باسم عثمان

باحث وكاتب فلسطيني

المواجهة ليست عملية ذهنية سياسية منفصلة عن الواقع

إن "الهوجة الكلامية" و"الضجيج الإعلامي" الفلسطيني حول ما قاله فريدمان مؤخراً، ستنتهي بأسرع مما انطلقت ولن تترك أثراً على أرض الواقع، بل وسيقول ما هو أخطر من ذلك، لأن فريدمان ومعه الفريق اليهودي التوراتي الأميركي يقودون مرحلة تدمير للمشروع الكياني الفلسطيني تمهيداً لإقامة "دولة اليهود" فوق أرض فلسطين التاريخية،

المواجهة ليست عملية ذهنية سياسية منفصلة عن الواقع
المواجهة ليست عملية ذهنية سياسية منفصلة عن الواقع

مع استعصاء عقدة الانقسام الداخلي الفلسطيني، وفشل كل محاولات توحيد الصف الفلسطيني، ومع عجز كل المبادرات الوطنية، سواء كانت من شخصيات أكاديمية، أو مجموعات نسوية، أو شبابية، أو فصائلية يسارية غيورة على مكتسبات الشعب الفلسطيني وإنجازاته الوطنية، فقد أضحى الفلسطيني يشعر ألا قيمة، ولا فائدة، من أية محاولات جديدة لرأب الصَدْع وإنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الداخلية بنفس الأدوات السابقة للسنوات العشر الماضية، وبذات الأساليب التي أضحى مشكوك بنجاعتها ونجاحها، وبقدرتها على رأب الصَدْع و بناء جسور الوحدة، وجسر الفجوة الآخذة بالتوسع يوماً بعد يوم، سواء كان ذلك على شكل انحسار هوامش ثقة المواطن الفلسطيني بقواه وقيادته السياسية المتنفّذة بالقرار الوطني، ولا سيما فئة الشباب، الذي أضحى حلمه البحث عن حياة جديدة خارج حدود الوطن.   آن الأوان لانتهاج مسار جديد، يُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويُعيد البوصلة إلى وجهتها الحقيقية، ألا وهي العودة إلى الجماهير، وآن الأوان لكي يأخذ المثقفون الحقيقيون دورهم الطليعي في توجيه الجماهير والشباب الفلسطيني، من المثقفين المشتبكين بالميدان و بالفكر السياسي، مع سياسات الاحتلال و"مطابخ" القيادات المتنفذة الفلسطينية، والرافضين للقوالب الجاهزة  في ظل غياب انتخابات حرّة ديمقراطية، وغياب تنفيذ قرارات الإجماع الوطني الفلسطيني, وتعطيل حق المواطن بأن تكون لديه مؤسّسات تشريعية تمثله، فلن ينتهي هذا العبَث اليومي، ولن تتوقّف السِجالات الدائرة حول كل ما يتعلق بالشأن العام الفلسطيني، ما بين مؤيّد متحمّس لقرار يخدم مصالحه، أو مصالح فريقه، أو معارِض شرِس لذات القرار كونه يتعارض مع مصلحة القضية الوطنية العامة ، وما بين هذا وذلك سيبقى الفلسطيني تائهاً ما بين الاحتلال، والانقسام، وما بين حقه بالمواطنة الكاملة، وحقيقة كونه يعيش أحكام المختطفين والرهائن، ممَن لا يحق لهم سوى الصمت والدعاء .

 إن الدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية ووطنية، وتحديد موعد مُحدَّد وجدي لها، والاستعداد الفعلي لتنظيمها خلال فترة معقولة، ومنطقية، وتجنيد الرأي العام ومؤسّسات المجتمع المدني، خلفها، ستقود حتماً نحو إعادة الاعتبار للمواطن  وللمنظمة ولإنجازاتها الوطنية، وستؤدّي إلى التفاف الجماهير حول قيادتها وقرارها الوطني، كونه حقاً لهم أولاً، وكونه يخرجهم من صفوف الرهائن، والمتفرّجين، نحو ساحات الفاعلين والمؤثّرين. 

