محمد سلام

كاتب عراقي

هل فعلاً زار مسؤولون عراقيون إسرائيل؟

العراق واحد من البلدان العربية التي قارعت إسرائيل لعقود، وشارك الجيش العراقي في العديد من المعارك ضد الكيان الصهوني منذ ستينات القرن الماضي وحتى أوائل التسعينات، عندما دكّت بغداد مايعرف بتل أبيب بـ39 صاورخاً عراقياً، وحتى بعدما أندلعت الأزمة السورية عام 2011، وتواجد العراقيون إلى جانب حلفائهم دفاعاً عن سوريا، وبعد ما شارفت المعركة على الإنتهاء داخلياً انتقلت فصائل المقاومة على الحدود مع العدو الإسرائيلي بحضور عراقي مميّز متمثلاً بفصائل المقاومة العراقية، على الحدود الشمالية الشرقية لفلسطين المحتلة لتشكّل لواء يسمّى بلواء تحرير الجولان.

  • هل فعلاً زار مسؤولون عراقيون إسرائيل؟

لا يُخفى على أحد أن الكيان الإسرائيلي، المحتل دائماً ما يعتمد على قاعدة كذّب كذّب حتى يصدّقك الآخرون، ويتقن فن صوغ الأكاذيب للتملّص من جرائمه المكشوفة بحق الشعب الفلسطيني والتجاوز على السيادة السورية وكذلك ما يثيره من فترة لأخرى من أكاذيب لتشويش المجتمع اللبناني.

وآخر ما زعمه هذا الكيان، هي زيارة ثلاثة وفود عراقية خلال عام 2018، إلى الأرض العربية الفلسطينية المحتلة بالإضافة إلى إجراء لقاءات من مسؤولين إسرائيليين للتفاهم حول تطبيع العلاقة مع الكيان الصهويني والتباحث في بعض ملفات المنطقة وعلى رأسها الملف الإيراني والسوري.

مجرّد القول من دون دليل من قِبَل موقع تابع لما يُعرف بوزارة الخارجية في حكومة الإحتلال، وتأكيدات تأتي على لسان باحث إسرائيلي يُدعى (إيدي كوهين)، الذي يمكن من خلال عملية بحث بسيطة عنه في المواقع الإسرائيلية، يتبيّن أنه شخص غير موثوق به وبما يقول، ويعمل موجهاً للعرب حصراً خدمة لأجندات صهيونية، فهذا غير كافٍ للتصديق أن الرواية الإسرائيلية حقيقة واقعة.

وفرضاً لو سلّمنا بأقوال إسرائيل، إن وفوداً عراقية ثلاثة، بحثت في (تل أبيب)، أموراً إستراتيجية وحسّاسة، فهنا نسأل؟

  • إسرائيل دائماً ما تعمل في الخفاء لماذا كشفت هذه التفاصيل التي قد تُحرج الطرف الآخر كثيراً أمام جمهوره، فهي تعمل مع الكثير من الحكّام والقيادات العربية في الخفاء.
  • وهل يُعقل أن قرابة خمسة عشر مسؤولاً عراقياً، زار إسرائيل سراً خلال عام واحد وهو العام الماضي 2018، ولم تلتقط إسرائيل لهم صوَراً أثناء اللقاء، أو حتى صوَر لجوازات سفرهم، وإذا كانت قد التقطت فلماذا لا تنشر الصوَر لتكون حجّتها واقعية وتُصدّق من قِبَل المجتمع العراقي خصوصاً والعربي عموماً.

هذان المسؤولان الإفتراضيان يثيران العديد من الشكوك حول الرواية الإسرائيلية، كما أن إسرائيل تناقص نفسها بنفسها، قبل فترة ليست ببعيدة صرّح مسؤولون عسكريون في الكيان الإسرائيلي، أن فصائل المقاومة في العراق باتت تمتلك صواريخاً قد يصل مداها إسرائيل والحكومة العراقية لا تمنع ذلك بل ورجّحت أن تشنّ الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات على مواقع عديدة داخل العراق ، وباتت إسرائيل تفكّر كثيراً في ضرب العراق خلال هذه الفترة، ثم تأتي اليوم وتريد أن توحي أن أغلب القيادات السياسية التي لها علاقات وثيقة مع إيران تريد التقرّب منها وزاراتها سراً على مدى عام كامل، فهل نصدّق الرواية الإسرائيلية الأولى التي تؤكّد أن العراق بلد بحكومة وشعبه بات يمثل خطراً على إسرائيل، الثانية التي تؤكّد تطوّراً في العلاقات العراقية- الإسرائيلية.

وهذا لا يعني أن ليس هناك من بعض القيادات السياسية سواء من العراق أو أي بلد عربي آخر، قد تزور إسرائيل فعلاً وفي السرّ تنفيذاً لأجندات أجنبية، لكن تلك الزيارات لم تكن رسمية وبدفع من أعلى المستويات السياسية والأمنية، فزيارة عضو البرلمان العراقي السابق مثال الآلوسي إلى إسرائيل عام 2004، لكن بعد تلك الزيارة تم عزله من منصبه في (هيئة إجتثاث البعث)، وتمّ طرده من حرب المؤتمر الوطني، وعندما زار الآلوسي إسرائيل مرة أخرى عام 2008، تمّ رفع الحصانة عنه من مجلس النواب العراقي، هذا يعني أن تلك الزيارات حصلت نعم لكنها لم تكن قراراً عراقياً خالصاً ولم يكن الأشخاص الزائرون من أصحاب القرار بل من المتدافعين على حفنة دولارات.

ثمّ كيف لنا أن  نصدّق إسرائيل أن المسؤوليين العراقيين ناقشوا في تل أبيب، قضايا تخصّ سوريا وإيران، وهل العراق لديه وصايا على هذين البلدين اللذين يشكّلان محوراً يتربّص بإسرائيل للقضاء عليها بوضوح النهار، والعراق بأغلب مكوّناته ليس ببعيد عن تلك الدولتين في التوجّه.

إذاً ربما يتبادر إلى الأذهان سؤال منطقي، وهو لماذا قالت إسرائيل ذلك؟.

  • في البدء قد يكون قد حصلت زيارة سرّية فعلاً من قبل مسؤولين عراقيين لكن من المؤكّد لم يتم التباحث بملفات حسّاسة كما ذكرت إسرائيل، ولم يمثل الزائر الرأي الرسمي للعراق، لكن قد يكون أحد عملائهم برفقة عملاء آخرين قاموا فعلاً بتلك الزيارة وفي الحكومات العربية بغالبها للأسف هناك من يأخذ تعليماته من السفارة الأميركية أو إسرائيل، وقد عمدت إسرائيل على تضخيم هذه الرواية، للاستعراض أمام الرأي العام في الداخل الإسرائيلي والعربي عموماً، أن المسؤولين العرب يتهافتون على زيارة إسرائيل ويقدّمون لنا كل شيء في سبيل التطبيع معها، وهذا يخدم سياسة إسرائيل أمام العالم في تصدير نفسها كبقعة آمنة في محيط يغلي نتيجة الكذب والنفاق والإرهاب، وأن الحجّة الإسرائيلية دائماً هي على حق، حتى لو قتلت الفلسطينيين أو اعتدت على سيادة بلد عربي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً