محمد سلام

كاتب عراقي

عبد المهدي وصالح، ثنائي لمأسسة الدولة

صحيح أن بعض القواعد التي بُنيت عليها العملية السياسية العراقية بعد التغيير عام 2003، بقيت ذاتها في حكومة 2018، حيث منصب رئيس مجلس النواب للعرب السنّة ورئاسة مجلس الوزراء للعرب الشيعة ورئاسة الجمهورية للكرد، لكن أختيار الأشخاص كان يمثل فاتحة خير للعراقيين.

الرئيسان صالح وعبد المهدي
الرئيسان صالح وعبد المهدي

ما أفرزته الانتخابات العراقية التي جرت في 12 أيار/ مايو، من العام الماضي، كان واقعاً سياسياً ساعد العملية السياسية على تخطّي بعض العقبات وأبرزها التخندق الطائفي، فعدم حصول أية كتلة على ستين مقعداً في البرلمان، دفع الجميع للتفاهم تحت سقف وطني خالص للخروج بتشكيلة حكومية تلقى مقبولية في الشارع.

صحيح أن بعض القواعد التي بُنيت عليها العملية السياسية العراقية بعد التغيير عام 2003، بقيت ذاتها في حكومة 2018، حيث منصب رئيس مجلس النواب للعرب السنّة ورئاسة مجلس الوزراء للعرب الشيعة ورئاسة الجمهورية للكرد، لكن أختيار الأشخاص كان يمثل فاتحة خير للعراقيين.

ويتجلّى الواقع الجديد بعد الانتخابات في عدم وجود تجمّعات طائفية أو إنشطار على أساس أفقي حيث الكرد شمالاً والسنّة وسطاً والشيعة جنوباً، بل بات الإنقسام عامودياً والمشهد فيه فريقان ، وهما كتلة البناء التي تضمّ من الشيعة والسنّة والكرد، وتحالف الإصلاح الذي يضمّ ذات المسمّيات، وهذا جيد لبلد عانى كثيراً من الطائفية السياسية، وميزة تعطي للحكومة العراقية القدرة على التحرّك للإصلاح من دون الاتهام بالطائفية، خصوصاً وهي تلقّت دعماً كبيراً من كلا التحالفين، وهذا ما أغنى عن وجود الكتلة النيابية الأكبّر التي ترشّح رئيس الحكومة.

فبعد أن نال مرشّح الإتحاد الوطني الكردستاني حينها ورئيس الجمهورية العراقية الحالي برهم صالح، ثقة البرلمان العراقية بغالبية الأصوات، استطاع الرئيس صالح أن يعيد الثقة بهذه المؤسسة التي رُكنت جانباً بعد ترجّل الرئيس الراحل جلال طالباني منها، الرئيس صالح شخصية تلقى إحتراماً ومقبولية من الشارع العراقي والكتل السياسية، وأخذ الرجل يُعيد بناء علاقات العراق مع محيطه العربي والإقليمي وللتأكيد على الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه بغداد في المنطقة، وذلك من خلال الزيارات التي أجرها مع الدول المحيطة بالعراق والتفاهامات التي يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً في المسقبل لصالح العراق.

وفي البداية كان للرئيس صالح دور إيجابي في رأب الصدع بين الكتل السياسية لإكمال تشكيلة الحكومة العراقية، وتكاد تكون هذه المرة الأولى التي تدخل رئاسة الجمهورية على خط أزمة الكتل السياسية لتقريب وجهات النظر بعد مرحلة الراحل طالباني، ويبدو أن الرئيس صالح بدأ بالتطبيق فعلياً لوعده إلى العراقيين أنه سيكون رئيساً لكل العراق ليس لطائفة أو قومية أو دين.

أما منصب رئاسة الوزراء العراقية، أهم منصب تنفيذي والمسؤول الأول عن رسم السياسات الإستراتيجية للدولة العراقية وفق دستور البلاد، فأيضاً طاله التغيير واستبشر الكثيرون به خيراً، رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، شخصية تلقى إحتراماً في المشهد السياسي العراقي، ويمتلك الهدوء والحكمة في التعاطي مع الشركاء والأزمات، وعبد المهدي لم يكن مرشّحاَ في الإنتخابات النيابية ولم يُحسب على أيّ طرف سياسي عراقي، هذا يعني أن هذه المرة الأولى التي يقود فيها شخص رئاسة الوزراء وهو غير محسوب على حزب سياسي معيّن، بالإضافة الى أنه يمتلك علاقات قوية مع الغرب وتحديداً فرنسا وهذا ما سينعكس إيجاباَ على أوضاع العراق في تعامله مع المجتمع الدولي، خصوصاً لبناء ما دمّره الإرهاب في العراق بمساعدة المجتمع الدولي والدول الكبرى.

وهناك ميزات لشخصية الرئيس عبد المهدي، وهي أن هذا الرجل الذي يقف على أعتاب الثمانين من عمره سوف لن يسعد الفاسدون خلال فترة حكمه، فتاريخه وعمره والطريقة التي رُشّح بها إلى هذا المنصب تجعل الشارع العراقي يهدأ من التفكير بمافيات الفساد التي تنوي أن تعشّش على مفاصل رئاسة الوزراء والمناصب الحساسة، كذلك أن الرئيس عبد المهدي يتميّز أنه ليس لديه تفكير في مرحلة إنتخابات 2022، لأنه أخذ عهداً على نفسه أمام الشركاء السياسيين في حوارات الغرف المغلقة قُبيل تشكيل الحكومة، أنه لم ولن يرشّح للإنتخابات المقبلة، وأفصح عن هذا الوعد وأكّده أمام الشارع العراقي خلال زيارته إلى منطقة الحسينية في أطراف العاصمة بغداد، وهذه نقطة قوّة إلى عبد المهدي، تجعله لا يُحابي جهة معينة داخلية كانت أم خارجية في سبيل حصوله على فرص دعم لتولّي ولاية جديدة .

وخلال الزيارة السرّية لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب إلى قاعدة عين الأسد شرق العراق، أكّدت الرئاسات الثلاث أنها خيار عراقي هذه المرة وتتعامل مع الجميع وفق المصلحة والسيادة الوطنية العراقية عندما رفضت الرئاسات الذهاب إلى القاعدة العسكرية للقاء ترامب.

لكن هذه الدورة التشريعية بدأت من فترة ليست ببعيدة، والسنوات الأربع المقبلة ستكون كفيلة بتقييم فترة صالح وعبد المهدي، ذلك الثنائي الذي يبدو حتى اللحظة مُتناغماً ويسير بخطوات ثابتة لأخراج العراق من أزماته المتوارثة.