محمد سلام

كاتب عراقي

إسرائيل أكبّر الخاسِرين في سوريا

بينما لو أخذنا مقياساً حقيقياً منطقياً للأشياء، لوجدنا أن أغلب الدول العربية لا تتمتّع شعوبها بمقدار مقبول من الحرية، لكن النسبة بين دولة وأخرى متفاوتِة، ولو وضعنا سوريا قبل 2011، والسعودية أو البحرين أو الإمارات أو أية دولة عربية شاركت بدعم العنف في سوريا تحت شعار الحرية، لكان الجواب واضحاً، هو أن سوريا كدولةٍ ونظامٍ وتمثيلٍ سياسي وانتخابات ومواقف خارجية بالنسبة للقضايا العربية المشتركة، أفضل بكثير من البلدان العربية التي دعمت الدمار والخراب فيها وعلى رأسها الدول الخليجية.

  • إسرائيل أكبّر الخاسِرين في سوريا

منذ اللحظة الأولى لإنطلاق الصراع على سوريا بين الدولة واللا دولة، وكانت الدوافع التي تريد إنهاء الدولة بمؤسّساتها وسياساتها واضحة، بحجّة التظاهرات المطلبية وشعار"الحرية"، لكن الحرية مشروطة بمقاسات أميركية_ إسرائيلية، وهذا لم يحدث في سوريا فقط بل في أغلب البلدان التي عاشت خدعة الربيع العربي.

بينما لو أخذنا مقياساً حقيقياً منطقياً للأشياء، لوجدنا أن أغلب الدول العربية لا تتمتّع شعوبها بمقدار مقبول من الحرية، لكن النسبة بين دولة وأخرى متفاوتِة، ولو وضعنا سوريا قبل 2011، والسعودية أو البحرين أو الإمارات أو أية دولة عربية شاركت بدعم العنف في سوريا تحت شعار الحرية، لكان الجواب واضحاً، هو أن سوريا كدولةٍ ونظامٍ وتمثيلٍ سياسي وانتخابات ومواقف خارجية بالنسبة للقضايا العربية المشتركة، أفضل بكثير من البلدان العربية التي دعمت الدمار والخراب فيها وعلى رأسها الدول الخليجية.

يعني ذلك أن الدعم العربي لتأجيج العنف في سوريا، ليس لجلب الحرية في سوريا وذلك لسببين، الأول: أن فاقِد الشيء لا يعطيه، فهذه بلدان تُدار من قِبَل ملك ويتحكّم لوحده بكل مقدّرات الدولة كما يشاء ، وفي بعض الأحيان يتم التحكّم به خارجياً، ومَن يعترض على ذلك يُقطَع رأسه أو يُسجَن أو يُحارَب برزقه.

الثاني: العرب الذين شاركوا بتدمير سوريا، لا تعنيهم الحرية أو أيّ شيء آخر، فهم على استعداد تام للدعم بالمال والسلاح والمتطرّفين، تطبيقاً لتوجيهات الإدارة الأميركية، فهم يتبّعون وينفّذون ما يُطلَب منهم بالحرف، خدمة لمصالح أميركا وبالتأكيد يعني ذلك ضمناً أو علناً مصالح إسرائيل في ذات الوقت.

السبب وراء الحرب المُدمِّرة التي شنّتها إسرائيل بالوكالة على سوريا منذ عام 2011، يتجسّد بردع الدولة السورية عن مواقفها وتحرّكاتها التي تهدّد أمن ووجود إسرائيل، بالإضافة الى استنزاف قوّة الجيش السوري، ذلك الجيش الوحيد في بلدان الطوق العربي، ليس لأميركا أو إسرائيل أيّ تأثير عليه أو فيه للسيطرة على مكامن قوّته.

التلويح الإسرائيلي بحربٍ على سوريا يعود إلى زمن ٍبعيد، لكنه تصاعَد وأصبح أكثر خطورة بعد إنتصار حزب الله على إسرائيل في معركة 2006، بعد الإنكسار الإسرائيلي بات واضحاً للصهاينة أن سوريا تمثل ركناً أساسياً في محور المقاومة، وأن المحور من دون سوريا سيفقد عنصراً حيوياً يمثل الشريان الأهم بين إيران- حزب الله، فمن هنا أخذت إسرائيل تخطّط للإستحواذ على سوريا وهذا كان واضحاً في كلام المسؤوليين الإسرائيليين، ثم أخذ التوتّر يتصاعد منتصف عام 2009، بعدما بدأت إسرائيل تصعد صوب سوريا سياسياً، بعد المعلوات التي نشرتها المخابرات الإسرائيلية بخصوص امتلاك حزب الله صواريخ "سكود" من الفئات(A-B-C)، وقالت الموساد حينها إنها رصدت عناصر من حزب الله يتدرّبون على صواريخ أرض-جو وصواريخ بعيدة المدى في سوريا، وفي شهر أكتوبر عام 2010، نشرت المخابرات الإسرائيلية معلومات حسّاسة حول رصدها نشر حزب الله صواريخ (فاتح110) إيرانية الصنع والتي يصل مداها إلى 300 كم ولا تحتاج إلى تجهيزات معقّدة لإطلاقها، وقالت الموساد إن حزب الله حصل عليها من سوريا. بعد ذلك توتّرت العلاقات الأميركية- السورية، بصورة أكبر مما كانت عليه، وأخذت إسرائيل تهدّد بلغة مُتعالية وكان ذلك واضحاً من خلال تهديد وزير الخارجية الإسرائيلي آنذلك أفيغدور ليبرمان، الذي هدّد بإسقاط نظام سوريا واستهداف عائلة الرئيس بشّار الأسد وإزاحتها عن صدارة المشهد، ورد عليه بعد أيام وزير الخارجية السوري وليد المعلم في تصريح شهير عندما قال " إسرائيل تزرع مناخ الحرب في المنطقة، وأنا أقول لهم كفى لعب دور الزعران في المنطقة، تعلمون أن الحرب في هذا التوقيت سوف تنتقل إلى داخل مدنكم".

