ربى يوسف شاهين

كاتبة وإعلامية سورية

ما قبل عاصفة الشمال السوري.. مُراوغات أميركا السياسية

روسيا تُشكل عامل إعاقة كبيراً لأميركا في تنفيذ مخططاتها، وذلك كله نتيجة التزام روسيا بمواثيق الأمم المتحدة والقوانين الدولية في تعاملها مع واشنطن، فالسياسة الروسية المتّبعة غاية في الذكاء، وهي التي منعت التمرّد الأميركي غير المدروس سياسياً في سوريا.

مسرحية الشمال السوري والشمال الشرقي يتقاسمها ترامب وأردوغان
مسرحية الشمال السوري والشمال الشرقي يتقاسمها ترامب وأردوغان

منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرار الانسحاب من سوريا، والذي تبيّن من تداعياته، أنه قرار فردي مع قلّة ممَن يشاطرونه آراءه، وما نتج منه من تصريحات لمجلس النواب الأميركي والبيت الأبيض في أنه قرار غير صائب، واستمرار الرئيس الأميركي بالتمسّك به على أنه قرار مدروس، يبدو أن التطوّرات التي تحدث في الداخل الأميركي جعلت الرئيس ترامب يحاول إرضاء بعض الأطراف لديه، لأن تبعاته أدت إلى استقالات لوزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ومسؤول التحالف الدولي ضد داعش بريت ماكغورك.

الملفت أن القرار أكد على ضرورة الانتهاء من داعش، ليُعاد طرح مسألة بقاء عدد من الجنود الأميركيين شمال شرق سوريا وفي منطقة التنف، وأن التحالف الفرنسي - البريطاني يتولّى مهمة  محاربة الإرهاب وبقاياه مع قسد، والذين بدورهم أبدوا امتعاضهم وعدم موافقتهم على الانسحاب الأميركي من سوريا.

شرق الفرات منطقة هامة جداً لأميركا، حيث أن القواعد العسكرية الأميركية تتواجد ضمن بقعة جغرافية تتصل بالعراق، وهذا يُعتبر في جزئيات الاستراتيجية الأميركية سبباً في منع تقدّم محور المقاومة، وإنشائه تشابكاً عسكرياً استراتيجياً، وليس لمحاربة داعش كما يُعلنون، ورغم محاولات القوات الأميركية التمركز فيها إلا أنها لم تنجح على حد تعبير ترامب الذي قال: "سوريا أرض الموت والرمل".

روسيا تُشكل عامل إعاقة كبيراً لأميركا في تنفيذ مخططاتها، وذلك كله نتيجة التزام روسيا بمواثيق الأمم المتحدة والقوانين الدولية في تعاملها مع واشنطن، فالسياسة الروسية المتّبعة غاية في الذكاء، وهي التي منعت التمرّد الأميركي غير المدروس سياسياً في سوريا، وما يمكن أن ينتج منه من انفلات عسكري يؤدّي إلى تصادم بأبعاد إقليمية ودولية، لذلك لجأت واشنطن إلى إعادة صوغ استراتيجيتها في سوريا، فهي أكّدت على انسحاب قواتها إلى العراق  لمراقبة إيران.

من خلال ما يجري على الأرض نرى تباطؤاً كبيراً في التنفيذ مع تصاعد الوضع في شرق الفرات بين داعش وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومسألة إدلب التي لا يحرّك ساكناً لها أردوغان سوى إعطاء الأوامر للفصائل الإرهابية بمزيد من الخروقات لمناطق خفض التصعيد، من أجل بعثرة الأوراق السياسية بطريقة غير مباشرة، يُراد منها الضغط من أجل الحصول على مكتسبات تُحقق نتائج على أيّة طاولة مفاوضات.

الجديد القديم على الطاولة الأميركية مسألة المنطقة الآمِنة شمال سوريا، والمؤكّد أنها مطلب أردوغاني بامتياز، لأن الأخير يمضي في تنفيذ حلمه العثماني ويحوّل المناطق التي يحتلها وكأنها مجموعة ألعاب الدومينو، حيث يعمد  إلباسها  الزيّ التركي متناسياً أنها أرض سوريّة، فعلى ما يبدو أن اللعبة السياسية ذات الأبعاد التوسّعية، أخذته بعيداً في أوهامه المتعلّقة بالجغرافية السورية.

مسرحية الشمال السوري والشمال الشرقي يتقاسمها ترامب وأردوغان، ولكل منهما أدواته التي لا يستغنى عنها، وفي تصريح للسيناتور الأميركي "ليندسي غراهام" قال: "أرحّب بقرار الرئيس ترامب بإبقاء مشروط لبعض القوات الأميركية في سوريا كجزء من قوّة دولية داعمة للاستقرار"، والواضح أن الاستقرار الذي تنشده واشنطن هو تُركي الهوى، فالمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن الاستقرار وعن الأمن القومي وهم أصل الفوضى والإرهاب، وبقاء 200 جندي أميركي لحفظ السلام كما يدّعون هو خرق لميثاق الأمم المتحدة، كما أن التلويح بإقامة المنطقة الآمِنة ترضية لأردوغان تحت ذريعة حماية الحدود وتحقيق الأمن، هو أيضاً خرق دولي وأممي.

من خلال ما يتمّ من تصريحات أميركية أو تركية، ماهي إلا دليل على التخبّط الواضح الذي يزيّن المشهد في الشمال السوري، وهي أيضاً جاءت بعد خطاب الرئيس السوري بشّار الأسد أمام رؤساء المجالس المحلية، حيث أكّد الأسد على استحالة اقتطاع أيّ شبر من سوريا، وما هذه المحاولات الأميركية والتركية إلا السبيل لإفشال الحل السياسي وإطالة أتون الصراع في سوريا، وبالتالي لا ضَيْر من محاولات ترامبية أو أردوغانية تكون مُعرقلة لأيّ مسار سياسي في سوريا، وفي جانب آخر تكون التفافاً استراتيجياً على أية صيغة تفاهمات تُفضي في مرحلة لاحقة للبدء بالحل السياسي، خاصة أن بوادر كثيرة تصبّ في بوتقة العودة الكاملة للجغرافية السورية إلى حضن الدولة السورية.