحتياجات الخاصة.

مسؤولية حماية المدنيين في الحروب الحديثة

لكن يبقى المدنيون هم الأكثر عُرضة للمخاطر في هذه الحروب وهم الأكثر تضرّراً منها، خاصة الحروب التي تنشب بين سلطات حكومية وجماعات مسلّحة تتغلغل في أوساط المدنيين وتتّخذ من مناطق سكنهم أماكن لتواجد عناصرها.

المدنيون السوريون عانوا من جرائم المسلحين بحقهم (أ ف ب)
المدنيون السوريون عانوا من جرائم المسلحين بحقهم (أ ف ب)

تغيّرت أشكال الحروب في العالم اليوم، بحيث أصبحت معظم الحروب الحديثة هي حروب داخلية بين أنظمة حُكم وجماعات مسلّحة تحاول الإطاحة أو الاستيلاء على الحُكم، وذلك سواء عبر انقلابات عسكرية أو تنظيمات مسلّحة، ما أدّى إلى تدمير معظم مؤسّسات الدولة وخاصة مؤسّسات الجيش والأمن، حيث تحوَّلت الحروب هنا إلى حروب مدن وعصابات، تتوقّف فيها معالم الحياة وتُستباح فيها الحدود والقوانين ويُعاني السكان المدنيون ويلاتها المأساوية.

أما في الصراع الإقليمي في المنطقة العربية فإن الجماعات المسلّحة فيه وبمختلف أنواعها وتوجّهاتها تخوض حرباً بالوكالة ضدّ أنظمة حُكم ديكتاتورية ورجعية، وهذا لا يعني أن هذه الجماعات المسلّحة جماعات ثورية، بل على العكس فهي في معظمها أشدّ دكتاتورية من خصومها، وتنفّذ مخططاً لتقسيم المنطقة والعودة بها إلى ما قبل التاريخ.

لكن يبقى المدنيون هم الأكثر عُرضة للمخاطر في هذه الحروب وهم الأكثر تضرّراً منها، خاصة الحروب التي تنشب بين سلطات حكومية وجماعات مسلّحة تتغلغل في أوساط المدنيين وتتّخذ من مناطق سكنهم أماكن لتواجد عناصرها، وذلك على الرغم من أن أكثر من 140 مادة في إتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، نصّت جميعها على أهمية الحفاظ على أرواح المدنيين وعدم نقل المعارك والقتال بين الأطراف المُتنازِعة إلى مناطق سكناهم وعدم إشراكهم في حرب لم يكونوا راغبين فيها، حيث لم تخل أية منطقة في وطننا العربي يشتد فيها النزاع من خسائر في أرواح المدنيين، وإن لم تسلك الحرب وقنابلها طريقاً للمدنيين وتصل إليهم، فإن هناك دائماً مَن يستغل تلك الظروف من إخافة وقتل المدنيين لتحقيق مصالحه.

كما إن محاولة كل طرف من أطراف النزاع إخضاع المدنيين تحت السيطرة، دفع أطراف الصراع إلى استخدام سياسة حصار المدنيين العزّل واستغلالهم كورقةٍ من أوراق الصراع والقتال الداخلي، والدليل على ذلك حروب المدن التي نشأت في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن، وكيف نتيجة لهذا العناد بين الأطراف المُتقاتلة تعرَّض السكان المدنيون إلى أشد أنواع القتل والتشريد والتجويع ونقص المواد الغذائية والطبية.

فلا بدّ من حماية المدنيين أياً كانوا، كما يجب على حملة السلاح التمييز والتفريق بين السكان المدنيين والمُقاتلين في جميع الأوقات، لأن فرض الحصار كعقابٍ للمدنيين حيث تتواجد عناصر مسلّحة من كلا الطرفين متستّرين بهم، إضافة إلى استخدام المدنيين كدروعٍ بشرية والاحتماء بالمستشفيات والمدارس والمساجد، إلى جانب الممارسات اللاأخلاقية التي تنتهجها الأطراف المتصارعة ضد النساء والمعارضين، فإن أقل ما يُقال عن ذلك كله أنه جريمة بحق البشر والإنسانية.

