أحمد الزهاوي

كاتب مصري

أبعاد اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة له على موقع التواصل الإجتماعي تويتر أنه حان الوقت للاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان التي لها أهمية استراتيجية وأمنية حيوية بالنسبة لإسرائيل والإستقرار الإقليمي ، فما هي أبعاد رغبة ترامب في الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان ؟

أبعاد اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان
أبعاد اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان

يسعى ترامب عبر قراره هذا إلى استمالة اللوبي الصهيوني في أميركا والحصول علي دعمه السياسي حتى يتمكّن من مواجهة الضغوطات التي يتعرّض لها من الحزب الديمقراطي ، في قضايا فساد جاريد كوشنر المالي في سوق العقارات وتواطؤ ترامب مع روسيا في الإنتخابات الرئاسية وتجاهل ترامب لجريمة محمّد بن سلمان بحق الصحافي السعودي جمال خاشقجي ، فترامب يوجّه رسالة للوبي الصهيوني في أميركا أنه في الوقت الذي تهاجم فيه الهان عمر العضو في الحزب الديمقراطي إسرائيل يومياً ، أنا أدعم إسرائيل وأدعم سيادتها على الجولان وهو قرار لم يجرؤ رئيس أميركي على إتخاذه من قبل ، مثل قرار الاعتراف بالقدس كاملة تحت السيادة الإسرائيلية ونقل السفارة الأميركية من تل الربيع المحتلة إلى القدس الشرقية ، وإرسال ترامب العضو في الحزب الجمهوري السيناتور ليندسي غراهام إلى هضبة الجولان و لقائه نتنياهو ، ودعوته إلى ضرورة الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان ، يأتي أيضاً في سياق محاولة حصول ترامب على دعم اللوبي الصهيوني النافذ داخل أميركا ، خاصة بعد شعوره بالخطر بعد تفوّق الحزب الديمقراطي عليه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس ، واستشعاره بداية حصول تصدّع في دعمه داخل الحزب الجمهوري بسبب موقفه من مقتل الصحافي جمال خاشقجي ، لذلك فهذا القرار من قِبَل ترامب هو للحصول على دعم اللوبي الصهيوني داخل أميركا في معاركه الداخلية مع الحزب الديمقراطي .

التأثير في الإنتخابات الإسرائيلية:

يعاني نتنياهو قبل الإنتخابات الإسرائيلية من اتهامات بالفساد تلاحقه وجميعها قضايا خطيرة من الممكن أن تقود نتنياهو إلى السجن ، وهي قضايا الفساد1000 و 2000 و 3000 ولعلّ أخطرها القضية 3000 المتعلقة بالغوّاصات الألمانية التي وافق نتنياهو على شرائها رغم اعتراض الجيش على تلك الصفقة لعدم حاجة الجيش لها ، اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان قبل وقت قصير من الانتخابات الإسرائيلية كفيل بحسم المعركة الانتخابية لصالح نتنياهو ، والقضاء على أحلام منافسه بني غانتس الذي بدأ يفقد شعبيته بالفعل بعد تسريب الأنباء عن اختراق إيران لهاتفه الشخصي ، اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان دعم صريح لنتنياهو وهذا القرار لا يفيد نتنياهو فقط بل يفيد ترامب أيضاً لأن نتنياهو خلال فترة دراسته في أميركا استطاع نسج علاقات وطيدة مع أكثر الأميركان تطرّفاً لصالح إسرائيل، فحصول ترامب على رضا نتنياهو كفيل بحصول ترامب على دعم مطلق من اللوبي الصهيوني داخل أميركا الذي تجمعه علاقات وطيدة مع شخص نتنياهو ، وفي هذا السياق يجب ذكر هجوم اللوبي الصهيوني داخل أميركا على أوباما بعد توتّر علاقته بنتنياهو ، وهذا يدلّ على قدرة نتنياهو في التأثير على مواقف اللوبي الصهيوني داخل أميركا وهو ما يدركه ترامب جيداً .
دلالات وتداعيات هذا القرار:

أولاً : يعكس هذا القرار الخوف الإسرائيلي من القدرات العسكرية المتنامية لمحور المقاومة التي تمكّنه من فتح جبهة الجولان بشكل استنزافي ضد إسرائيل على غرار ما فعله حزب الله ضد إسرائيل في جنوب لبنان، فالجيش السوري أصبح يجيد القتال على طريقة حرب العصابات نتيجة خوضه عشرات المعارك مع التكفيريين وفق تلك الاستراتيجية من الحروب ، وحزب الله كان قبل الحرب السورية يُجيد حرب العصابات الدفاعية أما الآن بعد الحرب السورية فهو يُجيد حرب العصابات الهجومية فهو قادر على اقتحام المدن والسيطرة عليها والمزج بين قتال الجيوش بشكل كلاسيكي منظّم وقتال العصابات كمجموعات صغيرة موحّدة ، وهو ما قال السيّد حسن نصر الله في حواره مع قناة الميادين أن بعد سوريا أصبح اقتحام الجليل أسهل بكثير، وما يقلق إسرائيل أيضاً التجانس العسكري في القتال الذي أصبح موجوداً بين الجيش السوري وحزب الله نتيجة قتالهما سوياً ضد التكفيريين في سوريا ، وبالتالي هذا التجانس بالإمكان توظيفه ضد إسرائيل في جبهة الجولان وهو ما يقلقها.

ثانياً : بعد أن كانت روسيا ترفض فتح جبهة الجولان حفاظاً على الهدوء في الجبهة السورية وتمهيداً للحل السياسي الشامل من المؤكّد أن بعد هذا القرار روسيا ستغضّ الطرف تماماً عن أي تواجد عسكري لمحور المقاومة في الجزء المحرّر من الجولان يخطّط لشن عمليات ضد إسرائيل في الجزء المحتل من الجولان ، فنتنياهو كان يضغط على بوتين بخصوص تواجد قوات محور المقاومة في الجولان لأنها تريد الهجوم على إسرائيل ، أما بعد هذا القرار الوقح والفجّ فإن روسيا لن تمانع حدوث عمليات ضد إسرائيل في الجولان لأن هذا القرار يعكس رغبة إسرائيلية في احتلال الجولان للأبد وهذا ما ترفضه روسيا التي تبني سياستها الخارجية على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والالتزام بمبادىء القانون الدولي ، ونظراً لأن قرار ترامب ينتهك كل تلك المعايير فإنه من الناحية المنطقية روسيا لن تتدخّل مجدّداً تحت ضغوطات نتنياهو لحثّ محور المقاومة على الانسحاب من الجولان ، فروسيا في صراع محور المقاومة مع إسرائيل داخل الأراضي السورية ستنتقل من حالة الحياد السلبي أو الإيجابي إلى حالة المساندة والدعم لأن قرار ترامب تجاوز الخطوط الحمر الروسية في سوريا .

ختاماً : كما أن استشهاد عمر أبو ليلي سيؤدّي إلى مزيد من العمليات البطولية في الضفة الغربية ضد الاحتلال الإسرائيلي ، فإن قرار ترامب سيؤدّي إلى جعل جبهة الجولان جبهة استنزافية لإسرائيل على غرار جبهة قطاع غزّة التي تستنزف إسرائيل عبر التظاهرات السلمية والبالونات الحارقة ووحدة الإرباك الليلي ، فإن الجولان سيتحوّل إلى جبهة استنزافية جديدة على غرار جبهة جنوب لبنان في التسعينات ، وميزة الاستنزاف التدريجي الذي يسير بخطوات بطيئة لكن ثابتة أنه فعّال على المدى البعيد و لا يعطي مبرّراً للإحتلال لشنّ حرب شاملة وأحد أخطر نقاط ضعف إسرائيل أنها لا تتحمّل الصراعات طويلة الأمد .