غسان الاستانبولي

كاتب وباحث سوري

الجولان السوري المُحتل ورقة من نار

القرار الأميركي لن يكون إلّا إضافة لسجل "ترامب" الحافِل بالإخفاقات التي جعلته بطل المعارك الخاسِرة منذ انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، وحتى توقيع قراره الأخير هذا، مروراً بحربه التجارية مع الصين، وعقوباته الاقتصادية على روسيا، ومحاولاته المُضنية لاستجداء ولو تنازُل واحد من رئيس كوريا الشمالية، وغيرها الكثير من المعارك الخاسِرة.

الجولان السوري المُحتل ورقة من نار
الجولان السوري المُحتل ورقة من نار

صحيح أن الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" يلعب ورقة الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المُحتل لكي تكون ورقة فاعِلة تصبّ في المصلحة الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، ولكن الصحيح أيضاً أن سوريا تُدرِك تماماً أن هذا الاعتراف لن يقدِّم ولن يؤخِّر في مستقبل هذه الأرض السورية المحتلة، كما تدرك أن الكيان الصهيوني لن يتخلّى عن الجولان إلا بحالين أولهما هو العمل العسكري، وثانيهما هو بمفاوضات مستندة إلى قوّةٍ عسكريةٍ تجعل اليد السورية هي العُليا، الشيء الذي يُجبِر إسرائيل على الانسحاب تفادياً لمواجهة عسكرية لا طاقة لإسرائيل عليها في ظلّ جهوزية سوريا ومَن معها لخوض هذه المواجهة وخاصة بوجود عدّة عوامل قوّة، أولها هو خروجها مُنتصرِة من حربٍ شُنّت عليها وكانت إسرائيل هي كلمة السرّ في هذه الحرب، والثاني هو الخبرة عالية المستوى التي اكتسبها الجيش السوري خلال سنوات الحرب، أما العامل الثالث فهو شبكة الدفاع الجوّي التي أصبحت تمتلكها، والعامل الرابع هو المحور المقاوِم الذي تنتمي إليه سوريا والذي سيكون معنياً بأيّة مواجهة مع إسرائيل أو مع غيرها.
قرار الاعتراف الأميركي هذا لا يحمل أيّة قيمة عمليّة أو قانونيّة في ظلّ الرفض العالمي وخاصة رفض المنظمات الأممية المعنية بمثل هذه القضايا، مثل منظمة الأمم المتحدة ومنظمة حقوق الإنسان وغيرهما، وحتى مجلس الأمن الدولي الذي قد يكون له موقف مُماثِل تتبنّاه كل من روسيا والصين، وما مُجاهَرة بعض الأدوات الأميركية بعدم سيرهم وراء هذا القرار إلا لقناعتهم بأنه ليس إلّا ورقة انتخابية سينتهي دورها مع نهاية الانتخابات الإسرائيلية، ومن غير المُستبعَد أن يتراجع الرئيس الأميركي الحالي أو مَن سيليه عن هذا القرار بعد انتهاء مُسبّباته.
وهنا لا بدّ من الملاحظة أنّ سوريا ومحورها المقاوِم غير معنيين بالانتخابات الإسرائيلية، ولا فرق عندهم بين نتنياهو أو أيّ إسرائيلي آخر سيصل إلى رأس الحكم في الكيان الصهيوني، ولكنهم بالمقابل معنيون بهذا الصك الأميركي، ولن يسمحوا بتمرير ما يمسّ سيادتهم وكرامتهم وقرارهم الوطني في أيّ مكان في العالم فما بالك حين يكون هذا المكان هو الكيان الصهيوني، بل أكثر من ذلك فهم معنيون بتحويل هذا القرار الأميركي إلى فرصة قد يستطيع المحور المقاوِم من خلالها تغيير بعض قواعد الاشتباك في المنطقة، وبما أنّ الأميركي قد لعب هذه الورقة لكي تكون عاملاً في فوز "نتنياهو" في الانتخابات، فلتكن ردّة الفعل للمحور المقاوِم هي إسقاط هذه الورقة وإسقاط مَن لُعبت لأجله بصرف النظر عن البديل الذي ممكن أن يفوز في الانتخابات. وواهِم مَن يعتقد أن التسخين الحالي بين المقاومة الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني هو بعيد عن القرار الأميركي هذا، أو بعيد عن التنسيق بين بقية أطراف المحور المقاوِم، بالتأكيد هذا التسخين ما هو إلا ردّ لامست حرارته عمق "تل أبيب" في رسالة توضّحها دقّة الصاروخ الذي تمّ إطلاقه لحظة توقيع القرار الأميركي كما يوضّحها مداه وقدرته التدميرية، وبالتأكيد ستكون هناك ردود أخرى سواء كانت هذه الردود على الحدود السورية الفلسطينية من خلال تفعيل الأعمال العسكرية للمقاومة الشعبية، أو قد يكون أمنياً أو عسكرياً في مناطق التواجد الأميركي شرق سوريا أو حتى في العراق، أو من خلال الإسراع في فتح الطريق الذي يصل طهران بدمشق عبر بغداد. وهنا يجب ألّا تغيب صورة الاجتماع العسكري اللافِت الذي ضمّ كلاً من وزير الدفاع السوري ورئيسيّ أركان الجيشين الإيراني والعراقي والذي عُقِدَ في دمشق منذ أيام، كما يجب ألّا تغيب صورة استقبال قائد المقاومة في لبنان السيّد حسن نصر الله لوفدٍ من حركة "حماس" في الوقت الذي تجري فيه الاشتباكات بين المقاومة الفلسطينية وبين إسرائيل.
بطبيعة الحال وكما نرى فإن هذا القرار الأميركي لن يكون إلّا إضافة لسجل "ترامب" الحافِل بالإخفاقات التي جعلته بطل المعارك الخاسِرة منذ انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، وحتى توقيع قراره الأخير هذا، مروراً بحربه التجارية مع الصين، وعقوباته الاقتصادية على روسيا، ومحاولاته المُضنية لاستجداء ولو تنازُل واحد من رئيس كوريا الشمالية، وغيرها الكثير من المعارك الخاسِرة.