فحصار وتجويع المدنيين ليس فقط انتهاكاً للقانون الدولي بل هو جريمة حرب بموجب القانون الإنساني الدولي، إلا أن إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين المُحاصرين يحتاج إلى إرادة دولية تتجاوز ضعف وتراجع دور الأمم المتحدة ومؤسّسات الإغاثة التابعة لها، لهذا فقبل محاولات الحل السياسي واجتماعات جنيف المتكرّرة، والتي غالباً ما تنتج مخرجات غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، على الدول الكبرى التي تؤجّج هذه الصراعات في مختلف المناطق حول العالم وتدعم سياسة التسليح فيها، أن توجّه جزءاً من طاقاتها هذه لحماية المدنيين وإغاثتهم، وبدلاً من قصف وحصار المدن والبلدات أن تقوم بإسقاط المعونات الإنسانية الغذائية والطبية للمُحاصَرين.

وهنا يبرز تراجع شديد في دور الأمم المتحدة ومؤسّساتها الدولية في أداء عملها، والتي في كثيرٍ من الأحيان تفتقد حتى القدرة على الدفاع عن تواجدها في بعض البلدان، لأن الجماعات المسلّحة تعتبر المنظمات الدولية وما تملكه من مواد إغاثية من مغانم الحرب، وكثيراً ما تشنّ حملات ضدّها للاستيلاء على مُقدّراتها، لكن العائق الأساس يبقى في أنها لا تمتلك آليات قوية لحماية المدنيين ومساعدتهم، حيث يبرّر القائمون على هذه المؤسسات موقفهم المُتخاذِل في إنقاذ المدنيين وإيصال المساعدات لهم، هو أنها تحتاج لموافقة الأطراف المعنية، إذ أنه في حال عدم توافر الأمن على الأرض ووقف القتال لا تستطيع فرق الأمم المتحدة القيام بتوصيل هذه الإغاثات سواء (جواً أو براً أو بحراً)، ومثل هذه التصريحات هي كذب وافتراء، حيث أن مساعدات الأمم المتحدة وغيرها من الدول، وفي كل الصراعات المسلّحة والحروب التي تجري في العالم نراها تصل دائماً لطرف على حساب أطراف أخرى، وذلك تبعاً للمصالح والتوجّهات الدولية في ذلك الوقت.

لهذا لا بدّ من التعامل مع مسألة حماية المدنيين بشكلٍ شمولي، يقوم على معالجة كل ما من شأنه الإضرار بهم، بما في ذلك وضع حد للتدابير القسرية أحادية الجانب التي أكّدت الأمم المتحدة على عدم شرعيتها والتي تفرضها دول بعينها على دول أخرى، ما أدّى ويؤدّي إلى تعريض حياة المدنيين للمُعاناة والموت البطيء، وذلك من خلال حرمانهم من المُستلزمات المعيشية اليومية كالغذاء والدواء والوقود وغيرها، والدفع بشرائح واسعة منهم إلى الهجرة والتشرّد واللجوء والوقوع في براثن مافيا التهريب والإتّجار بالبشر والابتزاز السياسي.

كما إن حماية المدنيين في النزاعات المسلّحة تتطلّب من الدول الأعضاء الالتزام أيضاً بقرارات مجلس الأمن الخاصة بمكافحة الإرهاب وتجفيف منابع تمويله، لأن مسألة حماية المدنيين في النزاعات المسلحة لا يمكن أن تستقيم إلا في ظل الالتزام الكامل بمبادئ القانون الدولي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة وفي مقدّمها مبادئ السيادة والمساواة في السيادة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، حيث أن معظم التنظيمات الإرهابية تكون مدعومة بشكلٍ أو آخر من قِبَل حكومات دول معروفة.


المصدر : الميادين نت