نجاح عبدالله سليمان

كاتبة وإعلامية مصرية

شباط/ فبراير.. "شهر تاريخ السود" ما بين " جورج واشنطن وترامب"

في شباط/ فبراير من كل عام نعيش «شهر تاريخ السود»، وهو وقت مهم لتسليط الضوء على المساهمات التي قدّمها الأميركيون ذوو الأصول الأفريقية في تاريخ الولايات المتحدة. وهو مهم لأنه، مثلما اكتشفنا في كثير من المناسبات أن تلك المساهمات إما تم تجاهلها عن عَمْد، أو أنها لم تكن معروفة أو مُدرَكة. نعم هي ذكرى سنوية، وفي ذات الذكرى عام 2010 جاء تقرير الفضائية الفرنسية بـ"أن 10% من سكان الولايات المتحدة الأميركية ينحدرون من أصل إفريقي".

  • ترامب

لقد كانت القارة الإفريقية بالنسبة للأميركيين بيدقاً استعملوه خلال الحرب الباردة لمكافحة الشيوعية وأصبحت الآن بيدقاً آخر يستعملونه لمحاربة الإرهاب. ففي جنوب أفريقيا كان المؤتمر الوطني الأفريقي، الحزب الذي أسّسه نيلسون مانديلا، يحارب النظام العنصري ويدعو إلى النضال الاجتماعي. وفي هذه الفترة الحَرِجة من التاريخ وقع تقارب بين واشنطن والنظام العنصري جنوب إفريقيا. وكانت تنزانيا بزعامة جوليوس نيريري تتبع طريق الاشتراكية للخروج من التخلّف وتساعد المتمرّدين في الكونغو. من جهتها ساندت الولايات المتحدة الجنرال موبوتو الذي قاد انقلاباً عسكرياً في الكونغو وأصبح الرجل الذي تثق به أميركا خاصة في الحرب التي تدور في أنغولا والتي ساندت فيها المتمرّدين ضد الحكومة الأنغولية. من جهتها فتحت ليبريا أبوابها إلى الثلاثي السوفياتي والصيني والكوبي عام 1971 إلى أن تمكّن سامويا دوو الإطاحة بالحكومة القائمة عام 1980.

في نسخ متطوّرة ساند الرئيس  ريغان ديكتاتور ليبيريا بعد الانتخابات المزوّرة التي وقعت عام 1985. وأصبح هذا البلد بعدها مقبرة لحقوق الإنسان. أما في غانا، فقد قام قدماء فيتنام بالضلوع في انقلاب ضد الحكومة اكتشف بعد حصول تقارب سياسي بين غانا وليبيا. وقامت القوّتان العُظميان الأميركية والسوفياتية بعمليات خداع في شرق إفريقيا حيث أصبحت إثيوبيا عام 1977 دولة اشتراكية تدور في الفلك السوفياتي بعد أن كانت تحت النفوذ الأميركي والصومال التي كانت دولة اشتراكية أصبحت تدور في فلك العالم الحر. عند وصول الرئيس جيمي كارتر إلى الحكم (1977-1981) لم تتغيّر سياسية الولايات المتحدة تجاه إفريقيا وبقيت الحرب الباردة ومكافحة الشيوعية أولوية البيت الأبيض في واشنطن.

لم يُظهِر كارتر اهتماماً خاصاً بإفريقيا بل أنه ساند في بعض الأحيان أنظمة ديكتاتورية باسم المصلحة الوطنية ، ويتجلّى ذلك في رفض الكونغرس الأميركي مثلاً فرض عقوبات اقتصادية ضد نظام التمييز العنصري في بريتوريا عام 1984 رغم الحملة العالمية المناهضة لهذا النظام العنصري. لم يصبح جيمي كارتر من كبار المؤيدين للقارة الأفريقية إلا بعد انتهاء مدة ولايته الرئاسية وسقوط جدار برلين. وقام كارتر بالعديد من الزيارات بعدها إلى القارة الأفريقية بين 1997 و2005 وذلك في نطاق نشاط مؤسّسته التي من بين أهدافها إيجاد حلول سلمية للنزاعات القائمة في أفريقيا وإرساء الديمقراطية فيها وتوجيه المساعدات الإنسانية إليها.

بعد سقوط جدار برلين ونهاية الاتحاد السوفياتي لم تكن القارة الأفريقية محل اهتمام أو أولوية لواشنطن ، خاصة وأن بعض الأنظمة الديكتاتورية قد سقطت وأصبحت الديمقراطية متواجدة في العديد من البلدان الأفريقية ولكن في نفس الوقت ظهرت نزاعات جديدة. في عام 1992 قام الأميركيون بعملية عسكرية في الصومال، التي يعتبرونها مركزاً استراتيجياً هاماً لمراقبة طريق البترول، وذلك تحت غطاء المساعدة الإنسانية ولكن العملية منيت بالفشل وقتل خلالها 14 جندياً أميركياً وتحوّلت إلى صدمة كبيرة للبيت الأبيض. وخلال الحرب الأهلية في رواندا لم تحاول الولايات المتحدة الأميركية التدخل في هذه الحرب بل حاولت تجاهلها. ومنعت مجلس الأمن من إرسال تعزيزات إضافية من قوات الأمم المتحدة إلى هذا البلد.

عند اندلاع الحرب في زائير عام 1996 كوَّن الرئيس كلينتون "خلية" لمتابعة الأزمة. وقرّرت الإدارة الأميركية التخلّي عن مساندة الجنرال موبوتو في زائير ومساندة أوغندا ورواندا لتعزّز وجودها العسكري في هذين البلدين. التجديد عام 1998 قام بيل كلينتون بأطول جولة لرئيس أميركي للقارة الأفريقية وزار خمس دول من بينها رواندا التي كانت تعتبر من أهم المراحل خلال هذه الجولة. وصرّح كلينتون خلال هذه الزيارة حول الحرب الأهلية التي عاشتها رواندا في بداية التسعينات من القرن الماضي ، بأنه " يأسف لعدم اتخاذ الولايات المتحدة الأميركية والمجموعة الدولية كل ما هو باستطاعتها للسيطرة على الوضع في رواندا".

عام 2002 تعرّضت طائرة إسرائيلية إلى هجوم في مطار موبسا في كينيا وكان هذا الهجوم قرب قاعدة عسكرية أميركية. وبعد الهجوم قامت الولايات المتحدة بإرسال فيلق من جنودها، الذي يُعدّ الآن حوالى 1600 جندي، للتمركز في جيبوتي وذلك لمراقبة الوضع في الصومال ، والتي يتواجد فيه العديد من المجموعات الإسلامية وأيضاً لمراقبة مدخل باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ، والذي يعتبر من أهم الأماكن التي تمرّ بها حاملات البترول. ووصل السودان مبعوث أميركي لمساعدة الحكومة المركزية لإيجاد حل سلمي لمشكلة التمرّد في جنوب السودان. وفي عام 2005 وقّعت اتفاقية سلام بين الجنوب والحكومة المركزية في الشمال. ولكن الحرب في دارفور عوّضت الحرب التي كانت قائمة بين الشمال والجنوب.

في نسخة من بحث أكاديمي معنوَن: «الأحرار السود في مقاطعة واشنطن». يخبرنا البحث بقصة الإجلاء القسري، وتدمير مستعمرتين لمئات من أسر السود الأحرار التي كانت تعيش هناك. وهاتان المستعمرتان تم تأسيسهما في منتصف القرن التاسع عشر بأيدي أحفاد عبيد سابقين كانوا يقطنون واشنطن منذ أجيال. وكانوا قد أسّسوا مشاريع، ودشّنوا مدارس لأطفالهم، وفي أثناء الحرب الأهلية، كان كثير منهم قد خدموا، بتفانٍ، في جيش الاتحاد، مدافعين عن العاصمة في مواجهة قوات الكونفدرالية. وحينئذٍ، كانت المناطق التي أنشئت فيها هاتان المستعمرتان ريفية بدرجة ما، ومنعزلة عن واشنطن البيضاء، وعلى رغم هذا، ازدهرت أحوال تلك الأسر الأميركية السوداء، غير أن جلّ ذلك تغيّر في بداية القرن العشرين.

يبقى أن الأهم من ذلك، أن هذا الشهر لابد من أن يمنحنا فرصة لنعرف المزيد بشأن الميراث المُخزي لمعاملة البيض للسود في أميركا. وأعني بذلك، ليس فقط الخطايا الكبرى مثل العبودية أو الجرائم الجماعية أو الفصل العنصري، الذي ميّز هذا التاريخ، ولكن أعني أيضاً جرائم أخرى لا تُحصى أقلّ شهرة بكثير، غير أنها كانت «جرائم محدّدة» مدمّرة ارتُكبت بحق مجتمع السود.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً