براءة درزي

باحثة في الشأن الفلسطيني

العدوان الإسرائيلي على غزّة: المقاومة تفرض أثماناً وتكرّس معادلات

كرّست التطوّرات الأخيرة في قطاع غزّة معادلة ردع الاحتلال بالمقاومة، فالقتل الإسرائيلي للفلسطينيين لن يمرّ من دون ثمن، والقصف بالقصف، والمستوطنون لن يكونوا في مأمن من صواريخ المقاومة التي بات لديها من التقنيات ما يمكّنها من تخطّي منظومة القبّة الحديدية، واستمرار الإرهاب الإسرائيلي يعني ضرب العُمق الإسرائيلي.

العدوان الإسرائيلي على غزّة: المقاومة تفرض أثماناً وتكرّس معادلات
العدوان الإسرائيلي على غزّة: المقاومة تفرض أثماناً وتكرّس معادلات

قتلت قوات الاحتلال منذ انطلاق مسيرات العودة في 30/3/2018 أكثر من 305 فلسطينيّين من المشاركين في المسيرات، عبر استهدافهم بإصابات قاتِلة في الرأس والصدر بذريعة تشكيلهم خطراً على أمنها، وكان من بين مَن قتلتهم مقعدون وأطفال، وأصابت ما يزيد على 17 ألفاً، منهم مَن بُتِرَت أطرافهم، ومنهم مَن يواجهون خطر البتر. وعندما ردّت المقاومة على قتل الاحتلال إثنين من المشاركين في المسيرات في 3/5/2019 بقنص إثنين من جنوده، صعَّد وتيرة عدوانه على قطاع غزّة محاولاً أن يقلب الصورة ليبدو وكأنّه في موقع ردّة الفعل على الرّغم من أنّه المُعتدي الأول والأخير.

لكنّ  هذا العدوان الإسرائيلي الجديد على قطاع غزّة انقلب على الاحتلال، الذي ظهر مرّة أخرى وهو يصارِع ليحافظ على ما تبقّى من قدرته على الردع، التي كرّسها على مدى السنوات الفائتة عبر الإمعان في قتل الفلسطينيين وهَدْمِ بيوتهم فوق رؤوسهم . فعلاوة على عجزه في وجه مسيرات العودة والفعاليات المُصاحِية لها، من البالونات الحارِقة إلى الإرباك الليلي، فقد ثبت في الجولة الأخيرة أنّ المقاومة فرضت معادلات جديدة على الرّغم من أنّ البيئة الدولية والإقليمية مُتآمِرة على الشعب الفلسطيني بكلّ مُكوّناته، بما فيها المقاومة.   

وبالفعل، فإنّ غزّة انتصرت في هذه الجولة في وقتٍ تتضافر فيه الجهود، في السرّ والعَلن، لتركيع القطاع الذي يقف اليوم في مُقدّمة صفوف التصدّي لمُخطّطات تصفية القضية الفلسطينية. وبالنّظر إلى المشهد الدولي والإقليمي، يمكن القول إنّ الظروف تجعل تحقيق النصر صعباً؛ فالحصار خانِق، وتتشارك في فرضه جهات مختلفة، ولا تتوقّف المحاولات التي تبذلها أطراف مختلفة لزرع الشِقاق بين المقاومة وأهلها في غزّة، عبر اتّهامها بأنّها السبب في الحصار، وفي التسبّب بقتل الغزّيين.

وإلى جانب الحصار، فإنّ التطبيع على أشدّه، والترويج للعلاقات مع الاحتلال لم يعد سراً ، بل إنّ عدداً من الدول العربية لم تعد تجد غضاضة في كشف علاقاتها مع دولة الاحتلال وهي تنظّر لضرورة هذه العلاقات وأهمّيتها من أجل تحقيق السلام في المنطقة. وقد شهدنا استقبالاً حفياً لرئيس حكومة الاحتلال في سلطنة عُمان في تشرين أول/أكتوبر 2018، وتصريحات لوزير الخارجية العُماني حول ضرورة العلاقات مع "إسرائيل" من باب الواقعية، ووجوب طمأنتها كونها "لا تشعر بالأمان، وليست مُطمئنّة إلى استمراريتها في المنطقة"، وكذلك تطوّرات التطبيع بين البحرين ودولة الاحتلال، والتطبيع الرياضي بين قطر والإمارات من جهة والإسرائيليين من جهة أخرى في أكتوبر 2018، وردّة الفعل الإسرائيلية على هذا التطبيع لما يشكّله من تبييض لجرائمها منذ النكبة.

