أحمد الزهاوي

كاتب مصري

أبعاد عقد مؤتمر وارسو

الولايات المتحدة تسعى لتحقيق عدّة أهداف من خلال عقد هذا المؤتمر، أهداف معنوية تتمثل في استفزاز روسيا من خلال عقد المؤتمر في مدينة وارسو التي كانت مقرّ حلف وارسو الذي قاده الإتحاد السوفياتي لمواجهة النفوذ الأميركي سابقاً، وأهداف نفسية تتمثل في الضغط على إيران وجعلها تشعر أنها مأزومة ومعزولة دولياً ، وأهداف إستراتيجية تتمثل في إخراج التحالف الخليجي الإسرائيلي إلى العلن .

لعل أحد الأهداف الأميركية من عقد هذا المؤتمر، هو أستكمال الحرب النفسية المُمنهجة التي تشنّها الولايات المتحدة ضد إيران
لعل أحد الأهداف الأميركية من عقد هذا المؤتمر، هو أستكمال الحرب النفسية المُمنهجة التي تشنّها الولايات المتحدة ضد إيران

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عبر وزارة خارجيتها ، أنها ستعقد الشهر المقبل مؤتمراً دولياً في العاصمة البولندية وارسو ، والهدف من عقد هذا المؤتمر بحسب وزارة الخارجية الأميركية هو إجبار إيران على التصرّف كدولة طبيعية في الشرق الأوسط ، وحشد المجتمع الدولي ضدها وبحث مختلف التهديدات الأمنية والإرهابية التي تواجه بلدان الشرق الأوسط، وقامت الولايات المتحدة بدعوة عدّة بلدان لحضور هذا المؤتمر منها مصر ودول الخليج و الأردن وتم توجيه دعوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحضور المؤتمر أيضاً ، وبخصوص البحث في الأهداف الحقيقية وراء عقد هذا المؤتمر ، يجب طرح عدّة تساؤلات ، لماذا تمّ إختيار وارسو تحديداً ؟ وهل المؤتمر لمواجهة إيران فقط ؟ وهل سيؤدّي لتغيير سلوك إيران الجيو إستراتيجي في الشرق الأوسط كما تخطّط الولايات المتحدة ؟.

اختارت الولايات المتحدة مدينة وارسو بالتحديد لعقد المؤتمر، لإرسال رسالة نفسية ومعنوية صامتة لأعدائها، بأن وارسو التي كانت سابقاً مقراً لحلف الصداقة والتعاون والمساعدة المشتركين الذي أطلق عليه الإعلاميون لاحقاً حلف وارسو هي اليوم ستستضيف تحت أنظار حكومتها وموافقتها مؤتمراً دولياً يحقق في حال نجاحه مصالح الولايات المتحدة كاملة في الشرق الأوسط ، فمدينة وارسو كانت هي المهد الذي خرج منه حلف وارسو التابع للكتلة الشيوعية لمواجهة تهديدات الولايات المتحدة وحلف الناتو حينها ، وكانت وارسو مع موسكو المقرّ الدائم للكتلة الشيوعية المناهضة للولايات المتحدة حينها ، وبعد أن انهار الإتحاد السوفياتي وخسر الحرب الباردة وتفكّك حلف وارسو بعد انسحاب دولة تلو الأخرى منه حتى تفكّك ذاتياً ، تعود الولايات المتحدة من جديد وتضع مدينة وارسو مرة أخرى موضع تركيز عالمي وكأنها تريد تذكير روسيا بهزيمة الإتحاد السوفياتي في الحرب الباردة ، لكن وارسو هذه المرة هي وارسو الخاضعة للسطوة والنفوذ والقوة الأميركية وليس وارسو الخاضعة للإتحاد السوفياتي ، ويبدو أن الولايات المتحدة تعمّدت إستفزاز شخص الرئيس الروسي الذي صرّح قبل فترة ليست بالبعيدة إن الحدث الدولي الذي تمنّى عدم حدوثه هو إنهيار الإتحاد السوفياتي ، وأحد تداعيات هذا الحدث المباشرة هو تفكّك حلف وارسو.

وبعيداً عن سبب اختيار الولايات المتحدة مدينة وارسو لعقد المؤتمر، فإن أحد أهم الأهداف الأميركية من عقد هذا المؤتمر هو توطيد أواصر التحالف القائم بين دول الخليج وإسرائيل إخراجه إلى العلن، فنتنياهو زار سلطنة عُمان وصرّح مراراً و تكراراً أن علاقات إسرائيل مع دول عربية خليجية تتعمق بشكل غير مسبوق منذ تأسيس إسرائيل لكن بشكل غير مُعلَن، ولا ننسي تصريح وزير خارجية البحرين الذي قال فيه إن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ، فهذا المؤتمر سيكون فرصة ذهبية لجمع إسرائيل ودول الخليج في مكان واحد وربما على طاولة واحدة لمواجهة المشروع الإيراني التقدّمي في المنطقة الذي يهدّد الكيانات الوظيفية المدعومة من الإمبريالية الأميركية، فربما نرى نتنياهو يُصافح بحرارة قيادات من دول خليجية نافذة كالسعودية وإلإمارات مثلاً ، فمثل هذه المشاهد المتوقع حدوثها، ستؤكد على التحالف الإسرائيلي الخليجي العَلني ضد إيران ، وهذا التحالف موجود بالفعل منذ الستينات بين الخليج وإسرائيل ضد نظام عبد الناصر التقدّمي لكنه يخرج إلى العلن الآن ، وسيتم تمهيد العقول الجمعية للشعوب الخليجية للقبول لاحقاً بعلاقات كاملة خليجية إسرائيلية علنية وليست سرّية، فكل التصريحات والتسريبات المُتلاحقة عن اتصالات خليجية إسرائيلية، الهدف منها تمهيد عقلية ونفسية الشعوب في الخليج العربي لقبول العلاقات الكاملة مع إسرائيل، والقبول هنا لا يعني الموافقة والترحيب ولكن على الأقل عدم الإمتعاض وهذا المسار التطبيعي تمّ العمل على تحقيقه منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران عبر دعاية إعلامية منظمة وممنهجة ومكثفة تهدف إلى التصوير للشعوب العربية والخليجية منها تحديداً أن إيران هي العدو وليس إسرائيل، لكي تقبل تلك الشعوب علاقات كاملة مع إسرائيل لاحقاً.

ولعل أحد الأهداف الأميركية من عقد هذا المؤتمر ، هو أستكمال الحرب النفسية المُمنهجة التي تشنّها الولايات المتحدة ضد إيران ، فالولايات المتحدة أدركت أن إسقاط الحكومة الإيرانية أمر غير ممكن، وأن جميع التجارب السابقة أثبتت أن الضغوط الأميركية غير قادرة علي جعل إيران تنكفىء على نفسها داخل جغرافيتها وتتخلى عن مشروعها الجيو إستراتيجي الثوري الذي يعتمد على دعم جميع حركات التحرّر الثورية في المنطقة ، لذلك فأميركا تتبع حالياً إستراتيجية الحرب النفسية ضد إيران، عبر إعطاء الإيحاء للقيادة الإيرانية أنها وحيدة ومعزولة وأن أغلب المجتمع الدولي ضدها ، حتى تنهار معنويات القيادة الإيرانية وتخضع للسياسات الأميركية في نهاية المطاف على المدى البعيد، وفي سياق مخطط إعطاء الإيحاء للقيادة الإيرانية بأنها معزولة ، يقوم الإعلامان الأميركي والخليجي ببثّ دعاية مكثفة تزعم وجود صراع روسي إيراني يجري داخل الأراضي السورية ، حتى تفقد القيادة الإيرانية الثقة في الحليف الروسي ، وإسرائيل شريك أساسي في الحرب النفسية ضد إيران لكن ليس عبر التشكيك في حليفها الروسي بل التشكيك في حليفها الآخر سوريا ، فإسرائيل تصرّح دوماً أن مشكلتها في سوريا هي مع إيران وحزب الله و ليست مع سوريا ذاتها ، وهذا يأتي في سياق المخطط الأميركي لإحداث خلل عبر الدعاية المكثفة بين إيران وحليفيها الروسي والسوري، فمؤتمر وارسو جزء من الحرب النفسية على إيران ، وتلك الحرب مُمنهجة ومُتزامنة ، فهي تستهدف في آن واحد معنويات القيادة الإيرانية وتعطي الإيحاء لإيران أنها معزولة وأن المجتمع الدولي ضدها ولإكمال مخطط إشعار إيران بعزلتها يتمّ بثّ دعاية إعلامية مُكثفة للتشكيك في تحالف إيران مع روسيا وسوريا.

ولكن يجب الإشارة الي أن عقد هذا المؤتمر في حد ذاته هو دليل واضح على إخفاق أميركا في هزيمة حلفاء إيران في المنطقة وفشلها في إجبار إيران على الانكفاء داخل جغرافيتها ، فضلاً عن أن عقده هو تسليم أميركي ضمني بفشل العقوبات الإقتصادية الأميركية التي وصفت بأنها غير مسبوقة على إيران ، فهذا المؤتمر لن ينجح في الضغط عليى إيران وإجبارها على التخلي عن دورها الإقليمي الذي يهدّد المصالح الإستعمارية في المنطقة ، وهذا يعطي إيران مزيداً من الثقة في قدرتها على الصمود وهزيمة الإستراتيجية الأميركية ضدها ، فكلما تضع أميركا إستراتيجية للضغط على إيران وتفشل تلك الإستراتيجية فهذا الفشل يعزّز الثقة الإيرانية في قدرتها على مقارعة أميركا وهذا ما حدث بالفعل وأصبحت إيران تثق في قدرتها على هزيمة أميركا ومشاريعها في سوريا والعراق ولبنان واليمن وفلسطين المحتلة ، ولكن لكي نكون واقعيين فإن الولايات المتحدة ستستطيع تحقيق عدة مكاسب من عقد هذا المؤتمر والمفارقة أن تلك المكاسب ليس لها علاقة بالصراع الأميركي الإيراني نفسه ، فأميركا عبر هذا المؤتمر تقول للإتحاد الأوروبي إنها هي من تمسك بملف الصراع مع إيران وليس الدول الأوروبية، وتسعى أميركا لذلك بعد التمرّد الأوروبي على سياستها تجاه إيران وهو ما يضرّ بهيبة الولايات المتحدة دولياً لأنها بذلك لم تعد تتحكّم في ورقة الإتحاد الأوروبي التي كانت تستخدمها كورقة ضغط في صراعها مع روسيا والصين ، ومن المكاسب التي ستحقّقها الولايات المتحدة أيضاً، تأجيج المخاوف الوهمية لأغلب دول الخليج من إيران ما يجعلها تنفق مليارات الدولارات على شراء السلاح الأميركي وهذا عامل محوري في محدّدات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، فصفقات السلاح تنعش الإقتصاد الأميركي وتقلل نسب البطالة في المجتمع الأميركي فضلاً عن أن شركات بيع السلاح داخل أميركا تُعدّ أحد الأعمدة الرئيسية لما يُعرف بإصطلاح الدولة الأميركية العميقة.

ختاماً، فإن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق عدّة أهداف من خلال عقد هذا المؤتمر، أهداف معنوية تتمثل في استفزاز روسيا من خلال عقد المؤتمر في مدينة وارسو التي كانت مقرّ حلف وارسو الذي قاده الإتحاد السوفياتي لمواجهة النفوذ الأميركي سابقاً، وأهداف نفسية تتمثل في الضغط على إيران وجعلها تشعر أنها مأزومة ومعزولة دولياً ، وأهداف إستراتيجية تتمثل في إخراج التحالف الخليجي الإسرائيلي إلى العلن .
وأخيراً الأهداف الإقتصادية من خلال بيع مزيد من صفقات السلاح للدول الخليجية بحجّة مواجهة الخطر الإيراني.