غسان الاستانبولي

كاتب وباحث سوري

أزمة نفط .. أمْ أزمة تشويش؟

نقول هذا بسبب ما تمرّ به سوريا من أزمة نقصٍ في المشتقّات النفطية وسير البعض خلف إعلام مشبوه لتحميل الحكومة السورية مسؤولية الإخفاق في حَلّ هذه المشكلة، كذلك لتوجيه اللّوم إلى حلفاء سوريا وأصدقائها وخاصة روسيا بعدم بذل ما يكفي لتجاوز هذه الأزمة، ولسنا هنا لكي ندافع عن الحكومة السورية أو عن روسيا أو غيرهما ولكننا نحاول الإضاءة على الموقف الروسي الذي يطاله العتب والانتقاد من قِبَل الكثير من السوريين.

ينبغي على السوريين عدم الانجرار وراء كل ما هو مشبوه من أخبار ومن مواقعٍ وصفحات
ينبغي على السوريين عدم الانجرار وراء كل ما هو مشبوه من أخبار ومن مواقعٍ وصفحات

يُصرّ بعض السوريين في المُبالغة بانتقاد حكومتهم بل يذهبون أبعد من ذلك لينالوا من دور حلفاء وأصدقاء بلدهم الذين ساعدوهم في الحرب المفروضة عليهم، متجاهلين الدور الأميركي الذي يُعتبر هو المُسبّب لكلّ ما وصلوا إليه.

نقول هذا بسبب ما تمرّ به سوريا من أزمة نقصٍ في المشتقّات النفطية وسير البعض خلف إعلام مشبوه لتحميل الحكومة السورية مسؤولية الإخفاق في حَلّ هذه المشكلة، كذلك لتوجيه اللّوم إلى حلفاء سوريا وأصدقائها وخاصة روسيا بعدم بذل ما يكفي لتجاوز هذه الأزمة، ولسنا هنا لكي ندافع عن الحكومة السورية أو عن روسيا أو غيرهما ولكننا نحاول الإضاءة على الموقف الروسي الذي يطاله العتب والانتقاد من قِبَل الكثير من السوريين.

فعندما قرّرت روسيا الوقوف العسكري إلى جانب سوريا كان ذلك لتحقيق هدفٍ مباشرٍ هو مساعدة الدولة السورية في حربها ضدّ الارهاب الذي كانت روسيا أحد أهدافه لو قُدّر له الانتصار في سوريا، وكذلك لتحقيق هدف إستراتيجي وهو تشكيل قطبٍ عالمي موازٍ للقطب الأميركي قوامه هي ومَن معها من حلفاء، مُستخدمة لتحقيق هذا الهدف سياسة بناء الجسور مع كافة دول المنطقة وذلك لكي تكون وسيطاً مقبولاً لدى الجميع وهذا ما جعلها تنال ثقة معظم الأطراف بما فيها المُتحارِبة أو المُتناقضة، ويظهر جليّاً نجاح هذه السياسة بدءاً من السيطرة على الجموح التركي، وصولاً إلى "الرسالة الإيجابية" التي حملها المبعوث الخاص للرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" من الرياض إلى دمشق.

وهنا لابدّ من التطرّق إلى بعض النقاط التي يمكن من خلالها أن نقرأ السياسة الروسية بشكل أوضح في ما يخصّ هذا الجانب:

  • أزمة نقص المحروقات في سوريا والتي لا تستطيع روسيا المساعدة في حلّها بشكل مباشر وذلك لأسباب لوجستية من شأنها مضاعفة السعر عشرات المرات وهذا حَلٌّ غير مجدٍ، ولذلك تحاول روسيا تأمين بديل قريب مع استعدادها للمساعدة في النقل والحماية لحَلّ هذه المشكلة التي تفاقمت في ظلّ العقوبات الأميركية التي منعت البواخر من الوصول إلى السواحل السورية ، وكذلك في ظل المُضايقة لكل من العراق وإيران لمنعهما من الاستمرار في تزويد سوريا بالوقود.
  • موضوع التنسيق الروسي مع إسرائيل وخاصّة في موضوع تسليم رفات الجندي الإسرائيلي الذي قُتِل في معركة السلطان يعقوب عام 1982، في هذا الموضوع تحديداً نستطيع أن نعرف ماذا قدّمت روسيا من دعاية ودعم لرئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" لتساعده في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية ، ولكننا لا نعرف على ماذا حصلت روسيا مقابل ذلك مع قناعتنا بأنها حصلت على أكثر مما قدّمت ، وقد يكون في مقدّمة ماحصلت عليه هو أنّ فوز "نتنياهو" بدعم روسي يُبقيه تحت النفوذ الروسي كما هو تحت النفوذ الأميركي، وهذا أفضل من مجيء بديل يكون خارج هذا النفوذ.
  • في ما يتعلّق بموضوع الغارات الإسرائيلية المُتكرّرة على سوريا وموقف روسيا منها وبمعزل عن القول بتأثير اللوبي اليهودي الروسي أو العلاقة الروسية الإسرائيلية الجيدة أو غير ذلك من العوامل التي لا يستطيع أحدٌ إنكارها. فروسيا تدخّلت في الحرب السورية لهدفٍ مُحدّدٍ وهو المساعدة في الحرب على الإرهاب وليست بصدد مواجهة عسكرية مع إسرائيل ، أو مع غيرها في ظلّ قدرة سوريا ومحورها على خوض هذه المواجهة، ولاسيّما أنها قدّمت للجيش السوري الكثير من الأسلحة التي تساعده في الدفاع عن الدولة بما في ذلك منظومة الصواريخ S300 التي تُعتبر عقدة الطيران الإسرائيلي، صحيح أن هذه الصواريخ لم تعمل حتى الآن ولكنّها ستعمل في الوقت المناسب الذي يقرّره الجيش السوري، ويبقى السؤال المسموح الذي يتمّ طرحه "لماذا لا يتم تزويد الجيش السوري بمنظومات صواريخ S400 أسوة بتركيا وبغيرها ؟"،وهنا لا بُدّ من التوضيح بأنّ سوريا لا تحتاج هذه المنظومة في مواجهة محتملة مع إسرائيل لأنّها تمتلك ما يكفي لتحقيق التوازن، مع أنّ هذه المنظومة موجودة لدى الجيش الروسي في قاعدة حميميم وهذا يكفي لكي تكون تحت تصرّف الجيش السوري إذا اقتضت الحاجة لذلك، وهنا يجب التنويه إلى أنّه ليس بالضرورة أن تكون الأهداف الروسية واحدةً في كلّ دولة حصلت أو ستحصل على هذه المنظومة، ففي تركيا مثلاً ستكون جميع الطائرات التي ستحلّق في الأجواء التركية مُجبرة على الاتصال مع منظومة الصواريخ المذكورة ، وذلك من خلال "كود" خاص بكلّ نوعٍ من الطائرات للتعريف عن نفسها على أنّها طائرة صديقة ، بما في ذلك الطائرة F35 والتي تُعتبر فخر الصناعة الأميركية وهذا ما يتيح للروس معرفة كافة ميزاتها وتقنياتها ، ولعلّ هذا ما يجعل الولايات المتحدة تعارض بقوّة امتلاك تركيا لمنظومات صواريخ روسية.

ولذلك ينبغي على السوريين عدم الانجرار وراء كل ما هو مشبوه من أخبار ومن مواقعٍ وصفحات وتجنب التشويش على قيادتهم ومن معها من أشقاء وأصدقاء، وبذلك يمكنهم أن يكونوا عاملاً ضاغطاً مع دولتهم لا عاملاً ضاغطاً عليها، فدولة انتصرت على الإرهاب العسكري جديرة بالنصر على الإرهاب الاقتصادي.