شرق الفرات.. بين السيادة السورية و"الأحلام التركية"

تأتي التحضيرات التركية لتحرّك عسكري ضد الكرد شرق الفرات وسط مناخات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، حيث أن برودة العلاقات مع واشنطن، بالإضافة إلى حرب التصريحات مع الأوروبيين، يضاف إلى ذلك الشرخ بين أنقرة والرياض جراء مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، تضاف إلى ذلك المعادلات التي فرضتها الدولة السورية لجهة حسم الكثير من معطيات ووقائع الميدان، يشي بأن الخيارات التركية وطموحات أردوغان ستصطدم بالأجندات التي حُددت للدور التركي إقليمياً ودولياً

تحاول تركيا عرقلة الجهود الرامية لتفعيل خارطة طريق للبدء بالحل السياسي في سوريا
تحاول تركيا عرقلة الجهود الرامية لتفعيل خارطة طريق للبدء بالحل السياسي في سوريا

ضمن إطار الحسابات الضيّقة والمخاوف المفتعلة، تحاول تركيا عرقلة الجهود الرامية لتفعيل خارطة طريق للبدء بالحل السياسي في سوريا، وإذا ما بقيت السياسة التركية في سوريا تعتمد مبدأ المناورة والالتفاف على الاتفاقيات والتفاهمات الدولية، فلا شك بأن الشرق السوري سيشهد جولات عسكرية تكون خواتيمها بيد الجيش السوري وحلفائه، فـالتوازنات الميدانية التي حقّقها الجيش السوري، لم يعد من الصعوبة فهمها، حتى أن الأطراف الدولية اللاعبة في الميدان السوري، اعترفت وفي أكثر من مناسبة بحسم محور المقاومة وعموده الفقري سوريا، لنتائج الميدان السوري ومعادلاته، ما يعني اعترافاً واضحاً من هذه الأطراف بهوية المنتصر، لكن في المقابل، لا يزال مسار الحل السياسي في سوريا عصيّاً على الفهم، فلا يزال أعداء سوريا يراهنون على تغيّر محتمل في مسار الميدان، في محاولة منهم لقبض أثمان استثمارهم في الإرهاب على مدى سنوات في سوريا، متجاهلين بأن ما ينجز في الميدان يُترجم في السياسة، وعليه فإن تأجيل أيّ عمل عسكري سوري يأتي في إطار إفساح المجال للتفاهُمات السياسية، لكن هذه التفاهمات لابدّ لها من أن تكون متوافقة مع السيادة السورية الكاملة، فالميدان حُسِم أمره سورياً، وهذا الحسم سيشكّل في جزئيّاته شكل الحل السياسي السوري، ولكن بتوقيت دمشق.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال "إن بلاده عازمة على القضاء على المقاتلين الكرد، شرقي نهر الفرات"، وقد قُتِل 4 مسحلين كرد في قصف نفذته المدفعية التركية على قريتي كور علي وسليم، في عين العرب الحدودية مع تركيا، بالتزامن قالت مصادر كردية إن الولايات المتحدة لن تسمح لتركيا بدخول شمال شرق سوريا وستدافع عن الكرد، وفي ذات السياق، فقد أعلنت القيادة الوسطى الأميركية وعلى لسان الكولونيل "شن راين" بأن القوات الأميركية مستعدة لمنع أية هجمات جديدة في المنطقة، ومستعدّة لمواجهة "تهديدات لاعبين خبثاء" في المنطقة في إشارة إلى التحرّكات التركية الأخيرة على الحدود مع سوريا.
ضمن هذه المعطيات، تأتي التحضيرات التركية لتحرّك عسكري ضد الكرد شرق الفرات وسط مناخات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، حيث أن برودة العلاقات مع واشنطن، بالإضافة إلى حرب التصريحات مع الأوروبيين، يضاف إلى ذلك الشرخ بين أنقرة والرياض جراء مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، تضاف إلى ذلك المعادلات التي فرضتها الدولة السورية لجهة حسم الكثير من معطيات ووقائع الميدان، يشي بأن الخيارات التركية وطموحات أردوغان ستصطدم بالأجندات التي حُددت للدور التركي إقليمياً ودولياً، في مفاصل القرار في المؤسّسات والأروقة الدولية، أو على امتداداتها الإقليمية، وهو ما يُفسّر صراحة تحرّكات أردوغان لإيجاد صيغةٍ سياسيةٍ عبر تفاهمات دولية تحقق له طموحاته في شرق سوريا، من هنا جاءت القمة الرباعية في أنقرة التي ضمت كلاً من روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا، والتي لم تتمكن تركيا عبرها من استنباط حل يُحقق لأردوغان مبتغاه، فـالروسي قرأ القمة عبر إعلان المتحدث باسم الرئاسة ديمتري بيسكوف أن القمّة "تهدف إلى توفيق المواقف في القضية السورية"، أما فإن الأوروبييّن فلابدّ من أنهما راضيان عن حيازتهما فرصة جديدة للعودة إلى التأثير في مسار الحل في سوريا، وبالتالي فإن القمة المرتقبة في أنقرة بين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان لن تحقّق تقدّماً في طريق أحلام أردوغان؛ أردوغان الذي سعى إلى تصعيد مبرمجٍ في مسار الحرب على سوريا، ضمن إطار خطّة بعيدة المدى، في ظاهرها احتواء مفرزات وتداعيات الأزمة السورية، ولكن في الهدف المباشر لها التوسع داخل الجغرافية السورية لاستعادة أمجاد أجداده العثمانيين.
بين أخذ وجذب، تتوالى مؤشرات التصعيد التركي في شمال سوريا، تصعيد لم يقتصر على شقّه العسكري، بل شمل تكثيف تصريحات الساسة الأتراك، في مشهد يذكرنا ببدايات غزو عفرين، لكن الأمر شرق الفرات مختلف لا سيما لجهة الحضور العسكري الأميركي، والدعم المباشر للكرد المبني أصلاً على مصالح وأجندات أميركية متعلّقة مباشرة بالنفوذ والطاقة، لكن تبقى للدولة السورية الكلمة الفصل في أية أجندة سواء أكانت أميركية أم تركية، يقول مصدر سوري بارز إن "الوضع في تلك المناطق غير شرعي برمّته، فالقوات الأميركية هي قوّات احتلال، والقوّات المحليّة المُتعاوِنة معها هي أدوات، والقوات التركية قوات غزو واحتلال بدورها"، ولا يُبدي المصدر أيّ قلق في ما يتعلّق بـ"مستقبل الجغرافيا السورية"، ويؤكّد أن "العَلَم السوري سيعود إلى كلّ شبرٍ سوري في نهاية المطاف، وعلى كل مَن يُشكّك بهذه النتيجة أن ينظر إلى الخريطة كيف كانت قبل عامين وكيف أصبحت اليوم".
في النتيجة، وعطفاً على ما قاله المصدر السوري البارز عن الوضع في الشرق السوري، فقد صرّحت الحكومة السورية بأن شرق الفرات هو هدف للجيش السوري بعد استعادة إدلب، ولعلّ المُتابع للشأن السوري يُدرِك بأن الجيش السوري كثّف من حشوداته العسكرية في إدلب على الرغم من وجود نقاط عسكرية تابعة للجيش التركي، في رسالةٍ واضحةٍ للمُراهنين على مستقبل سوريا، بأن الجيش السوري بإمكانه استعادة إدلب في أيٍّ وقتٍ يريد، ليثب بعدها إلى شرق الفرات، فـالسيادة السورية خط أحمر، هذا ما أكّده الرئيس الأسد في أكثر من مناسبة، إضافة إلى ما أثبتته الوقائع التي فرضها الجيش السوري على مدى سنوات الحرب المفروضة على سوريا.