أحمد الزهاوي

كاتب مصري

لماذا تعقد إيران محادثات مع طالبان؟

ما هي الأسباب الفعلية التي دفعت إيران إلى عقد محادثات علنية مع طالبان داخل الأراضي الإيرانية رغم أن العلاقات بينهما ظلّت في حال جمود لفترة طويلة؟

تسعى أميركا لإشعال الفوضى المسلحة داخل الأراضي الإيرانية
تسعى أميركا لإشعال الفوضى المسلحة داخل الأراضي الإيرانية

استقبلت إيران وفداً من حركة طالبان الأفغانية في طهران يوم الأحد الماضي وعقدت محادثات مطوّلة مع قيادات من الحركة الأفغانية، وقال المتحدّث بإسم وزارة الخارجية الإيرانية إن المحادثات بين إيران و طالبان تهدف إلى إعادة السلام والأمن والاستقرار إلى كامل الأراضي الأفغانية، ولكن ما هي الأسباب الفعلية التي دفعت إيران إلى عقد محادثات علنية مع طالبان داخل الأراضي الإيرانية رغم أن العلاقات بينهما ظلّت في حال جمود لفترة طويلة؟

السبب الأول: وأد استراتيجيات الفوضي والاستنزاف

تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى إشعال الفوضي المسلحة داخل الأراضى الإيرانية ونقل المعركة إلى داخل إيران عبر الحدود الإيرانية الأفغانية من خلال جلب عدد كبير من فلول التكفيريين المهزومين في سوريا والعراق وتجميعهم ثم نقلهم إلى الحدود الإيرانية الأفغانية لكي يقتحموا الجغرافيا الإيرانية ويستهدفوا القوات الأمنية الإيرانية، وتهدف أميركا من وراء هذه السياسة إلى استنزاف إيران بشرياً والتأثير عليها معنوياً والتصوير في العقل الجمعي للمواطنين الإيرانيين أن إيران دولة فاشلة لإجبارها على الانكفاء داخل حدودها والتراجع عن دورها الاستراتيجي في الاقليم الذي يهدّد مصالح الولايات المتحدة الأميركية ، وما دفع إيران إلى اتخاذ هذا القرار الهام بعقد محادثات مع طالبان، هو سيطرة الحركة علي كامل الحدود الإيرانية الأفغانية بعد أن انسحبت القوات الحكومية منها نتيجة الفشل في إيصال المؤن و الذخيرة إليها ، وإيران أرادت عقد تلك المحادثات مع طالبان حتى تحيّدها عن المساهمة في المخطّط الأميركي الساعي إلى استنزاف إيران بشرياً عبر استهداف قواتها الأمنية من خاصرتها الأفغانية ونقل المعركة إلى داخل إيران عبر الحدود الأفغانية.

السبب الثاني: تعزيز الدور الإيراني جيو استراتيجياً 

تعمل إيران على إحكام قبضتها على الورقة الأفغانية عبر طالبان، فإحكام القبضة على ورقة طالبان ستمنح إيران أدواراً فاعلة في المفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية الموالية لأميركا، والمفاوضات بين طالبان و الولايات المتحدة التي سبق أن تم عقدها في الإمارات، فضلاً عن إجبار الولايات المتحدة على الطلب من إيران عدم استهداف القوات الأميركية داخل أفغانستان كما سبق وأن طلبت منها نفس الطلب في العراق، و في حال نفّذ ترامب تعهّده الانتخابي وسحب القوات الأميركية من أفغانستان، فإن الولايات المتحدة ستطلب من إيران الانسحاب العسكري الآمن من أفغانستان، وهذا في حد ذاته نصر جيو استراتيجي كبير لإيران أن تطلب منها دولة عُظمى مثل الولايات المتحدة هذا الطلب الذي يذعن للشروط الإيرانية، فإمساك إيران بورقة طالبان سيجعلها صاحبة اليد العليا في جميع الصراعات بين كافة الأطراف في الملف الأفغاني ، حيث أن هناك صراعاً بين طالبان والولايات المتحدة، وصراع بين طالبان و الحكومة الأفغانية، وصراع بين طالبان وداعش، وهو ما سيمنح إيران في حال إمساكها بورقة طالبان تأثيراً كبيراً في حلحلة جميع الأزمات داخل أفغانستان بما يتلاءم مع مصالح إيران الجيو استراتيجية، وهو ما يعزّز نفوذ إيران في الشرق الأوسط كله ويرسّخ في الأذهان المقولة التي يقولها القادة الإيرانيون دائماً وهي أن مفتاح الاستقرار في الشرق الأوسط في يد إيران، وهذا يجعل دور إيران الاقليمي لا يقتصر على الوطن العربي فقط بل يمتد إلى أفغانستان أيضاً، وهو ما سيمهّد لاحقاً إلى دور إيراني واسع النطاق في آسيا الوسطي حيث مصادر الطاقة  والثروات الطبيعية المهولة، وإيران تسعى إلى تعزيز نفوذها في أفغانستان كمقدّمة جيو سياسية لكي تلعب دوراً فاعلاً في دول آسيا الوسطى، وما التقارب بين إيران و بعض الجماعات الفاعلة داخل طاجيكستان إلا المؤشر على هذا المسعي الإيراني.

ختاماً، المحادثات الإيرانية مع طالبان تهدف إلى تأمين الحدود الإيرانية الأفغانية من أية محاولة اقتحام لها من قبل الإرهابيين لاستهداف القوى الأمنية الإيرانية، والإمساك بورقة طالبان التي ستمنح إيران دوراً فاعلاً في حلحلة جميع الصراعات الداخلية الأفغانية، نظراً لأن طالبان لديها صراعات مع جميع الأطراف الفاعلة هناك مثل الولايات المتحدة و الحكومة الأفغانية وداعش، فضلاً عن أن إيران تسعى إلى إيجاد موطىء قدم جيو استراتيجي لها في دول آسيا الوسطى عبر البوابة الأفغانية ومحاولة استغلال الفراغ الذي خلّفه انهيار الإتحاد السوفياتي في آسيا الوسطى.