ذلك الرد السوري جاء بعد تأكّد دمشق من أن إسرائيل خطّطت مراراً لضرب أهداف عديدة بحجّة أنها شحنة أسلحة ستصل إلى حزب الله، لكن الكيان الصهيوني كان يخشى من عملية فاشلة تقود إلى توتّر عسكري مع سوريا، وتلك الخشية عمّقتها المخابرات العسكرية الإسرائيلية حينها.

ومنذ إندلاع النزاع المسلّح في الداخل السوري عام 2011، دمّرت الجماعات المسلّحة، العديد من أنظمة الدفاع الجوي السورية وساعد ذلك على شل قدرة سوريا مؤقتاً لصدّ أيّ عدوان إسرائيلي، ولو تذكّرنا ماذا قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي في جلسة إستماع للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي في مارس/ 2012، عندما أكّد أن" الدفاع الجوي السوري أكثر تطوّراً بخمس مرات مما كان لدى ليبيا في عام 2011، ويُماثل عشر مرات ما خبره حلف شمال الأطلسي في صربيا".

فمن هذا الكلام، يمكن لنا أن نتخيّل حجم الخدمة التي قدّمتها المعارضة السورية المسلّحة للكيان الصهيوني، ثم بعد ذلك الصوَر ومقاطع الفيديو التي انتشرت لعناصر من المعارضة المسلحة وهم يتلقون العلاج من داخل إسرائيل وزيارة رئيس وزراء الكيان الصهيوني لهم، بالإضافة  إلى زيارة وجوه معروفة بالمعارضة السورية إلى تل أبيب، منهم كمال اللبواني وعصام زيتون وعبد الجليل السعيد وآخرون. كما وضح عناصر من ما يُسمّى الجيش الحر وفصائل أخرى مسلحة عبر تغريدات ومقاطع فيديو، إن العدو الأول، إيران وليس إسرائيل.

وفي النهاية أطرح لكم مايلي: سوريا كانت قبل عام 2011، تمتلك دفاعاً جوياً متطوّراً وجيشاً قوياً يستطيع كسر شوكة أيّ إعتداء خارجي.. فالدفاعات الجوية دمّرتها المعارضة واستنزفت الجيش.

وكانت سوريا تزرع وتصنّع وتصدّر ولا وجود يُذكَر لأية ديون خارجية في وقت كانت فيه البلاد تتمتّع بالإكتفاء الذاتي، وبعد الدمار الذي حل بها تأثّرت الصناعة والزراعة وكل ما كان يوفّر الرفاهية والإكتفاء للمواطن السوري.

كان الكثير من المصانع العملاقة في حلب شمال سوريا، وبعد الأحداث فكّكها الجيش الحر ونقلها إلى داخل تركيا وسيطرت تركيا بعد ذلك على النفط السوري بعدما تعاملت مع المعارضة وداعش في شراء النفط بإسعار منخفظة جداً وهذا أضرّ بصورة بالغة بالإقتصاد السوري.

كانت إسرائيل تخشى وتفكّر ألف مرة قبل استهداف سوريا خوفاً من إثارة الجيش العربي السوري وهي لا تريد أن تدخل حرباً معه، وبعد الأحداث في 2011، بات سلاح الجو الإسرائيلي يصول ويجول ويُعربِد في السماء السورية بعدما دمّرت المعارضة الجيش والدفاع الجوي خصوصاً في أول سنوات الصراع.

وهذا جزء مما قامت به المعارضة المسلّحة بضمنها جبهة النصرة وداعش وقدّمت بذلك خدمات لأعداء سوريا، ومن وصفي للمعارضة أقصد من ذلك كل مَن رفع السلاح بوجه الدولة سعياً لإسقاطها، وليس القصد من وصفي بعض الشخصيات المعارضة التي تكنّ لها دمشق الإحترام، وتريد فعلاً إصلاح بعض السلبيات لتكون سوريا أقوى.

والسؤال الأبرز أترك جوابه لمَن يقرأ: هل ما تقدّم يمتّ إلى شعار الحرية المزيّف بشيء؟. هل ما حصل من تدميرللبشر والبنى التحتية فيه مصلحة للشعب السوري أو عالج المشاكل السياسية أو المجتمعية الموجودة في سوريا وهي موجودة في أغلب بلدان المنطقة؟. هل حال السعودية أو جميع الدول العربية التي موّلت العنف في سوريا هي أفضل حالاً من سوريا قبل عام 2011، حتى تتبرّع كداعمٍ لحرية الشعب السوري وتسلّح وتجهّز وتنفّذ؟.

لكن طبخة إسرائيل في سوريا لم تنجز كما كانت تريد، فالدولة بقيت وستخرج من أزمتها أصلب عوداً، بفضل صمود سوريا دولة وشعباً ورئيساً وحلفاء، وعلى هذا الأساس ستُرسم خارطة أية حرب مقبلة ربما تتوّرط بها إسرائيل في الشمال.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً