ربى يوسف شاهين

كاتبة وإعلامية سورية

الكرد مُجدَّداً ضحيّة التفاهُمات الأميركية التركية

أميركا استعانت بالورقة الكردية، ولم تتّجه إلى تلك الورقة لولا وجود ثغرات في جسد المُكوّن الكردي السوري، إلا أن قرار الكرد بتشكيل حُكم ذاتي (فيدرالية)، سهَّل لأميركا استغلال هذا التوجّه لتمدّ لهم المُساعدة والعون، لعلّها بذلك تستطيع تثبيت أقدامها في جزءٍ هامٍ من الشمال والشمال الشرقي في سوريا.

من مظاهرة للكرد في سوريا (أ ف ب)
من مظاهرة للكرد في سوريا (أ ف ب)

تطوّرات عديدة شهدتها أحداث الحرب على سوريا ابتداء من عام2011، وتزاحمت التدخّلات من الدول الخارجية، لتطأ أقدام الأميركي سوريا، تحت ذريعة مُكافحة الإرهاب المُتمثّل "بداعش"، والذي أصبح لا يُخفى على أحد أن المخابرات الأميركية هي مَن أنشأت داعش وقامت بتمويله ومدّه بالخطط العسكرية، وبالتالي الوجود الأميركي في سوريا ليس لمُكافحة داعش بل لتمكينه بالعديد من مفاصل الجغرافية السورية، وكل ذلك لتنفيذ مشروعها "الصهيو- أميركي"، فـأنشأت قاعدة في منطقة "التنف" مُستغلّة الظروف التي تمرّ بها الدولة السورية، محاولة فرض سيطرتها بأدواتها الإرهابية، وبدا ذلك واضحاً على امتداد الجنوب السوري، إلا أن النصر الذي حقّقه الجيش العربي السوري غيَّر قواعد اللعبة الأميركية، فـعمدت إلى مدّ طُغيانها إلى الشمال السوري وخصوصاً الشمال الشرقي، لترتكب مجزرة بحق مدينة الرقة والتي بحسب تقارير أجنبية إنها دُمِّرت بالكامل وأن الضحايا مازالوا تحت الأنقاض، وعلى الضفة الأخرى "تركيا"، والتي بدأت بالظهور أيضاً بدءاً بأدواتها الإرهابية وانتهاءً بجيشها ومنظمّاتها معاً، فقامت باحتلال عفرين وبعض القرى شمال حلب.

أميركا استعانت بالورقة الكردية، ولم تتّجه إلى تلك الورقة لولا وجود ثغرات في جسد المُكوّن الكردي السوري، إلا أن قرار الكرد بتشكيل حُكم ذاتي (فيدرالية)، سهَّل لأميركا استغلال هذا التوجّه لتمدّ لهم المُساعدة والعون، لعلّها بذلك تستطيع تثبيت أقدامها في جزءٍ هامٍ من الشمال والشمال الشرقي في سوريا.

في المقلب الآخر، "تركيا" وعبر رئيسها "إردوغان" الذي كان من أشدّ الطامعين في سوريا وخيراتها وسَلْب آثارها ومعاملها بدءاً من حلب لينتهي به المطاف في عفرين وجرابلس والباب.

وعليه، "واشنطن وتركيا" استمرا في مباحثاتهما غير المُعلَنة لتوزيع الحِصص في ما بينهما، إلا أن تركيا ولتخوّفها من الدّعم الأميركي لِما يُعرَف "بحزب العمال الكردستاني"، والذي تُعدّه تركيا منظمة إرهابية يُهدِّد وجودها القومي، اضطربت العلاقات بين الحليفين، وخصوصاً عندما قدَّمت أميركا السلاح لهم منذ العام 2014، والذي جعل منهم قوّة تُعرَف باسم "قوات سوريا الديمقراطية"، فما كان منها إلا أن بدأت بالإعداد لتطهير مناطق عين العرب ورأس العين وتل أبيض في سوريا من المُسلّحين حتى الحدود مع العراق، وكان "أردوغان" قد أعلن "إنه سيواصل عملية درع الفرات في كلٍ من عفرين ومنبج في الشمال السوري للتخلّص من الكرد وداعش ليتمكّن من درء الخطر المُتمثّل بهما، حيث صرَّح قائلاً: "إن تركيا تضع شرق الفرات نُصُب عينيها".

فما الذي حدث لتوافق واشنطن على طلبات تركيا بعد أن كانت تُعارِض أية عملية عسكرية ضدّ الكرد شرق الفرات؟

الكرد سلّموا للأميركان لتنفيذ حُكمهم الذاتي، ووجدوا بـترامب المَلاذ الآمِن من أردوغان، إلا أن ما جرى على الأرض وخلال سيطرة أردوغان على المناطق السالِفة الذِكر، اتّضح للكرد أن أميركا قد خانتهم وذلك في عملية "غصن الزيتون"، والتي شنّها جيش أردوغان مدعوماً بفصائل ما يُسمّى الجيش الحر على الكرد ولم يُقدّم الأميركي الدعم لهم فيها.

وهنا لا بدّ من سؤالٍ موجّهٍ إلى الكرد، إلى متى ستثقون بالأميركي؟

في المنطق السياسي، على الكرد أن يُعيدوا حساباتهم لجهة التحالف مع الأميركي، خاصة أن "تركيا" تراوِغ على كافة الجهات وتعمد إلى استغلال كافة الملّفات على الساحة الدولية والإقليمية، من قضية القسّ الأميركي "برنسون" إلى قضية "خاشقجي"، فهي تستثمر ما استطاعت لتمكين نفسها في الشمال السوري والقضاء على التهديد الكردي، وقد حصلت فعلاً على الرضا الأميركي بعد إطلاق سراح القسّ الأميركي، والذي كان أردوغان قد صرَّح بأنه لن يسمح بإطلاق سراحه مهما كلّف الأمر، ولكنه على ما يبدو قد حصل على مُبتغاه من واشنطن، فكان إطلاق سراحه واجب لا محال، وخصوصاً بعد سَفَر الممثّل الخاص لترامب في الشؤون السورية "جيمس جفري" إلى تركيا في 15 أكتوبر الماضي.

لذلك وبناء على المُعطيات السابقة نتساءل؟

هل مازال الكرد يُراهنون على الرئيس "ترامب"؟ أمْ أنهم سيتّجهون نحو دمشق، لعلّهم يعودون عن خطأ فادِحٍ قد يرتكبونه في مُضيّهم بمدّ اليد لواشنطن.

وللتذكير، فقد صرَّح وزير الخارجية السوري وليد المعلّم في وقتٍ سابقٍ أن "الكرد جزء من النسيج السوري ، ولكن بعض الجماعات التي تنقاد لواشنطن هي التي تُعرقل الحل الكردي ومسألة الانفصال مرفوضة، والسيادة كاملة على جميع الأراضي السورية".

واشنطن وتركيا وجهان لعملة واحدة، وما يحدث في المجتمع العربي والدولي من تعقيد وتشابك الملّفات الإقليمية والدولية، لأكبر دليل على أن المؤامرات الكونيّة على الشرق الأوسط وخاصة سوريا ما تزال مُستمرّة،  فتصريحاتهم بأنهم ماضون في مُكافحة الإرهاب وتحقيق السلام ماهي إلا للتمكين لهم، وليس خشية على وطنٍ كـسوريا عانى ولثمان سنوات أشدّ أنواع الإرهاب، وهنا لابدّ للكرد من أن يُفكّروا قليلاً لأنهم إن لم يقرأوا المُتغيّرات السياسية والعسكرية التي فرضتها الدولة السورية وجيشها، فـسيخسرون ما ناضلوا لأجله، وبالنتيجة دمشق لا توصِد أبوابها في وجه أحد، شريطة أن تكون السيادة السورية عنواناً عريضاً لأية تفاهُمات.