مازن أبو ندى

كاتب فلسطيني

قانون القومية اليهودية بين الأيدلوجية والعنصرية الصهيونية

أقر الكنيست الإسرائيلي بأغلبية ( 62 ) عضواً و اعتراض (55) عضواً و امتناع عضوين عن التصويت لصالح قانون القومية اليهودية وذلك يوم الخميس الموافق 19/7/2018م ، والذي ينصّ على حقّ اليهود في تقرير مصيرهم وأن دولة إسرائيل هي الوطن الحقيقي لكل اليهود في العالم، وأن القدس كاملة غير مجزّأة هي عاصمة الدولة الإسرائيلية، فمن خلال قراءة الأرقام التي أيّدت والتي عارضت، يستطيع القارئ فَهْم أن حال النقاش حول إقرار قانون القومية اليهودية كانت عاصفة والنقاش فيها حادّاً.

قانون القومية يُعتَبر عملية وأد كاملة للحلم الفلسطيني في إقامة دولته المستقلّة وعاصمتها القدس
قانون القومية يُعتَبر عملية وأد كاملة للحلم الفلسطيني في إقامة دولته المستقلّة وعاصمتها القدس

ومن الطبيعي بأن يكون على رأس المُعارضين وأشدّهم معارضة هي القائمة العربية في الكنيست والتي يترأّسها جمال زحالقة، والذي بدوره أكّد بأن هذا القانون هو قانون عنصري بالدرجة الأولى ويُعامِل عرب الداخل وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة، وهذا على عكس ما ورد في بنود وثيقة إعلان دولة إسرائيل في الخامس عش من أيار لعام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف ، حيث نصّ الإعلان على حثّ السكان العرب في داخل دولة إسرائيل على المشاركة في بناء الدولة على أساس المواطِنة التامة القائمة على المساواة والتمثيل المناسب في جميع مؤسّسات الدولة الدائمة والمؤقتة.


ما هو قانون القومية اليهودية؟
هو قانون تمّ إعداده منذ سبع سنوات تقريباً من رئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي "آفي ديختر" لتتم مناقشته بعد ذلك بعدّة قراءات كان آخرها إقراره واعتماده بالقراءة الثالثة يوم الأربعاء بتاريخ 18/7/2018م، وينصّ القانون على أن للشعب اليهودي الحق الكامل في تقرير مصيره وإقامة دولته التي تُعتَبر الوطن الأول للكل اليهودي في شتّى بِقاع الأرض ، وأن القدس هي العاصمة الأبدية للدولة اليهودية واعتبار أن اللغة العبرية هي اللغة الرسمية، أما اللغة العربية فهي لغة ثانوية ولها معاملة خاصة وأن التقويم المُعتَمد هو التقويم اليهودي، كما أن القانون حمل في طيّاته خمسة عشر مادة فصّلت التعامل مع اليهود في العالم وحقّهم في توفير الراحة والأمن لهم من الدولة، و كذلك رفع درجة التواصل بين اليهود في العالم وحثّهم على الهجرة والعودة إلى أرض إسرائيل والتي يعتبرونها وطنهم الأول والأوحد، وتشريع الاستيطان، كما أن القانون شمل الأعياد القومية والإجازات الرسمية وتفصيل عَلَم إسرائيل والشخصيات القومية اليهودية باعتبارها شخصيات يهودية رمزية ، وشعار دولة إسرائيل الشمعدان ذو السبع أفرع مع غصنيّ الزيتون على جانبيها وقاعدة مكتوب عليها دولة إسرائيل، وأخيراً مادة خاصّة بإقرار القانون وعدم السماح بتغييره إلا بأغلبية الأعضاء.
قانون القومية اليهودية والأيدلوجية الصهيونية
ان المُتفحّص للحركة الصهيونية منذ إعلان ثيودور هرتسل في مؤتمر بال في سويسرا، يستطيع الوصول إلى أن هذا القانون هو بمثابة تكريس للعنصرية الصهيونية وانقلاب على أهم المبادئ والحقوق الإنسانية في أن لكافة المواطنين الحق في العيش داخل الدولة والتمتّع بجميع الحقوق المُقرّرة لهم على أساس قائم على المساواة ، فمنذ أن وطأت أقدام اليهود الشرقيين من بولونيا وغيرها من دول أوروبا الشرقية فلسطين مع بدايات القرن التاسع عشر( والتي عرّفت عن نفسها بأنها بعثات دينية وأهدافها هي تسهيل أمور الحجّاج من اليهود إلى الأماكن المُقّدسة في فلسطين)، بدأت أول البذور الاستيطانية في أرض فلسطين وهي ما سعت إليه الحركة الصهيونية منذ نشأتها، فبدأت باستقطاب البعثات اليهودية إلى أرض فلسطين على أساس ديني ومن ثم تسهيل إقامتهم و توفير الدعم اللازم لها من أجل تسهيل وإطالة أمد بقائها في فلسطين سواء من الحركة الصهيونية العالمية أو من خلال الانتداب البريطاني الذي كان قائماً حينئذٍ، ثم ما لبثت هذه البعثات بإنشاء العلاقات مع الفلسطينيين العرب واستصلاح الأراضي الزراعية، وتشكيل البؤر الاستيطانية الجديدة وتلاها نشر الرُعب بين صفوف المواطنين إلى أن استطاعت التمكّن من الحال القائمة، من خلال ارتكاب المجازر والإبادة الجماعية الكاملة للقرى الفلسطينية وقتل كل ما هو حيّ فيها وعدم الإبقاء على طفل أو شيخ أو إمرأة ولا حتى حيوان أو نبات، فبدأت الهجرة القصريّة الداخلية والخارجية للمواطنين الأصليين من الفلسطينيين حفاظاً منهم على أرواحهم وأبنائهم وكذلك أعراضهم والتي تُعتَبر هي الرأسمال الحقيقي للمواطن الفلسطيني، ومن هنا بدأت عملية التغيير الديمغرافي للسكان من خلال استقطاب أكبر عدد من اليهود في العالم وتوطينهم داخل فلسطين ، إلى أن أصبح عدد اليهود يفوق عدد المواطنين الأصليين، واستمر التغيير والتزييف للواقع من خلال تسمية المدن الفلسطينية بأسماء يهودية ذات طابع ديني بالدرجة الأولى، إلى أن أصبح حال المواطنين الفلسطينيين الأصليين مصنّفين مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة ولا يتمتّعون بنفس الحقوق التي يتمتّع بها المواطن الإسرائيلي، إلى درجة حرمانهم من الالتحاق ببعض الجامعات الإسرائيلية واقتصار الدراسة فيها على المواطنين الإسرائيليين، لم يقتصر الإقصاء والتهميش على الجغرافيا والتاريخ بل امتد إلى الدين والتراث والثقافة والمناهج، فالمواطن الفلسطيني لا يستطيع ممارسة شعائره الدينية كباقي البشر ولا يستطيع التحدّث عن تراث أجداده ومجدهم إلا من خلال الجلسات العائلية، فالمناهج الفلسطينية تم حذف العديد من دروسها وخاصة في ما يتعلّق بانتصارات المسلمين في حطّين وتذرّعاً بأنها ضدّ السامية وتشجّع على العنف والقتل، وفي الوقت نفسه تقرّر وزارة المعارف الإسرائيلية تضمين سيرة مناحيم بيغن "رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق" ضمن المناهج الإسرائيلية وهو المسؤول الأول عن قتل آلاف الفلسطينيين في دير ياسين وقانا وصبرا شاتيلا، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط فقد طالب العديد من وزراء إسرائيل بمنع ذِكر أو الإشارة إلى خريطة فلسطين ، وطالبوا بضرورة ذِكر دولة فلسطين على الضفة وغزّة وإسرائيل على باقي أراضي فلسطين.
قانون القومية اليهودية والمواطنين العرب الفلسطينيين
إن قانون القومية يُعتَبر عملية وأد كاملة للحلم الفلسطيني في إقامة دولته المستقلّة وعاصمتها القدس الشريف، يشكّل الفلسطينيون العرب في داخل دولة إسرائيل نسبة تتراوح تقريباً حول 20% من عدد سكان إسرائيل الإجمالي، وهذا العديد ليس بالقليل إذا ما تمّ حساب نسبته بأنه يشكّل خُمس سكان إسرائيل ويحظى العرب في إسرائيل بتمثيل نسبي في الكنيست الإسرائيلي، إلا أنهم لا يحظون بنفس الحقوق التي يتعامل بها المواطن الإسرائيلي، فالعرب مصنّفون من الدرجة الثانية أو الثالثة ، وبعد إقرار قانون القومية اليهودية أصبحت اللغة العربية لغة ثانوية مع منحها مكانة خاصة، كما أن أعضاء الكنيست العرب " عن القائمة العربية الموحّدة" برئاسة جمال زحالقة اعتبروا بأن إقرار القانون يكرّس العنصرية الصهيونية ويقضي على كافة الحقوق التي يمكن أن يتمتّع بها المواطن العربي داخل إسرائيل ، وهذا يتعارض مع وثيقة الإعلان الخاصة بدولة إسرائيل التي أقرّت مبدأ المساواة في الحقوق بين كافة المواطنين، كما أن القانون يُعتَبر بأنه بمثابة إعلان حرب على الفلسطينيين بشكل عام وهو تكريس لنظام الأبرتهايد الذي انتهى في جنوب أفريقيا. أما على صعيد الفلسطينيين الذين يناضلون عبر عقود مضت من السنوات مطالبين بحقّهم الشرعي في إقامة دولتهم الفلسطينية كباقي دول العالم ، وكذلك في الوقت الذي يمارس فيه الفلسطينيون حقهم أيضاً في التظاهر السلمي ضمن مسيرات العودة، نجد بأن هذا القانون يأتي كخنجر مسموم في خاصرة القوانين والمواثيق والقرارات الدولية والأممية والتي أعطت للفلسطينيين الحق في إقامة دولتهم الفلسطينية والعودة إلى أراضيهم، ما من شأنه أن يُلهِب الساحة السياسة ويزيد من العنف والقتل والدمار في المنطقة، ويساهم في نشر الإرهاب والفكر المتطرّف خاصة بين أوساط الشباب.