ربى يوسف شاهين

كاتبة وإعلامية سورية

مُناورة أميركا في سوريا

تطوّرات كثيرة طرأت على السياسة الروسية في سوريا، ففي الشهرين الماضيين كان هناك أثرٌ فعّال للدور الروسي في السياسة المُتّبعة وخاصة لجهة إسرائيل وإسقاط الطائرة الروسية ايل20، وبات الدور الأميركي والإسرائيلي في سوريا يُناوِر ضمن هوامِش حدَّدها الروسي، ليتم في مرحلةٍ لاحقةٍ التعامُل مع التواجد الأميركي والتدخّل الإسرائيلي، بما يُناسب المُستجّدات والمُعطيات التي ستثمر جرّاء السياسية الروسية في سوريا، فروسيا وسياستها تمكّنت من امتلاك مفاتيح الحل للحرب على سوريا بمُشاركة سوريا وإيران، وتمكّنت كذلك من تحديد التموضُع التركي خلال اللقاءات التي جرت في طهران وسوتشي.

التكلفة التي تكبّدتها أميركا في سوريا فاقت ما كانت تتصوّره من جنودٍ وأموالٍ
التكلفة التي تكبّدتها أميركا في سوريا فاقت ما كانت تتصوّره من جنودٍ وأموالٍ

أميركا وبيادقها الإرهابية أصبحوا في تخبّطٍ واضحٍ داخل قواعدهم في سوريا، هذا الأمر يؤكّد إخفاق السياسة الأميركية في التعاطي مع قواعد اللعبة التي فرضتها الدولة السورية وحلفاؤها، حتى بات الجميع بمَن فيهم محور أعداء سوريا يُدركون بأن خاتِمة الحرب ستكون بتوقيع الأسد وحلفائه.
بهذا تكون الاستراتيجية السورية وبتوافقٍ مع حلفاء دمشق قد أثمرت، رغم المحاولات الأميركية بتعطيل الحل السياسي، وهذا ما يُفسّر تصريحات المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا حين قال في وقتٍ سابقٍ إن "عملية أستانا حول سوريا قد وصلت إلى سقف إمكانياتها"، وهذا تصريح يعكس الرغبة الأميركية في تعطيل أيّ حلٍ سياسي في سوريا.
في الميدان، من الواضح أن انتصارات الجيش السوري خالفت كل توقّعات واشنطن، وأكثر من ذلك ، فقد بات التوقيت الميداني والسياسي لصالح الحكومة السورية، وذلك كنتيجةٍ منطقيةٍ لتحالف قوّي جَمَعَ سوريا وروسيا وإيران، لكن في المقابل ما تقوم به واشنطن يسعى في جزئيّاته إلى تقويض مفاعيل التحالف السوري الروسي الإيراني، وهو ما يبدو في تعاطي واشنطن مع الفصائل الإرهابية عبر الاستثمار في الإرهاب، وعليه فإن مواصلة تقديم الدعم لهذه الفصائل المُرتبطة بالأميركي تُفسر مدى الحاجة الأميركية لها، فهم بالنسبة لأميركا أسلحة موقوتة تريد بها إثبات قدرتها على الصمود وأنها لم تخسر بعد، فـالمشروع الأميركي في سوريا مستمر بذريعة مُحاربة الإرهاب، إضافة إلى مُحاربة التواجد الإيراني.

والدليل تصريحات المسؤولين الأميركيين مثل جيمس جفري الذي قال: "ستبقى الولايات المتحدة في سوريا حتى يتحقّق انسحاب كامل للقوات الإيرانية ووكلائها" ، وأضاف إن "الرئيس الأميركي هو الذي يُحدِّد طبيعة التواجد الأميركي هناك"، وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنه يدلّ على محاولة الأميركي فرض إملاءاته التي لا يستطيع تنفيذها إلا لفظاً، حيث أن ذريعة تواجد الحرس الثوري الإيراني في سوريا وأن الهدف من الوجود الأميركي اللا شرعي هو إخراج إيران من سوريا فَرْض محال ، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال "لا يمكن حَصْر إيران في قفصٍ ضمن حدودها وإقفال الباب على إيران ضمن حدودها ليس واقعياً"، والحكومة السورية أكّدت مِراراً وتكراراً إن التواجد الإيراني في سوريا شرعي وأنه بطلبٍ من الحكومة السورية.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكّد على " ضرورة أن نتوصّل إلى هدف عدم تواجد أية قوات أجنبية في سوريا على الإطلاق بما في ذلك روسيا ".

وهذا الأمر مطلب سوري، ما يعني أن أيّ تواجد غير شرعي لأية قوّة في الجغرافية السورية سيتم التعامل معه لاحقاً وإن كان بالنار، واشنطن تُدرِك ذلك جيداً، حيث أن التكلفة التي تكبّدتها أميركا في سوريا فاقت ما كانت تتصوّره من جنودٍ وأموالٍ، لذلك عمَدت أميركا إلى استراتيجية التفافية عبر الطلب من الكرملين إعادة النظر بالعلاقة مع إيران وتركيا، فـالتقارُب الروسي التركي يُزعجها والتحالف مع إيران يُؤرقها، وخصوصاً امتعاضها من تسليم روسيا دمشق منظومة الصواريخ S-300، وهنا يمكننا القول بالاستناد إلى المُعطيات السابقة، إن سياسة ترامب في سوريا فاشِلة، وما تواجدها العسكري في سوريا وزعمها بمُكافحة الإرهاب إلا لتبرئة النفس من فعل القاتِل لتبيان أسباب جُرمه، فـالقلق ينتاب أميركا من الاستراتيجية الصلبة التي كوّنها الحلف الثلاثي السوري والإيراني والروسي، وأيّ حديث أميركي عن محاولة تشتيت السياسية الروسية في سوريا والقبول بالتخلّي عن إيران، هو ضَرْبٌ من الجنون الأميركي نتيجة فشل استراتيجية التقسيم الأميركية في سوريا.