أحمد الزهاوي

كاتب مصري

أسباب السعي الأميركي لإنهاء حكم مادورو

فإسقاط الحكومة الفنزويلية والإتيان بحكومة موالية للولايات المتحدة سيؤدّي إلى سيطرة أميركا علي الموارد الطبيعية الفنزويلية خاصة النفط والغاز وحرمان الصين منها.

اسقاط الحكومة الفنزويلية والإتيان بحكومة موالية للولايات المتحدة سيؤدّي إلى سيطرة أميركا على الموارد الطبيعية الفنزويلية (أ ف ب)
اسقاط الحكومة الفنزويلية والإتيان بحكومة موالية للولايات المتحدة سيؤدّي إلى سيطرة أميركا على الموارد الطبيعية الفنزويلية (أ ف ب)

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عبر رئيسها دونالد ترامب إن الرئيس الفنزويلي مادورو أصبح غير شرعي وإنها لم تعد تعترف به كرئيس دستوري لفنزويلا، وتعتبر رئيس مجلس النواب المعارض خوان غوايدو هو الرئيس الشرعي المؤقت لفنزويلا، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة الآن في الساحة السياسية العالمية لماذا تسعى الولايات المتحدة لإنهاء حكم الرئيس الفنزويلي مادورو؟

لكي نفهم لماذا تسعى الولايات المتحدة لإنهاء حكم مادورو يجب أن نشرح ما هي استراتيجية ترامب التي يسعى لتنفيذها منذ تولّيه سدّة الرئاسة، ترامب يسعى لمواجهة الصين و حصارها طاقوياً، فترامب يريد حرمان الصين من مصادر الطاقة وخاصة النفط والغاز التي تحصل عليها من فنزويلا وإيران، ترامب لا يريد الصراع الجيو إستراتيجي مع روسيا بل يريد الصراع الإقتصادي مع الصين ويعمل على حرمانها من مصادر الطاقة والموارد الطبيعية التي تحصل عليها من إيران وفنزويلا، فيعمل على إسقاط الأنظمة في تلك الدول حتى يتمكن من حصار الصين طاقوياً ووقف نفوذها الاقتصادي الهائل في العالم لإجبارها على الانكفاء الاقتصادي داخل جغرافيتها، والتخلّص من المنافس الاقتصادي المزعج للولايات المتحدة، لأن هذا النفوذ الاقتصادي الصيني سمح للصين بغزو الأسواق العالمية بما فيها الأسواق الأميركية و هزيمة أميركا اقتصادياً في قارة إفريقيا وآسيا الوسطى، بل ليس هذا فقط فالصين أصبحت تزاحم أميركا اقتصادياً في فلسطين المحتلة وتجلّى ذلك في حصول مجموعة شنغهاي الدولية للموانىء الصينية على عقود استثمار في ميناء حيفا متفوّقة على شركة أميركية عبر المناقصة في هذا المضمار، فرغم التحالف الإستراتيجي التاريخي بين أميركا و"إسرائيل" إلا أن الصين نجحت في التغلغل داخل بنية الاقتصاد الإسرائيلي والاستحواذ على أكبر مصنع إسرائيلي لإنتاج  الألبان (تنوفا)، والصين تستغل حاجة "إسرائيل" للشركات الصينية للتغلغل داخل أفريقيا، فحدث نوع من المقايضة الاقتصادية بين الصين و"إسرائيل"، "إسرائيل" تفتح السوق الاقتصادية الإسرائيلية للشركات الصينية مما يعطي الصين ورقة ضغط في صراعها الإقتصادي مع أميركا مقابل أن تساعد الشركات الصينية إسرائيل في التغلغل داخل بلدان أفريقيا.

فإسقاط الحكومة الفنزويلية والإتيان بحكومة موالية للولايات المتحدة سيؤدّي إلى سيطرة أميركا على الموارد الطبيعية الفنزويلية خاصة النفط والغاز وحرمان الصين منها لكن يجب الإشارة إلى نقطة هامة وهي أن السيطرة على النفط الفنزويلي من قبل أميركا ليست هدفاً في حد ذاته بل هي أداة لمحاربة الصين طاقوياً وحرمانها من مصادر الطاقة التي تغذّيها وأحد أهم تلك المصادر فنزويلا، فأميركا تسيطر بشكل شبه مطلق على نفط الخليج العربي لذلك هي ليست في حاجة ملحّة إلى نفط فنزويلا لنهبه بل تحتاجه لحرمان الصين منه، ففنزويلا تملك أكبر احتياطي من النفط في العالم ووقّعت مؤخراً اتفاقيات اقتصادية ضخمة مع الصين، تقوم الصين بموجبها بتطوير إنتاج النفط في فنزويلا وتلك الاتفاقيات شملت تمويل صيني لأكثر من 500 مشروع داخل قطاع النفط الفنزويلي، فضلاً عن الاتفاقات التي عقدتها الصين مع فنزويلا بخصوص حصول الشركات الصينية على الحق في التنقيب عن المعادن واستخراجها ومنها الذهب، فأميركا عبر محاولتها إنهاء حُكم مادورو تهدف إلى توجيه ضربة إقتصادية للصين.

ومن الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تعمل على إسقاط حكومة مادورو هي تعويض خسارة المكسيك وتحوّلها من دولة تابعة للولايات المتحدة إلى دولة مستقلة، وهذا الإستقلال المكسيكي عن المشروع الأميركي تجلّى في رفض المكسيك الانقلاب على مادورو و دعمها له وتأكيدها على أنه الرئيس الشرعي، فالولايات المتحدة لديها قدرة كبيرة على تحويل الدول من دول مستقرّة إلى دول فاشلة كما فعلت في أفغانستان و العراق و ليبيا، لذلك إذا أخفقت في هزيمة خصومها في جغرافيا ما تسعى مباشرة إلى تعويض هزيمتها في جغرافيا أخرى، فأرادت تعويض خسارة المكسيك كدولة تابعة لأميركا عبر إسقاط النظام المناهض لها في فنزويلا.

وبالإضافة إلى ما سبق فإن الولايات المتحدة تسعى لإسقاط الحكومة الفنزويلية حتى تعيد هيبتها على الساحة الدولية مرة أخرى، فالولايات المتحدة فشلت في إخضاع الصين اقتصادياً والتصعيد الأميركي الاقتصادي ضد الصين سرعان ما فشل وعقدت الولايات المتحدة هدنة تجارية مع الصين بعدما أدركت أن التصعيد الاقتصادي ضد الصين خسائره أكبر من مكاسبه بالنسبة لها، و فشلت أميركا أيضاً في إخضاع روسيا عبر فرض عقوبات اقتصادية عليها، فروسيا لها دور فاعل في سوريا وسيطرت على القرم و شرق أوكرانيا منطقة نفوذ لها وردّت بشكل حاسم على استفزاز أوكرانيا البحري لها، ويجب ذكر الفشل الأميركي في جعل إيران تنكفىء على نفسها تحت ضغط العقوبات الاقتصادية، فإيران حاضرة بفاعلية في سوريا والعراق وفلسطين المحتلة وآسيا الوسطى، كل هذه الإخفاقات الأميركية المدوّية وتشكّل نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب وخفوت الهيبة الأميركية دولياً، هذه العوامل جعلت أميركا تسعى لإسقاط الحكومة الفنزويلية حتى تستعيد جزءاً من هيبتها الدولية الخافتة بعد فشل مخططاتها ضد الصين و روسيا و إيران، والتوقيت الذي اختارته الولايات المتحدة للعمل على إسقاط الحكومة الفنزويلية تم اختياره بعناية، فتم اختياره قبل مؤتمر وارسو الذي سيتم عقده لتشكيل تحالف اقليمي ودولي ضد إيران، فالولايات المتحدة أرادت أن تذهب إلى مؤتمر وارسو بعد أن تنجح في التخلّص من نظام معادٍ لها مثل النظام الفنزويلي وهذا سيزيد الضغط على إيران لأنه سيظهر قدرة أميركا على إسقاط الأنظمة المعادية لها و هذا سيفيد استراتيجية الحرب النفسية التي تتبعها الولايات المتحدة ضد إيران.