فؤاد صباغ

كاتب تونسي

الحرب العسكرية والإقتصادية بين "إسرائيل" وقطاع غزَّة

إن العمليات الأخيرة ستشكّل تهديداً للجانبين وستكون تكلفتها سياسية على الحكومة الإسرائيلية وإقتصادية على قطاع غزَّة الذي يُعاني بدوره من حِصارٍ جائرٍ على شعبٍ مضطهدٍ لا ينعم أفراده بالحياة الكريمة.

من مسيرات العودة التي يشهدها قطاع غزة (أ ف ب)
من مسيرات العودة التي يشهدها قطاع غزة (أ ف ب)

بعد فرحة التطبيع الإسرائيلي - الخليجي شهدت فلسطين الجريحة والمُغتصَبة نكبة جديدة في قطاعها الغزَّاوي. إذ مثّلت العملية العسكرية التي قام بها جيش العدو بنخبته وأجهزته من الشاباك والموساد وغيرها طعنة خنجر في ظهر عملية السلام ونسفاً كلياً بما يُسمّى صفقة "القرن" التي تحوّلت إلى صفقة "الفرن" في قطاع غزَّة.

إن نظرية التفوّق العسكري الإسرائيلي على جميع الدول العربية في المنطقة تخضع لأسلوب الترهيب والترغيب بشتّى أنواع الأجهزة قَصْد إركاع الحركات الإسلامية في قطاع غزَّة والتي هي في المُقابل لا تركع إلا لله عزّ وجل. فقد أصبحت تلك العملية الأخيرة تُصنَّف كصفعةٍ مؤلمةٍ لدولة "إسرائيل" أو دويلة "إسرائيل" كما يحلو تسميتها من قِبَل القيادات الثورية الإيرانية ومشتقّاتها في قطاع غزَّة وجنوب لبنان.

على الرغم من أن الحليف الروسي في منطقة الشرق الأوسط لبعض الدول العربية يسعى دائماً إلى تهدئة التصعيد اللفظي والعسكري، إلا أن بعض الجهات والحركات الإسلامية دائماً تسعى إلى قذف العبارات السيّئة على حمائم السلام مثل ملوك وأمراء الخليج أو على الزعيم الفلسطيني أبو مازن، ويبقى شعارهم فقط زوال "إسرائيل" وموت عُملاء الشيطان الأرعن أميركا و"إسرائيل".

هذا الخطاب الخشبي والأجوَف لبعض الحركات الإسلامية يمكن أن يؤدِّي بالنتيجة إلى انفجارٍ كلّي للمنطقة وإنجرافها نحو حربٍ بين إيران وحزب الله وحركة حماس مع دولة "إسرائيل". لكن يجب الأخذ بعين الإعتبار المصالح الأميركية والروسية في منطقة الشرق الأوسط والتي لا ترغب بأية حال من الأحوال التصعيد العسكري الإسرائيلي في قطاع غزَّة، والتلويح بحربٍ تشمل المنطقة كلها مع فرض حصارٍ إقتصادي وغلق جميع المعابر لتحويل ذلك القطاع إلى سجن أبوغريب.

كما تحوَّلت عملية تصعيد الحرب العسكرية والإقتصادية على قطاع غزَّة إلى مأساةٍ حقيقيةٍ تضرّ مباشرة بالحياة اليومية والقدرة الشرائية للمواطن الغزَّاوي الفقير والضحية للأطماع السياسية في المنطقة. على الرغم من هرولة بعض الدول الخليجية نحو التطبيع الإقتصادي والتجاري مع دولة "إسرائيل" وبإقامة مشروع القرن المُتمثّل في مد خط سكك حديدية عملاق ينطلق من مدينة حيفا مُتّجهاً نحو المملكة العربية السعودية ثم سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت، قصد تسهيل حركة التجارة والسفر مع الكيان الصهيوني، إلا أن جوهر القضية لم ينته بعد تماماً بحيث يبقى الخطر قائماً بين الطرفين مثل القنبلة الموقوتة ولا يوجد إلى حد الآن حل  لسلامٍ دائمٍ أو مبادرة تهدئة حقيقية قَصْد تطبيق صفقة القرن الأميركية.

إذاً هذه الحرب تدقّ جرس حرب شاملة يمكن أن يقع فيها العديد من الضحايا خاصة بعد إصابة العشرات من المواطنين الإسرائيليين نتيجة لإطلاق الصواريخ المُتكرّرة على عسقلان والخضيرة. كما أن المجلس العسكري الإسرائيلي الذي ترأسه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خرج بنتيجةٍ سلبيةٍ له تسبَّبت باستقالة اليهودي المُتطرّف وزير الدفاع الصهيوني أفيغدور ليبرمان، وهذا دليل فشل عسكري واضح ونكسة لقوّة "إسرائيل" التي لا تُقهَر الضارِبة بقبضةٍ من حديد ضدّ أيّ عدوان عربي ولو كان من قِبَل جميع الدول العربية مُجتمعة معاً.

إلا أن حركة إسلامية أو مجموعة صغيرة جداً ضربت حكومة العدو الإسرائيلي في الصميم ومثّلت له تهديداً لمصير الانتخابات الإسرائيلية القادمة وذلك في أواخر سنة 2018. بالإضافة إلى ذلك البديل لوزارة الدفاع الإسرائيلية من المُرجَّح لن يكون جيداً وخاصة أن المُترشّح لمنصبه هو نفتالي بينيت الذي يكّن كرهاً شديد لحركة حماس وبالتحديد لزعيمها إسماعيل هنية وخالد مشعل، بحيث من المُحتمل أن تتّجه الأمور إلى حربٍ طويلة الأمد على كامل مخيمات قطاع غزَّة.

أما الانتخابات القادمة في ظلّ هذا التدهور الأمني والتصعيد الحربي اليومي ستتّجه نحو التأجيل مع بروز نجم المُتطرِّف أفيغدور ليبرمان الأوفر حظاً لخلافة بنيامين نتنياهو مع غيابٍ كلّي لحزب العمل بعد انسحاب رموزه الكبار مثل إيهود باراك وبنيامين بن أليعازر، إما بالإعتزال أو الموت، كذلك إحتراق حزب كاديما أو إلى الأمام بين تسيبي ليفني وهيرتزوق.

إن العمليات الأخيرة ستشكّل تهديداً للجانبين وستكون تكلفتها سياسية على الحكومة الإسرائيلية وإقتصادية على قطاع غزَّة الذي يُعاني بدوره من حِصارٍ جائرٍ على شعبٍ مضطهدٍ لا ينعم أفراده بالحياة الكريمة. بالإضافة إلى ذلك ستتكبّد الميزانية الإسرائيلية عبئاً مالياً ضخماً خاصة إذا دخلت أطراف أخرى الحرب وبالتحديد حزب الله الذي يكّن كرهاً شديداً لدويلة بني صهيون حسب مُفردات تعبيرهم.