محمود شومان

صحفي مصري وكاتب

ما بين سعد زغلول ومصطفى كامل

لم تكن العلاقة بين سعد زغلول ومصطفى كامل جيّدة إطلاقاً وإن كانت قد بدت بشكلٍ إيجابي بين الإثنين وجود أهداف وتطلّعات مشتركة بينهما. اختار اللورد كرومر سعد زغلول وزيراً للمعارف، فحاول بمجرّد تعيينه إحباط مشروع الجامعة المصرية والتى تبناها مصطفى كامل، وتصدّى للجمعية العمومية حينما طالبت الحكومة في مارس 1907 بجعل التعليم في المدارس الأميرية باللغة العربية، وكان وقتئذ بالإنكليزية، وكان الاحتلال هو الذي أحلّ اللغة الإنكليزية محل العربية في التدريس.

كان زغلول يكّن عداء لمصطفى كامل
كان زغلول يكّن عداء لمصطفى كامل

 

وري كرومر في تعيينه إنه يرجع أساساً إلى الرغبة في ضم رجل قادر ومصري مُستنير من تلك الطائفة الخاصة من المجتمع المعنية بالإصلاح في مصر ، (كما أن سعداً من تلاميذ محمّد عبده وأتباعه الذين أطلق عليهم " جيرونديي " (153) " الحركة الوطنية المصرية " والذي كان برنامجهم تشجيع التعاون مع الأجانب لإدخال الحضارة الغربية إلى مصر الأمر الذي جعل كرومر يحصر فيهم أمله الوحيد في قيام الوطنية المصرية).

وبعد تعيينه وزيراً أرادت مجموعة من النساء المصريات في القاهرة أن يجتمعن به لأمر من الأمور فدخل عليهن وبهت إذ فوجئ بأنهن يسدلن الحجاب على وجوههن فرفض الدخول والاجتماع بهن إلا أن يكشفن وجوههن فأبين ذلك ولم يحصل الاجتماع.

وكانت هذه  من نقاط العداء التي أدت لانقلاب مصطفى كامل على سعد زغلول بعد ترحيبه بتعيينه في المنصب فعلق على تلك التصرّفات قائلاً: (إن الناس قد فهموا الآن أوضح مما كانوا يفهمون من قبل لماذا اختار اللورد " كرومر " (149) لوزارة المعارف العمومية صهر رئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا الأمين على وحيه الخادم لسياسته........ ألا إن الذين كانوا يحترمون الوزير كقاض ليأسفون على حاضره كل الأسف وليخافون على مستقبله كل الخوف ويفضلون ماضيه كل التفضيل ذلك لأن الوزير قائم الآن على منحدر هائل مخيف) .

كما أن العلاقة بين سعد وكرومر كانت من أحد أسباب هذا العداء الذي أشعله كامل فيقول زغلول مذكراته وقع خبر استعفاء كرومر من منصبه (11/4/1907) عليه فيقول: (أما أنا فكنت كمن تقع ضربة شديدة على رأسه أو كمن وخز بآلة حادّة فلم يشعر بألمها لشدة هولها ... لقد امتلأ رأسي أوهام وقلبي خفقان وصدري ضيق) .

وكان سعد في مقدمة الداعين إلى إقامة حفل لتوديع اللورد كرومر الذي سبّ في خطاب وداعه المصريين جميعاً ولم يمدح إلا رجلاً واحداً هو " سعد زغلول " وأعلن أنه يترك مصر مستريحاً لأنه أقام فعلاً القاعدة الأساسية لاستدامة الاحتلال.

وكان  ظهور كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" عام 1899م بدعم من سعد زغلول احدى نقاط الخلاف إذ أن مصطفى كامل ربط بين الدعوة وبين الإنكليز، على أنها وسيلة من وسائله المتلوّنة في القضاء على مقوّمات الأمّة.  فسارع إلى مقاومة هذه الحركة  وتحذير الأمّة منها، فأشار إليها في أول اجتماع عام عقده عقب صدور ذلك الكتاب في الخامس من شعبان سنة (1317 هـ) الموافق الثامن عشر من سبتمبر (1899م) حيث قال: (إني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوروبية، فإن في ذلك خطراً كبيراً على مستقبل الأمّة، فنحن مصريون،  ويجب أن نبقى كذلك، ولكل أمّة مدنية خاصة، بها فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلّدين للأجانب تقليداً أعمى، بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا، ولا نأخذ عن الغرب إلا فضائله، فالحجاب في الشرق عصمة وأية عصمة، فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم، وعلموهن التعليم الصحيح، وإن أساس التربية التي من دونه تكون ضعيفة ركيكة غير نافعة ... هو تعليم الدين).