أمّا على المستوى الدولي، فإنّ غزّة، بما هي جزء من القضية الفلسطينية، محاصرة بـ "صفقة القرن" أو الخطّة الأميركية للسلام، التي ترسم لتصفية الحقّ الفلسطيني وتضع مصلحة الاحتلال وأمنه قبل أيّ حق فلسطيني وفوقه. وقد بدأ تنفيذها فعلاً قبل طرحها عبر إعلان القدس عاصمة لكيان الاحتلال، ونقل السفارة الأميركية إلى المدينة المحتلّة، والقرارات التي تستهدف حقّ العودة.

لكن على الرغم من ذلك، فإنّ المقاومة فرضت معادلتها: القصف بالقصف، ولن توقفها عن الردّ تهديدات الاحتلال بحرب يدرك أنّه لن يكون قادراً على حسمها. وقد كشفت هذه الجولة تنامي قدرات المقاومة، فوفق صحيفة "معاريف"، فإنّ حماس والجهاد أطلقت 700 صاروخ في الجولة الأخيرة منها 117 صاروخاً في أقل من ساعة بعضها استهدف بطاريات القبّة الحديديّة، ما يدلّ على الأداء الرائع والتنسيق بينهما لإصابة أهداف أكثر وتعطيل نظام القبة الحديدية كذلك. ووفق الاحتلال، فإنّ المقاومة في غزّة طوّرت حوّامة صغيرة تحمل صاروخاً برؤوس حربيّة مضادّة للدبابات، استخدمتها في جولة التصعيد الأخيرة. وإن كانت فشلت في الهدف إلّا أنّ ذلك لا ينفي امتلاكها التقنية، وأنّها ستستخلص العِبَر وتعمل على تطوير التجربة. كذلك، سيطر على الاحتلال الخوف من دخول الكوماندوز البحري على خطّ المواجهة، وتسلّل المقاومين عبر البحر أو اقتراب خلية للمقاومة من حقول الغاز مقابل شواطئ غزّة وإطلاق الصواريخ تجاه هذه الحقول.

ومع ما لمسه الاحتلال من قدرة لدى المقاومة على الردّ على عدوانه والتصعيد في مقابل التصعيد الصهيوني، فقد بات يدرك أنّ التمادي في العدوان سيجلب المزيد من الرّد، أمّا التوسّع إلى حرب فلن يكون مضمون النتائج، وهو يعمل على تجنّب هزيمة صريحة على يد المقاومة لأنّ أيّة هزيمة ستعني تدميراً سياسياً له، وفق باروخ كيميرلينغ، عالِم الاجتماع الإسرائيلي. ومع هشاشة الأمن الإسرائيلي في مقابل ردّ المقاومة،  كشف مدير إحدى الشركات الإسرائيلية لتحصين المنازل وبناء ملاجئ الحماية عن ارتفاع حاد في معدّل طلبات الإسرائيليين لشراء ملاجئ حماية في أعقاب جولة التّصعيد الأخيرة مع قطاع غزّة. وأعلن رئيس حكومة الاحتلال بدء العمل على بناء جدار فوق الأرض بارتفاع ستّة أمتار على طول الحدود بين قطاع غزّة و"إسرائيل". ووفق وزارة الجيش، سيبلغ طول الجدار الجديد 65 كلم، وسيضمّ عند طرفه الغربي جداراً بحرياً في مياه المتوسّط لمنع الفلسطينيين من شنّ هجمات عبر المياه.

إذًا، كرّست التطوّرات الأخيرة في قطاع غزّة معادلة ردع الاحتلال بالمقاومة، فالقتل الإسرائيلي للفلسطينيين لن يمرّ من دون ثمن، والقصف بالقصف، والمستوطنون لن يكونوا في مأمن من صواريخ المقاومة التي بات لديها من التقنيات ما يمكّنها من تخطّي منظومة القبّة الحديدية، واستمرار الإرهاب الإسرائيلي يعني ضرب العُمق الإسرائيلي. وقد يكون من الصعب القول إنّ هذه الجولة ستكون الأخيرة في جولات العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، لكنّ المؤكّد هو أنّها كشفت عن قدرة متنامية للمقاومة لا يعرف الاحتلال مدى تطوّرها بعد، أو كيف سيواجهها.