طبيعة نظام الحُكم في الجزائر

يقوم النظام السياسي في الجزائر على التعدّدية الحزبية منذ عام 1989، اليوم يوجد أكثر من 60 حزباً، إلا أنها تعدّدية شكلية، فمعظم الأحزاب توصَف بالموالين للسلطة، فهي صنيعة وربيبة الحزب الحاكم منذ الاستقلال (جبهة التحرير الوطني)، والذي حكم منفرداً لمدة ثلاثة عقود، وحتى بعد إقرار دستور 1989 التعدّدية ظل يحكم بالآلية ذاتها، وحينما فازت (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) بمعظم مقاعد البرلمان انقلب الجيش عليها.

استرجاع الأحداث التاريخية يتيح فَهْم حدود العلاقة بين بوتفليقة والمؤسّسة العسكرية وجهاز الاستخبارات، ففي ديسمبر 1978
استرجاع الأحداث التاريخية يتيح فَهْم حدود العلاقة بين بوتفليقة والمؤسّسة العسكرية وجهاز الاستخبارات، ففي ديسمبر 1978

الجزائر عقب استقلالها عن فرنسا، كانت الخزانة فيها خالية، كما دمّرت الآلات والوسائل الزراعية ما أدى إلى تدهور الزراعة الجزائرية واستمرار تبعيّتها لفرنسا، وكان القطاع التعليمي شاغِراً بنسبة كبيرة حيث انسحب المعلّمون الفرنسيون (أغلبية ذلك القطاع)، إضافة إلى أن من بين العراقيل التي واجهت بناء الدولة كان قلّة الخبراء الجزائريين محل الثقة، الذين تلقّوا تعليمهم في فرنسا، وكان ولاؤهم إلى فرنسا أكثر منه إلى الجزائر ما جعلهم محطّ اتهام بعدم الوطنية من قِبَل بن بلّة.
الخوف من الانفراد بالسلطة وعدم قدرة بن بلّة على بناء الجمهورية الجزائرية، كان الأمر الذي دفع بومدين إلى الانقلاب على أحد زعماء الثورة الجزائرية ورفيقه، حيث أن بومدين كان يري أن بن بلّة بدأ في الاستيلاء على السلطة وحده وبدأ خطى الديكتاتورية، وأن انقلابه هذا من أجل تصحيح مسار الثورة، كما رأى أنه كان يستبعد كل العناصر الثورية التي ساهمت في الثورة من المشهد.
يُعتَبر انقلاب بومدين من أكثر الانقلابات اهتماماً بالإصلاح الحقيقي وليس مجرّد صراع على السلطة، حيث أخذ في بناء الدولة من خلال الاهتمام بالزراعة والثقافة والصناعة معتمداً على بعض تجارب الدول الاشتراكية، كما شرع في بناء دور إقليمي قوّي للجزائر من خلال دعم القضية الفلسطينية ودورها في دعم حركات التحرّر الوطني ومنظمة دول عدم الانحياز.
عقب استقلال الجزائر عام 1962، تأسّست السلطة السياسية وتشكّلت وفقاً لخطاب شرعية جيل التأسيس الأول للدولة الوطنية، الذي احتكر مرحلة البناء الوطني بحجّة الأحقيّة الثورية، والذي جعل من السلطة السياسية وكأنها مُكافأة لذلك الجيل الذي ناضل من أجل تحرير الجزائر، كما ظلّ عنصر القوّة هو الأساس في تولّي الحُكم أو إدارة شؤونه، وهو ما شهدته البلاد منذ أحداث صيف 1962، مع قيام جناح بن بلّة بدعم عسكري من طرف هواري بومدين بإقصاء واستئصال العديد من الفاعلين والثوريين الذين كان الشعب الجزائري آنذاك يعلّق آماله عليهم، وما تبعه من التفاف حول مفهوم الشرعية الثورية، بعد انقلاب 1965، الذي قاده بومدين ضد بن بلّة، ليستمر حُكمه لما يُقارب الـ 13 عاماً، منها 11 عاماً كان يتمّ الحُكم من خلال ما سُمّي بـ (مجلس التصحيح الثوري).
هناك ثلاثة أجنحة رئيسة للحُكم وصنع القرار في الجزائر، وهي: (مؤسّسة الرئاسة، والاستخبارات، ورئاسة أركان الجيش)، وغالباً ما كان كل جناح يحاول الاستحواذ على أكبر قدر من التأثير داخل المشهد السياسي الجزائري في المراحل السابقة، إلا أنه في النهاية كانت القرارات الصادرة عن هذه المؤسّسات تمثّل في الواقع الصيغة السياسية النهائية للتفاهم داخل أجنحة النظام القوية، حتى وإن بدا في بعض المراحل وجود هيمنة واضحة من جانب مؤسّسة الرئاسة، فكان هذا ينبع من توافق مؤسّسة الرئاسة مع الاستخبارات والأركان، أو قدرتها على إخضاعهما لها، وذلك في ظلّ غيابٍ تامٍ لدور البرلمان سواء في عهد الحزب الواحد، أو التعدّدية الحزبية، فالنظام الجزائري كان دائماً يسير بمنطق الصراعات والتحالفات في آنٍ واحدٍ لكن مع الحفاظ على المظهر العام، فالانقلاب العسكري ضد الرئيس (أحمد بن بلّة) في 19 يونيو 1965 سُمّي تصحيحاً ثورياً، وحينما دفع الرئيس (الشاذلي بن جديد) في يناير 1992 إلى التخلّي عن الحُكم سُمّي ذلك استقالة، وعندما تمّ الضغط على الرئيس (اليامين زروال) واستقال في أكتوبر 1998 سُمّي ذلك تقليصاً للولاية الرئاسية.
هذا ويمكن القول إن طبيعة الصراع الحالي لم تختلف كثيراً عن مسارات الصراعات السابقة التي نشأت عقب الاستقلال، إلا أنه قد تمكّنت مؤسّسة الرئاسة خلال العامين الماضيين من تجريد جهاز الاستخبارات من العديد من صلاحياته التي جعلته يمثّل السلطة الحقيقية في البلاد لعقودٍ من الزمن، وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه القرارات تمّ اتخاذها استناداً إلى قانون صدر عام 2006، وينصّ على أنه من حق رئيس الجمهورية (القائد الأعلى للقوات المسلّحة) أن يُحيل على التقاعد أيّ ضابط في الجيش، كما يمكنه إبقاء ضبّاط تخطّوا سن التقاعد في مناصبهم، هذا ولا يعتقد أن مؤسّسة الرئاسة ترغب في تفكيك جهاز الاستخبارات بشكلٍ تام، وإنما تحاول إعادة بنائه بما يضمن خضوعه وولاءه لها ولا يصبح نداً سياسياً له، وأن تستخدمه من أجل تعضيد نفوذها السياسي.
استرجاع الأحداث التاريخية يتيح فَهْم حدود العلاقة بين بوتفليقة والمؤسّسة العسكرية وجهاز الاستخبارات، ففي ديسمبر 1978، توفى الرئيس الجزائري هواري بومدين، وكان بوتفليقة رجله الأول والرجل القوي في النظام حينها، وبسبب علاقاته القوية دولياً التي اكتسبها بقيادته للدبلوماسية الجزائرية لمدّة 15 عاماً، كان بوتفليقة المرشّح الأبرز لخلافة بومدين، لكن زعيم الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) حينها محمّد الصالح يحياوي، ظهر منافساً قوياً لبوتفليقة، وصارعه على منصب الرئاسة، إلا أن جهاز الاستخبارات الذي كان يقوده (قاصدي مرباح)، وكان يحكم قبضته على كافة نواحي الحياة السياسية والأمنية، اتّخذ قراراً بدفع أكبر عقيد في الجيش حينها، الشاذلي بن جديد، إلى سدّة الرئاسة، وهو ما حدث بالفعل عام 1979. وبعدها ابتعد بوتفليقة نهائياً عن المشهد السياسي، حتى عاد مجدّداً عام 1999.
نظرياً يقوم النظام السياسي في الجزائر على التعدّدية الحزبية منذ عام 1989، اليوم يوجد أكثر من 60 حزباً، إلا أنها تعدّدية شكلية، فمعظم الأحزاب توصَف بالموالين للسلطة، فهي صنيعة وربيبة الحزب الحاكم منذ الاستقلال (جبهة التحرير الوطني)، والذي حكم منفرداً لمدة ثلاثة عقود، وحتى بعد إقرار دستور 1989 التعدّدية ظل يحكم بالآلية ذاتها، وحينما فازت (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) بمعظم مقاعد البرلمان انقلب الجيش عليها.
الأحداث الوحشية التي شهدتها الجزائر في مطلع التسعينات، كلّفت أكثر من 200 ألف قتيل وعشرات الآلاف من المُصابين والمُعتقلين والمفقودين لكي تتوقّف، ثم جاء الرجل الذي انتظرته الجزائر طويلاً ليوقف هذه الدوّامة التي عملت حوالى عشر سنوات، إنه عبد العزيز بوتفليقة، الذي فاز في انتخابات الرئاسة عام 1999، واضعاً رؤية سياسية أنهت العشرية السوداء في البلاد، والتي بدأها بقانون (العفو العام) عن المتورّطين في المذابح، وانتهاء بميثاق (السلم والمُصالحة الوطنية) عام 2005، للعفو عن مئات المسلّحين من الأحزاب الإسلامية المتورّطين في العشرية السوداء، لينهي بذلك حقبة سوداء من تاريخ الجزائر، فحظيَ بذلك بوتفليقة بشعبية وسط الجزائريين لنجاحه في تجميد آلة العنف.
الرئيس الجزائري بوتفليقة أجرى إصلاحات أسماها (تعميق العملية الديمقراطية) في الجزائر، فرفع حال الطوارئ التي فُرضت على البلاد منذ عام 1992 وطرح في أبريل من ذات العام خارطة طريق للإصلاح، اشتملت على وعود غير محدّدة بتعديل الدستور ومراجعة القوانين الحاكِمة للانتخابات، الأحزاب والاتحادات السياسية، مشاركة المرأة في الحياة العامة، والإعلام، كما تمّ التصديق على حزمة الإصلاحات، وضمنها مشروع قانون يختصّ بالتمثيل السياسي للمرأة 2011، وبعد فترة وجيزة دعا إلى إجراء الانتخابات التشريعية وانتخابات مجالس البلدية، وسمح بتشكيل عشرات الأحزاب المعارضة الصغيرة بعد سنوات من المنع، ولأن المعارضة كانت مُفتّتة للغاية، فازت جبهة التحرير الوطني وحلفاؤها بسهولة، وقد منحت هذه الانتخابات بوتفليقة تفويضاً عاماً لمباشرة عملية تعزيز الديمقراطية المفضّلة (المفصّلة) من جانبه، المتّسمة بتدريجية تنفيذها وعدم فرضها ظاهرياً من قِبَل القوى الأجنبية.
لكن محور التساؤل الحقيقي هذه الأيام هو حول هوية مَن سيخلف بوتفليقة بعد أن أقعده المرض ليحكم الجزائر في السنوات الأخيرة وخلافاً لتقدّمه في السن، حيث أن الجماعات المُتنافسة على قمّة السلطة ستحاول التوصّل إلى إجماع حول شخصية توفّق بين مصالحهم التي جمعوها تحت حُكم بوتفليقة، فقد حرص النظام الجزائري عبر مراحل مُشابهة (مرض الرئيس بومدين ووفاته في 78 وبعده انقلاب 92) على تقديم مرشّحين يحظون بقبولٍ شعبي وسمعة جيّدة، لكن هذه المرة عجز عن إيجاد رجل الإجماع، وهذا الفراغ على مستوى المرشّحين المُحتملين من داخل النظام هو ما جعل الجزائر تصل لهذه الحال الهزلية، فرغم كل الخِصال والصفات الشخصية التي اتّصف بها بوتفليقة قبل مرضه في 2013 وطيلة مسيرته الشخصية من دهاء وحنكة سياسية وعزم وتصميم وشجاعة، ورغم كل الإنجازات التي قام بها خلال فتراته الرئاسية الأربع، فإنه لم يهتم أبداً بالإجابة على سؤال خلافته، حتى أنه رفض أن يحوي الدستور منصب نائب الرئيس، الذي يمكن أن يخلفه في حال مرضه الشديد أو موته.