مصطفى ناصر الدين

باحث في جامعة طهران

العنوان: مسيرة الأجيال في حركات المقاومة

منطقنا العربية الإسلاميّة، كما دول العالم، تعجّ بالأحزاب والُأطر التنظيمية التي اشتركت في ما بينها بتحدٍّ داخلي أزال الكثير منها، يتعلّق بانتقال السلطة داخل الحزب الواحد، ومن هنا طرأت الإشكاليّة الكبرى حول مسألة توريث الأجيال.

للمَدَد الغيبي، أو النصر الإلهي الدور الرئيس في حفظ حركات المقاومة وتكاملها
للمَدَد الغيبي، أو النصر الإلهي الدور الرئيس في حفظ حركات المقاومة وتكاملها

تسير الأنظمة بشكلٍ طبيعي نحو الفناء. فالحركة داخل الأنظمة تزيد من الأنتروبيا "Entropy" أو العشوائية مع مرور الزمن تلقائياً.  

لكن مسألة الأنتروبيا التي تعود إلى القانون الثاني للديناميكيا الحرارية، تتفاوت بين الأنظمة المُغلَقة التي تفشل في تعويض الطاقة التي تخسرها، والأنظمة المفتوحة التي تتفاعل مع المحيط للحدّ من عشوائية النظام عبر حقنها بطاقةٍ جديدةٍ تُعيدها إلى مسير التكامُل، وبالتالي منحها هامشاً أكبر من الحياة.

ورغم أن النظرة العامّة لفناء أيّ نظام، من قبيل الإمبراطوريات، الدول، المؤسّسات والأحزاب، تتعلّق بالتحديات الآتية من خارج حدود هذا النظام، إلا أنّه في الحقيقة تشكّل التحديات الداخلية المُتمثلّة بالأنتروبيا وملحقاتها تهديداً حقيقياً يُفسّر زوال العديد من الأنظمة التي لم تسقط بفعلٍ خارجي.

منطقنا العربية الإسلاميّة، كما دول العالم، تعجّ بالأحزاب والُأطر التنظيمية التي اشتركت في ما بينها بتحدٍّ داخلي أزال الكثير منها، يتعلّق بانتقال السلطة داخل الحزب الواحد، ومن هنا طرأت الإشكاليّة الكبرى حول مسألة توريث الأجيال.

إنّ مقاربة مسألة الأحزاب، كبقية المسائل الاجتماعية، تحمل تعقيدات هيكلية structural complexity وتعقيدات سلوكية behavioral complexity، وبالتالي ما يتغيَّر في الأحزاب ليس الأجيال فقط بل الظروف التي وضعتها أمام تعقيدات جيوسياسية من ضمنها الانتقال من حركات تحرّر وطنية في مواجهة الاستعمار إلى أولوية الحريات ومواجهة الاستبداد وغيرها من المُستجدّات التي لم يستقم عودها عليها. لذا، وإضافة إلى أهمية مسألة الأجيال بحد ذاتها في مقاربة حركات المقاومة، تفرض التعقيدات المُستجدات التي نشأت مع مرور الزمن أهمية أكبر لمسألة توارُث الأجيال.

من دون إغفال مسألة الظروف المُستجدّة، تُعدّ قضيّة "الانتقال بين الأجيال" من أبرز نقاط الضعف التي عانت منها الأحزاب الإقطاعيّة، القوميّة والدينية. فقد عاش العديد منها البرجوازيّة الحزبية التي أعاقت انتقال السلطة داخل هذه الأحزاب بسلاسة.

والحركات التي تلافت مشكلة القُطب الواحد الذي تنتهي برحيله المسيرة، وقعت في فخّ التوريث داخل أسوار الحزب الأمر الذي أنتج صراعاً صامتاً ما يلبث أن يخرج إلى العَلن بانشقاقاتٍ تفضي إلى ولادةِ أحزابٍ جديدة تتزّعمها قيادات من الحزب "الأمّ"، وفي أحسن الأحوال يحافظ الحزب على الهيكليّه التنظيمية مُنتقلاً من مرحلةِ الشبابِ إلى الكهولةِ التي ستكون مُقدّمة للشيخوخة الحزبيّة فالفناء.

حركات المقاومة في المنطقة والتي يقترب أغلبها من مرحلة الكهولة الجهاديّة على موعدٍ مع هذا المفصل الذي قد يسير بها نحو الشيخوخة، أو يكون بمثابة ولادة جديدة لها. فالعديد من الدراسات العلمية تؤكّد أن المؤسّسات والأحزاب (الأنظمة بشكلٍ عام)، كما الإنسان، تعيش المراحل العمريّة التي نمرّ بها من شباب وكهولة وشيخوخة.

ورغم وجود العديد من المشتركات إلاّ أنّه لا يمكن مُقاربة هذا المفصل بين حركات المقاومة وبقيّة الحركات السياسية والدينية في العالم العربي، نظراً لارتكاز الأولى على جملةٍ من نقاطِ القوّةِ التي تُميّزها عن الأخيرة، أبرزها شِعار المقاومة الذي يُعدّ قيمة، بل من القِيَم المؤسّسة للقِيَم، إضافةً إلى استنادها إلى الجانب الإيماني والفكر الثوري بالدرجةِ الأساس.

ولكن، لا تكفي نقاط المناعة هذه لمُعالجة التقرّحات التي قد تُصيب الجسم "الجهادي"، بل لا بدّ من إيجاد نوع من التوازن الجهادي الذي يوائم بين مَن تحمّلوا تبعات المشقّات الجهاديّة في مراحل التأسيس، وبين مَن تتطلّب التحدّيات قرارتهم الإبداعية من خارج الصندوق (out of the box) في مراحل التحديث، بغية الوصول إلى مشروعٍ استنهاضي ذي أبعاد وطنية وعربية وإسلاميّة يفضي بدوره إلى تحوّلٍ وجودي ينقل الأمّة من طورِ العجز إلى طورِ القدرة، كما يرى المُفكّر المغربي طه عبد الرحمن في تجربة المقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة.

لا ينفصل طور القدرة عن الشبابية الجهاديّة في حركات المقاومة، بل إنّ الحروب الإسرائيليّة التي شكّلت تهديداً وجودياً لها من خارج النظام، ما لبثت أن تحوّلت إلى فرصةٍ نوعيّةٍ للحفاظ على تكامل المقاومة عبر طاقةٍ شبابيّةٍ تنجذب بصورةٍ تلقائية لقِيَم المقاومة، في حين أن الحركات التي ابتعدت عن روح الجهاد دخلت في مرحلة الموت السريري.

وللكهولة الجهاديّة آثارها كما للشباب آثاره، ومنها ما هو إيجابي كمواقعة التحدّيات بعبرة من ذاكرة الماضي خلال عملية الاستحضار الغائي المستقبلي، ومنها ما يوقع بالجسم الجهادي تقرّحات قد تؤدّي إلى فُقدان التوازُن الجهادي الذي يُعدّ من أهمّ عناصر الاستمرار والحيويّة.

يختلّ التوازن الجهادي في حالين رئيسيتين، فإما أن تتّسم الحركة المقاوِمة بالكهولة في هرمها التنظيمي، كما في الغالب، الأمر الذي يؤدّي إلى ظاهرة الخمول ولاحقاً البسترة الجهادية التي تحوّل الحركة إلى نظامٍ مُغلَقٍ في المضمون وإن كان مفتوحاً في الشكل، أو أن يغلب الطابع الشبابي على قيادة هذه الحركة مُنتجاً طاقة حرارية عبارة عن توهّج عاطفي حار يتناقص تدريجاً عبر تأثّره بالانفعالات، كما يُطلق عليها الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر. وأما الحفاظ على التوازن سيبلور فكرة الوعي الجهادي العميق الذي يُعدّ بحدّ ذاته طاقة تثبت وتستمر بل وتتعمّق بمرور الزمن، من دون أن تهزّه الانفعالات والأحداث والصدمات.

حركات المقاومة المُعاصِرة لا يزال رعيلها الأوّل، بشقّه الأكبر، يتصدّى لتكليف المواجهة السياسيّة والعسكريّة مع العدو الإسرائيلي، الأمر الذي أفرز "كهولة جهاديّة" تمتلك "عقل الخبرة" الذي يرتبط بالماضي في عملية استحضارٍ غائي مستقبلي. هذا الارتباط الذي يبدو غائياً للنظام، لن يلبث أن يتحوّل غائياً للفرد عندما يُصاب "الكهل المُجاهِد" ولاحقاً "الشيخ المُجاهد" بما يصطلح عليه في عِلم النفس "FOMO" وهو اختصار لجملة "Fear of missing out"، وتعني "الخوف من أن يفوتك شيء". هذه الحال تمنع الانتقال السَلِس داخل الحركات المقاومة بسبب الحرص على الحضور الدائم، مُصاحبةً آثار بالغة الضرر، من ضمنها ما اصطلح عليه بعمليه الانتقال بآلية "الشهادة أو الموت" الأمر الذي يؤدّي إلى ارتفاع نسبة الأنتروبيا داخلها، وبالتالي إيجاد أرضيّة خصبة للفناء.

نعم، قد يحصل، وفي مرحلةٍ محدودةٍ ومتكرّرةٍ مع مرور الزمن، نوع من التنافُس بين الشباب والكهول، ينتصر بها الشباب إذا سمح لهم النظام أن يُصبحوا كهولاً ويخسروا أمام شباب المستقبل. هذا التنافس مطلوب، بل ضروري عندما يُدار بحكمة القيادة التي لا تغفل عن الأبعاد الاستراتيجية ولا تهمل الأبعاد التكتيكيّة كونه يزيد من طاقة النظام ويساهم في تطويره. فالقليل من الفوضى، أو الأناركية " Anarchism" تحتاجها الأنظمة لإدارتها، كما يرى الفيلسوف بيرتراند راسل أحد مؤسّسي الفلسفة التحليلية، وأهم علماء المنطق في القرن العشرين. وللمُصادفة يمتلك العالم راسل موقفاً فريداً تجاه فلسطين، الرمز لحركات المقاومة التي نتحدّث عنها، فقد جاء في مقال له بعنوان "عن إسرائيل والقصف" عام 1970: "مأساة شعب فلسطين هي إعطاء بلادهم بقوّة خارجية لشعبٍ آخر من أجل بناء دولةٍ جديدة.. ما تفعله إسرائيل اليوم لا يمكن التغاضي عنه، فإثارة أهوال الماضي لتبرير أهوال الحاضر نِفاق عظيم".

عوداً على بدء، لا شكّ أن للمَدَد الغيبي، أو النصر الإلهي كما أسماه سماحة السيّد حسن نصرالله في تموز 2006، الدور الرئيس في حفظ حركات المقاومة وتكاملها، وهذا ما نقرأه في أدبياتها، ولكن مع توفّر الأسباب المؤدّية لهذا المَدَد، والتوازن الجهادي من أبرز هذه الأسباب باعتبار أنّ أيّ خلل سيفقد الحركات المقاومة بريقها العسكري ويسير بها نحو الشيخوخة الجهاديّة، المقدّمة الطبيعية للموت السريري، والأمثلة كثيرة.