وقد بلغ "بمصطفى كامل" الاهتمام بمقاومة هذه الحركة المسمومة إلى الحد الذي جعله يفتح صدر صحيفة "اللواء" منذ أول ظهورها سنة (1900 م) لكل طاعن على "قاسم أمين" وأفكاره فكانت "اللواء" - كما يقول الدكتور "محمّد حسنين هيكل" -: (خصماً لدوداً لقاسم وأفكاره، وكانت ميدان لأشد المطاعن عليه) .

وكتب "مصطفى كامل" في اللواء (31 يناير 1901 م) يؤكّد على (وجوب الالتفات إلى تربية النساء فهي دعوة يوافق عليها كل مثقفي الأمّة، أما الحرية للمرأة فلا محل للحديث عنها الآن، وعملية التطوّر الطبيعي تسير سيرها المحترم، وفرق بين التطوّر والتطوير القسري الذي لا يؤمن معه من سوء العاقبة، فإن الرجل منا أهون عليه أن يموت من أن يرى من أهل بيته امرأة فاسدة ولو كانت بهجة العِلم وحليته).

ومن ناحيته كان زغلول يكّن عداء لمصطفى كامل فمن مذكراته إنه سافر إلى الفيوم وفى مساء يوم وصوله  يوم 10 فبراير عام 1908 تلقّى خبر وفاة الزعيم الوطنى مصطفى كامل فلم يتأثر تأثراً بهذا الخبر مضيفاً: «بعد العشاء اجتمع بعض القضاة وأعضاء النيابة وناظر المدرسة، وجرى ذكر الفقيد، فلم أبد شيئا ضدّه، ولكن قلت: «سمعت أنه كان يحابي أحيانا لأغراض شخصية، ولم أرَ معارضاً من السامعين، ولكن موافقتهم لم تكن شديدة ولا ظاهرة ظهوراً بيناً، وقلت أنه كان على علاته نابغاً».

وفى طريق عودته إلى القاهرة حصل على بعض الجرائد فقرأها وحسب قوله: «رأيتها تبكي بكاء مراً وفاة مصطفى كامل، وما وصلت مصر حتى علمت فوق ما قرأت، وأصبحت الناس لا حديث لها إلا الوفاة، وما أصاب الناس من الفزع الأكبر من هولها، وأكثر الناس من الإعجاب بها، ومن كان منهم لا يعبأ بالمتوفى حين حياته، اهتم لوفاته اهتماماً كبيراً، وعدّ التفاف الناس حوله وبكاء الكثير منهم علامة على تنبّه الشعور الوطنى، ودليلاً على نمو الإحساس فى الناس، وذهبوا إلى أنه هو الذي أوجد هذا الشعور ونمّاه، وافتتحت «الجريدة» وهي من الجرائد المخالفة له التي كان بينها وبين جرائده خلافات شديدة اكتتاباً لرفع تمثال له، تذكاراَ لشأنه، واكتتب الكثير فيه أول مرة بمبلغ أزيد من خمسمائة جنيه».

ويروي زغلول مجريات زيارة أجرها له صديقة قاسم أمين قائلاً"قاسم أمين، من الذين لم يسلموا من لسان المتوفى، فقد حمل على كتابه فى «تحرير المرأة» حملة شعواء، وانتقده أشد الانتقاد، لا اعتقاداً بضرورة، ولكن تقرّباً من الجناب العالي، ونفاقاً لذوي الأفكار المتأخّرة والمُتعصّبين من الأمّة، ومن الذين كانوا لغاية وفاته يعتقدون أنه نصّاب خدّاع، ومنافق كذّاب".

وتابع "قاسم بك هذا حضر إلى يوم الجمعة 14 فبراير 1908، فى اليوم الرابع من الوفاة، وكان أول ما بدأني به: ماذا تقول في وفاة مصطفى كامل؟ إن اهتمام الناس بها لدليل على تنبّه عام، وحياة في الناس جديدة، وهذه قيمة تستحق الإعجاب، وأنه معجب أيضاً للطفي بك السيّد الذي اقترح إقامة التمثال، ولم يبق عنده الآن شك في حياة الأمّة ونهضتها".

 وردّ على قاسم: «نعلم أن الرجل ليس بشىء، وأنه نصّاب، فقال قاسم: كذلك ولكن النتيجة التي ترتّبت عليه تستحق الإعجاب.

 فردّ سعد: إن هذا الشعور عظيم، ولكن لم أفهم أن يكون«لطفي هو أول مقترح لهذا التذكار فرد قاسم: إنه خيراً فعل، وإن وجود مثل هذا الأمر يقوّي هذا الشعور ويزيده.