محمود شومان

صحفي مصري وكاتب

احتجاجات السودان ونظرية المؤامرة

وليس من الغريب الآن أن تندلع حركة الاحتجاج بل الأغرب إنها تأخرت إلى هذا الأحد وهي التي ترتبط مباشرة بحدود مع دول أخرى كانت في مقدمة دول الربيع العربي هي مصر وليبيا، ولاسيما أن الأوضاع المعيشية والاجتماعية في السودان لم تكن تختلف عن البلدان الأخرى من دول الربيع العربي.

ليس من الغريب الآن أن تندلع حركة الاحتجاج بل الأغرب إنها تأخرت إلى هذا الحد
ليس من الغريب الآن أن تندلع حركة الاحتجاج بل الأغرب إنها تأخرت إلى هذا الحد

أعاد الحراك الاحتجاجي في المدن والعاصمة السودانية الخرطوم للأذهان مشاهد مشابهة قبل سنوات لبداية الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، أسفرت في بدايتها عن نتائج كانت إيجابية ، ففي تونس تخلّى الرئيس زين العابدين بن علي عن السلطة وفرّ هارباً إلى المملكة العربية السعودية بينما تخلّى الرئيس محمّد حسني مبارك في مصر عن السلطة للقوات المسلحة، وفي ليبيا قُتِل معمر القذافي على أيدي الثوار أثناء محاولته الفرار.

وبالطبع جميعها نتائج بدت للوهلة الأولى أنها نتائج مطمئنة على مستقبل الربيع العربي مع ارتفاع سقف طموح شعوب تلك الدول، وسادت فكرة أن الأنظمة الديكتاتورية قد انتهت بسقوط الرؤساء ، وأن البلدان أصبحت مفتوحة تماماً للديمقراطية وفرض سيادة الشعب قبل أن تهبّ عاصفة الثورات المضادّة التي بدّدت كل الطموحات التي اندلعت من أجلها تلك الثورات، بل وجعلت منها نموذجاً للمؤامرة تستهدف الدول العربية.

ففي تونس ما أن رحل بن علي حتى تحوّل المشهد السياسي هناك إلى مشهد عبثي أكثر مما كان عليه قبل اندلاع الثورة، وفي ليبيا أصبح المشهد أكثر عبثية  من تونس ، ففي ليبيا برزت على الساحة سلطتان وحكومات وقوى مسلحة متناحرة ، ففي طبرق وبنغازي سلطة البرلمان والمشير خليفة حفتر وفي العاصمة طرابلس سلطة حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، بينما في مصر أسفرت الثورة عن بروز جماعات الإسلام السياسي التي أدّت سياساتها الخاطئة في النهاية إلى حراك الثلاثين من يونيو.

وليس من الغريب الآن أن تندلع حركة الاحتجاج بل الأغرب إنها تأخرت إلى هذا الحد وهي التي ترتبط مباشرة بحدود مع دول أخرى كانت في مقدمة دول الربيع العربي هي مصر وليبيا، ولاسيما أن الأوضاع المعيشية والاجتماعية في السودان لم تكن تختلف عن البلدان الأخرى من دول الربيع العربي.

فالسودان يعاني من أزمة اقتصادية خانقة جداً للمواطن، فأصبحت الطوابير الطويلة للحصول على الخبز والوقود وغاز الطهيّ وأجهزة الصرّاف الآلي (ATM) مشهداً مألوفاً في الخرطوم وولايات أخرى، ووصل التضخّم إلى 64٪ في شهر يوليو/تموز، مقارنةً بـ25٪ في شهر ديسمبر/كانون الأول 2017.

أزمة اقتصادية أدّت لتكرار ثورات الربيع العربي بنسخة سوادنية هذه المرة، حتى باتت الشعارات التي كانت تدوّي في أرجاء العاصمة التونسية تونس والقاهرة نفسها هي التي ترتفع بها أصوات المشاركين في التظاهرات بالعاصمة والولايات السودانية.

حتى ردّة فعل السلطات السودانية نسخة أصلية من تلك النغمات التي قابلت بها أنظمة تونس ومصر الموجات الأولى من الثورة ، تعامل أمني ضعيف في البداية ومن ثم صمت حكومي تام فارتفاع وتيرة الاحتجاج فسقوط قتلي ومصابين تحمّل الحكومة مسؤولية سقوطهم لجماعات معارضة أو لأشخاص تسميهم بالمُندسين.

غريب أن في بلادنا  العربية.. الأنظمة الديكتاتورية متشابهة حتى في لهجتها، فإذا اندلعت الاحتجاجات داخل تلك البلاد لجأت إلى " قاموس " من الاتهامات ألصقتها بالقوى المعارضة والمحتجين من اتهامات بالتخوين والعمالة وغيرها.. ففي السودان مثلاً:

- سارع مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني الفريق أول صلاح عبد الله قوش للإعلان عن "تورّط خلية تتبع لحركة تحرير السودان التي يقودها المتمرّد عبد الواحد محمّد نور تم تجنيدها بواسطة جهاز المخابرات الإسرائيلي "الموساد" في أعمال التخريب التي وقعت في عدد من المدن، كاشفاً عن "تشكيل تلك الخلية لغرف التخريب في دنقلا وعطبرة شمال السودان وود مدني وسط السودان والحاج يوسف والكلاكلات إحدى أحياء العاصمة الخرطوم، وأكّد أنه جرى القبض على سبعة أفراد من الخلية في عطبرة شمال السودان، وتمّ ضبط رئيس الخلية في دنقلا وبعض منسوبي الخلية، بينما أقرّ قوش في ذات الوقت "بوجود أزمة اقتصادية"، وقال إنهم "لن يدفنوا رأسهم في الرمال". وأشار إلى أن "أزمة السيولة ستنتهي جزئياً منتصف كانون الثاني/يناير 2019 وستنجلي كلياً في نيسان/أبريل من نفس العام".

- بينما اتهم رئيس القطاع السياسي للحزب الحاكم عبد الرحمن الخضر "الجبهة الوطنية للتغيير"، بدعوة القوات المسلحة إلى "الانقلاب على الحكم". مستدلاً بوثيقة للجبهة أعلنت فيها "الجبهة الوطنية للتغيير" المكوّنة من 22 حزباً إضافة إلى حزب الأمّة، عزمها تقديم مذكرة إلى الرئيس عمر البشير، يطالبانه فيها بتشكيل "مجلس سيادة انتقالي، لتسيير شؤون البلاد"، و"تشكيل حكومة قومية".

- بينما أكّد الرئيس السوداني، عمر البشير، إن السودان يتعرّض، ودولاً عربية، لمحاولات الابتزاز الاقتصادي والسياسي من الدول الكبرى. وأوضح في خطاب ألقاه في حفل لتخريج قادة عسكريين في الخرطوم إن تلك الدول تسعى "لفرض التبعية على الشعوب والذات الوطنية وتركيع الأنظمة ودفعها تجاه تحقيق مصالحها في السيطرة على موارد الشعوب"، متجاهلاً التطرّق لأزمة البلاد الاقتصادية.