باسم عثمان

باحث وكاتب فلسطيني

صفقة القرن

إن احتواء الانعكاسات الخطيرة لتطبيقات صفقة القرن يتطلّب بالضرورة العمل على إنهاء الانقسام الداخلي (الجغرافي والإداري والمؤسّساتي والسياسي) من خلال التطبيق الميداني لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني, واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني وهو متطلّب أساسي في المواجهة مع صفقة القرن والعمل على إحباطها.

صفقة القرن
صفقة القرن

إدارة ترامب والتي تبنّت نهج تفاوضي مخالف للإدارات الأميركية السابقة، كانت تُشرك الإسرائيليين والفلسطينيين في المفاوضات، وتضع الخطوط العريضة، وتترك لطرفي الصراع أن يقررا ويتفقا حول التفاصيل، هذا النهج التفاوضي الجديد لإدارة ترامب قائم على ركيزتين أساسيتين:
الأولى: السلام "الخارجي" , أي إدارة مفاوضات مع الدول العربية وتطبيع العلاقة مع "إسرائيل"، تحت بند مواجهة “المخاطر الاقليمية “، وعلى أمل أن تمارس الدول العربية نفوذها على الفلسطينيين من أجل دفع السلام في الشرق الأوسط.
الثانية: سياسة الإكراه وإجبار الفلسطينيين على القبول، من خلال تشكيل و رسم سياسة الأمر الواقع على الأرض: في موضوع القدس، واللاجئين، والمستوطنات، وإجراءات عقابية: كخفض المساعدات، وإغلاق المكاتب الدبلوماسية .
هذه "الخطةالترامبية", والتي بدأت بالتطبيقات العملية وترسيخ "الحقائق السياسية"، قبل الاطلاع عليها, ومن ثم صوغها وفقاً للنتائج الملموسة على الأرض و سياسة "الأمر الواقع" وعلى ردّات الفعل فلسطينياً و اقليمياً و دولياً...سياسة خطيرة وماكِرة تبدأ بالتطبيقات الملموسة ومن ثم صوغها ضمن خطة مرتقبة" للسلام" في المنطقة, ومن ثم القول: هذا هو الواقع الجديد؟! و يجب التعامل معه؟؟!!!.
وللأسف, مع كل خطوة تنفيذية على الأرض، لا تملك السلطة السياسية الرسمية الفلسطينية ولا قيادة غزّة السياسية الحمساوية سوى إصدار بيانات الشجب والاستنكار وتوصيف المخاطر السياسية المترتّبة على كل خطوة تصفوية للقضية القلسطينية.
مواقف تكشف أن "القيادة السياسية "بشقّيها" الرسمي و الحمساوي بعيدة كل البعد عن شعبها و قضيته الوطنية , و ما تبحث عنه تلطيف الأجواء السياسية و الرأي العام الفلسطيني و الحصول على بعض المكاسب الفئوية و الفصائلية الضيّقة.
إن احتواء الانعكاسات الخطيرة لتطبيقات صفقة القرن يتطلّب بالضرورة العمل على إنهاء الانقسام الداخلي (الجغرافي والإداري والمؤسّساتي والسياسي) من خلال التطبيق الميداني لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني, واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني وهو متطلّب أساسي في المواجهة مع صفقة القرن والعمل على إحباطها.
هذا الانقسام الذي تعيشه الحال السياسية الفلسطينية الرسمية كرّس نظاماً سياسياً فردياً بصلاحيات مطلقة يُدار فيه الحُكم بمراسيم لا تخضع للرقابة أو المُساءلة أو المراجعة، ما يتطلب دعوة هيئة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، للتوافق على إجراءات إنهاء الانقسام, والدعوة لانتخابات شاملة تتجدّد فيها كل الشرعيات الفلسطينية, على أساس قانون انتخابي ديمقراطي يعتمد نظام التمثيل النسبي الكامل لكل الهيئات والمؤسّسات القيادية الفلسطينية في منظمة التحرير الفلسطينية وبما يعزّز من موقعها السياسي والتمثيلي.
إن مواجهة صفقة القرن كإطار للتسوية السياسية و ليست كإطار للتسوية القانونية لأنها تغرّد خارج السرب القانوني للقرارات الدولية, وظيفتها تصفية القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية, تتطلب التوافق على استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى حال وطنية فلسطينية متماسكة وآليات ميدانية فعّالة, لتصويب العلاقات الائتلافية داخل م.ت.ف ومؤسّساتها ، وإعادة بناء هذه العلاقات على قاعدة الديمقراطية التوافقية والشراكة السياسية.
