شريف عبد البديع عبد الله

باحث علوم سياسية وقيادي وكاتب ناصري مصري

توازن الرعب الجديد مع العدو الصهيوني

يأتي صمود حركات المقاومة الفلسطينية مُتّسقاً مع الإطار النظري لعقيدة المقاومة السياسية، وهي منع العدو (الذي يتمتَّع بتفوّق لظروف مادية وموضوعية ذاتية ودولية) من تحقيق إرادته السياسية وبالتالي منعه من تحقيق النصر عليها.

صمود حركات المقاومة الفلسطينية يأتي مُتّسقاً مع الإطار النظري لعقيدة المقاومة السياسية
صمود حركات المقاومة الفلسطينية يأتي مُتّسقاً مع الإطار النظري لعقيدة المقاومة السياسية

في علم السياسة تعريف الصراعات المادية بأنها صراع إرادات توظّف في هذا الصراع كل الوسائل (دبلوماسية - دعائية – نفسية - اقتصادية وأخيراً عسكرية) ومن يفرض إرادته على خصمه وينجح في تحقيق غايته يخرج من الصراع منتصراً،
وفي الصراع بين القوى العظمى وبين الكيانات الصغيرة ليس مطلوباً من الكيان الصغير (دولة نامية - حركة مقاومة) أن تنتصر على القوى العظمى بل كل ما هو مطلوب منها أن تمنع هذه القوى العظمى من تحقيق نصر عليها وفرض إرادتها السياسية، وفي التاريخ نماذج من انتصار حركات مقاومة دول صغرى على قوى عظمى بداية من فيتنام وكوبا ثم انتصار مصر في معركة السويس وانتصار الثورة الجزائرية مروراً بانتصار المقاومة وصمودها في معركة 1982 وإسقاط إتفاق أيار/ مايو 1983، وتحرير الجنوب اللبناني في 25 أيار/ مايو 2000 ثم انتصار تموز/ يوليو 2006 والذي أسّس لتوازن رعب استراتيجي بين العدو والمقاومة.
ويأتي صمود حركات المقاومة الفلسطينية مُتّسقاً مع الإطار النظري لعقيدة المقاومة السياسية، وهي منع العدو (الذي يتمتَّع بتفوّق لظروف مادية وموضوعية ذاتية ودولية) من تحقيق إرادته السياسية وبالتالي منعه من تحقيق النصر عليها.
نظرية الأمن الصهيونية نفسها تآكلت رغم أن الكيان ومنذ خروج مصر من الصراع العربي الصهيوني منذ العام 1974 (اتفاق فضّ الاشتباك الأول) يعيش أزهى سنوات صعوده لتحقيق أقصى درجات الأمن لمواطنيه.
تقوم نظرية الأمن الصهيوني على قواعد عدة:
أولها أنه لا توجد حدود لدولة (إسرائيل)، وأن حدود الدولة تنتهي عندما تقف قدم آخر جندي من جنود جيش الدفاع (كما قال الأب المؤسّس ديفيد بن غوريون).
ثانيها أنه ينبغي أن تكون (إسرائيل) متفوقة عسكرياً على كل الدول والإمكانات العسكرية العربية مشتركة (يفترضون وحدة عربية ويتعاملون معنا كأمّة واحدة) وإذا فرضنا عليهم اتفاقات تسوية تكون التسوية مع كل دولة عربية على حدة.
ثالثها أن يكون (لأسرائيل) القُدرة على شنّ حروب استباقية إذا ما أحسّت بتهديد وإمكانية تهديد (عدوان السويس 1956 إثر تأميم القناة – عدوان حزيران/ يونيو 1967 بعد نجاح مصر في اليمن والخطة الخمسية الأولى ثم المشروع النووي الطموح) وضرب المفاعل النووي العراقي 1981 – ثم غزو بيروت 1982).
رابعها إقامة ما يُسمّى في الخطط العسكرية مناطق عازلة.

وذلك لمنع العدو من الوصول بسرعة لتهديد قلب إسرائيل، ولعلّ هذا يُفسِّر جزءاً من ظاهرة الإرهابيين الذين ساندتهم (إسرائيل) عسكرياً وسياسياً ولوجستياً ودعمهم في سوريا وعلاجهم في المستشفيات.
خامسها أن تضمن (إسرائيل) عدم إطالة أمد أية حرب حيث أن الخزّان البشري الإسرائيلي كله مُجنّد للعمل المدني والعمل العسكري، وبالتالي في أوقات الحرب تتوقف الصناعة والزراعة حيث أن العمّال والفلاّحين يكونون تحت السلاح، وهذا يُفسّر طلب العدو الصهيوني وقف إطلاق النار في آب/ أغسطس 1970 أثناء حرب الاستنزاف.
بعد حدوث الزلزال السياسي بزيارة الرئيس السادات إلى القدس وخروج مصر من الصراع العربي الصهيوني بعقد اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام، كان مُتغيّراً آخر لصالح جبهة المقاومة قد حدث وهو اندلاع الثورة الإيرانية وانتصارها في العام 1979.
لم يستطع العدو الصهيوني ومنذ حرب حزيران/ يونيو 1967 أن يُحقِّق أيّ إنتصار في أية معركة ضدّ العرب حتى نجاحه السهل في حزيران/ يونيو 1967 لم يدم سوى أسابيع، حيث انتفض المقاتل المصري وقاتل ثلاث سنوات متصلة بداية من تموز/ يوليو 1967 أجبرت العدو أن يطلب وقفاً لإطلاق النار.
جاء انتصار المقاومة الفلسطينية في غزة الأخير وهو ما أجبر وزير الحرب الصهيوني أفيغدور ليبرمان على الاستقالة لفشله الذريع، وهو ما أجبر مسؤولاً صهيونياً كبيراً لأن يعلن أن إسرائيل تعيش فشلاً أمنياً كبيراً منذ حرب أكتوبر 1973.
كان المُتغيّر الجديد في صمود المقاومة الفلسطينية هذه المرة هو صواريخ الكورنيت حيث قام حزب الله بنقلها للمقاومة الفلسطينية.
كمين العَلَم واستهداف الباص المُحمَّل بالجنود الصهاينة بالكورنيت ثم الصواريخ على عسقلان دفع العدو لعدم التصعيد بعد لجوء أكثر من ربع مليون مستوطن صهيوني للمخابئ والملاجىء.
جاءت هذه التطوّرات في سياق إقليمي ودولي يتحدَّث عن ( صفقة القرن) وهي مشروع غامض لم يتحدّث أحد عن مضمونه أو تفاصيله اللّهم إلا من تسريبات إعلامية كأنها بالونات اختبار لجسّ نبض شعب الوطن العربي والشعب الفلسطيني.
كان ردّ الشعب الفلسطيني هو الخروج في مسيرات العودة والتي بدأت في 30 أذار/ مارس الماضي والمستمرة منذ 31 أسبوعاً، وقدَّم الشعب الفسطيني فيها أكثر من مائتي شهيد، فضلاً عن آلاف الجرحى والمصابين.
بالإضافة إلى انتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه المستمرة وهي التي أربكت خطط الإدارة الأميركية وحليفها الصهيوني والعربي المُتحمّس للصفقة. وكذلك صمود الشعب اليمني ضدّ تحالف العدوان الذي يعمل ضمن أجندة معادية للمصالح العربية.
بقي أن تقوم حركة حماس بتصحيح الأخطاء التي ارتكبتها طيلة السنوات الماضية حين انغمست في تأييد الإرهابيين ضد الجيش العربي السوري، وكذلك وقفت ضد إرادة الشعب المصري في إزاحة الإخوان من السلطة.
الطفل الفلسطيني يعرف قبل أي مواطن آخر أن الذي يدعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح والدبلوماسية هو الشعب الإيراني والشعب العربي السوري (آخرها الكورنيت) وحكومات الشعبين، ويتعاطف مع الحق العربي الفلسطيني الشعب العربي كله وكل الأحرار في العالم، لذا من العبث أن تصطف حماس مع وكلاء المستعمر أقصد تركيا وقطر ولا ينبغي لها أن تصطف مع وكلاء المستعمر ثم تزعم أنها حركة مقاومة.
إن المراجعة والنقد الذاتي وإجراء عمليات تقدير المواقف هي من سمات الحركات التي تريد أن تتقدم وتعيش وتحرّر أوطانها، خاصة وأن الظرف الإقليمي والدولي يُنذر بغروب شمس المُستعمر الأصيل وبالتبعية سقوط وكيله.