وعلى القيادة الرسمية الفلسطينية مغادرة السياسة الإنتظارية وسياسة المماطلة والتسويف وتعطيل قرارات الإجماع الوطني والشروع من دون تردّد بخطوات فكّ الارتباط مع سلطات الاحتلال و التحرّر من قيود اتفاق أوسلو, رداً فلسطينياً متناسباً مع جرائم الاحتلال الاستيطانية والتهويدية للأراضي الفلسطينية, والصفقات الأميركية المشبوهة, وهذا لن يكون الا بتنفيذ قرارات المجلس الوطني الفلسطيني و تحديد العلاقة مع "إسرائيل", باعتبارها دولة معادية تحتل أراضي دولة فلسطين إلى جانب استنهاض المقاومة الشعبية بجميع أشكالها ، وتطويرها لانتفاضة شاملة ، على طريق التحوّل إلى عصيان وطني شامل, يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل لإلزام دولة الاحتلال الإسرائيلي على احترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
نحن أحوَج ما نكون إلى استراتيجية وطنية لمواجهة خطر الاستيطان الإسرائيلي, الذي بات يشكل تهديداً وجودياً للشعب الفلسطيني كجزء من سياسة الاشتباك مع صفقة القرن الأميركية, والدخول في حوار وطني شامل لطيّ صفحة الانقسام ومتطلّبات فكّ الارتباط بدولة "الاحتلال الإسرائيلي ومتطلّبات تدويل الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية وخوض معاركها في المحافل الدولية.
إن سياسة التغويل الأميركي- الإسرائيلي و التلويح بسياسات التهميش و التصفية للقضية الفلسطينية تستند إلى:
1-استمرار حال الانقسام الفلسطيني الرسمي و ليس الشعبي و تعطيل تنفيذ قرارات الإجماع الوطني الفلسطيني(الوطني و المركزي).
2-النكوص لبعض الدول العربية و خاصة الخليجية منها على اعتبار القضية الفلسطينية جوهر الصراع العربي-الإسرائيلي, واتباع سياسة "التطبيع" مع كيان "الاحتلال الإسرائيلي" أحد مرتكزات صفقة القرن الأميركية.
في ذات السياق فإن الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية تقوم على ما يلي:
• تنفيذ قرارات و توصيات المجلس الوطني الفلسطيني في الميدان.
• دعم كل أشكال المقاومة الشعبية و تصعيدها إلى انتفاضة عارِمة في غزّة والضفة والقدس.
• تدويل القضية الفلسطينية و حقوق الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية للأمم المتحدة و بثلاثة مشاريع قرارات:
-دعوة الأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام بمرجعية القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
-رفع عضوية دولة فلسطين من مراقِبة إلى عامِلة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
-توفير الحماية الدولية لأرض و شعب دولة فلسطين ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلي.
إن صراع المصالح الفئوية السلطوية على النفوذ و المال في النظام السياسي الرسمي الفلسطيني و تدخّلات المحاور الاقليمية والتدخّلات الأميركية- الإسرائيلية, شكلت العوامل الثلاثة التي عطّلت قرارات الإجماع الوطني الفلسطيني, والحل يكمن في العمل على رسم الخارطة السياسية في الحال الفلسطينية من جديد, و وضع حد للاستفراد و الهيمنة و التفرّد بالقرار السياسي, من خلال تجديد الشرعيات الفلسطينية و بانتخابات ديمقراطية وفق التمثيل النسبي الكامل.
لأن الخَلَل الأساسي في الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة التحرّر الوطني هو في الانقلاب السياسي للقيادة الرسمية على البرنامج الوطني لصالح برنامج أوسلو, والحل في العودة عن مسار أوسلو و كل التزاماته لصالح البرنامج الائتلافي الوطني و التزاماته البديلة في هذه المرحلة.
ولا جدوى من مواجهة "صفقة ترامب" سياسياً و ميدانياً في ظل غياب تنفيذ قرارات مؤسّسات م.ت.ف في الميدان و تدويل القضية و الحقوق الوطنية.
وأمام هذا التمادي و الغطرسة في التعاون المشترك الأميركي الإسرائيلي، يكون لزاماً على العرب أن يقفوا موحّدين، وأن يباشروا بتنفيذ القرارات الصادرة عن القمم العربية، وألا يقفوا موقف الحياد أمام تلك المخطّطات العدوانية ،لأن الحصار أطبق من كل الجهات على الشعب الفلسطيني، والهدف واضح وهو انتزاع موقف يتماشى وتلك الخطط و الصفقات المشبوهة, وعلى العرب أن يكونوا شبكة أمان حقيقية، سياسية ودبلوماسية و مالية دعماً للقضية الفلسطينية, جوهر الصراع العربي- الإسرائيلي .