من السهل أن يقول الكثير بأن طرح مسار الانتخابات العامة مضيعة للوقت، وبأنه ليس منطقياً، وغير قابل للتطبيق، فالاحتلال لن يسمح بتنظيمها في القدس، و(حماس) لن تسمح بتنظيمها في قطاع غزّة، إلا بشروطها، وبما يضمن استمرار سيطرتهاعلى القطاع، كما أن المرحلة غير مًهيّأة لذلك، نظراً لتحدّي صفقة "العصر" المُرتقبة، وسياسات الاحتلال المتغوّلة، وضرورة تجنيد كل الجهود لإحباطها ، هذه التحديات هي حقيقية بالواقع لكنها تخدم بالمحصّلة المسار الوطني العام، كونها  فرصة لتجنيد العالم أجمع مع الحق الفلسطيني بالديمقراطية وتجديد شرعية مؤسّساته الوطنية التي يطالبنا بها، وأما (حماس)  فقبولها بالانتخابات يعني خطوة هامة نحو إنهاء الانقسام جدياً، ورفضها سيجعل المواطن الفلسطيني يفرّق بين مَن اختار طريق التعدّدية والانتخابات والمصلحة الوطنية العامة، ومَن انتصر لمسار الانغلاق  والتفرّد والتسلّط ، أما حول صفقة "العصر"، وجرائم الاحتلال، فما من مسار أنجع، أو أضمن أو أكثر فعالية وضمانة على التصدّي لهما، من جبهة داخلية تمتلك شرعية الصندوق، ومواطن يشعر أنه جزء حقيقي من القرار، وفاعل في المقاومة، وعبور الطرق الوعرة نحو الهدف .

فالعقلية السياسية الواهِمة والمتطيّرة والتي تعتقد أنها بإمكانها أن تغيّر الواقع من خلال تفاعل الفكر مع الفكر والسياسة مع السياسة، أي أنّ التغيير عندها عمليةٌ ذهنيةٌ ونظرية منفصلةٌ عن الواقع، وهذا يعكس محاولتها للتغطية على حال العجز عن الفعل، والاكتفاء بردود الفعل، في حين أن التغيير في الحقيقة يأتي من المبادرة والمثابرة لتغيير الواقع، من التفاعُل بين الفكر والواقع.

المطروح بلورة بديل وطني مُتكامل لا يكتفي بتحديد ما يرفضه الفلسطينيون وأصدقاؤهم، وإنما يتضمّن ما يقبلونه أيضاً، بحيث تكون إعادة الإعتبار لبرنامج الحد الأدنى الوطني، أمر لا يقلّ أهمية عن رفض "الصفقة" الأميركية، فلا بد من إقامة جبهة فلسطينية عربية عالمية تطالب بأهداف قابلة للتحقيق، وتتعامل مع الأمر الواقع لتغييره لا للخضوع له، ولا إلى إعادة إنتاج "أوسلو" بصيَغ مختلفة، وتستقطب دعماً عربياً وعالمياً واسعاً لكونها منسجمة مع القانون الدولي والشرعية الدولية.

أما الرفض والعودة لمطلب التحرير الكامل مثلاً، أو استبدال برنامج إقامة الدولة الفلسطينية والمساواة والعودة على أساس أن الدولة الفلسطينية باتت مستحيلة التحقيق!! فهو يساعد الأعداء على تحقيق أهدافهم بتكاليف أقل كلفة، ودليل على خطأ منهجي يتصوّر إمكانية تغيير الواقع عبر تناسُل الفكر من الفكر، وليس عبر تفاعله مع الواقع بهدف تغيير موازين القوى، وبما يسمح بتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من دون التنازل عن الحقوق الثابتة، ولا عن الهدف النهائي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ولكنه وحده الذي يلبّي الحقوق الكاملة والتاريخية والقانونية الفلسطينية.

 إن "الموجة الكلامية" و"الضجيج الإعلامي" الفلسطيني حول ما قاله فريدمان مؤخراً، ستنتهي بأسرع مما انطلقت ولن تترك أثراً على أرض الواقع، بل وسيقول ما هو أخطر من ذلك، لأن فريدمان ومعه الفريق اليهودي التوراتي الأميركي يقودون مرحلة تدمير للمشروع الكياني الفلسطيني تمهيداً لإقامة "دولة اليهود" فوق أرض فلسطين التاريخية، وللأسف، نحن لا نزال نقف على مسار ردود الأفعال الإعلامية فقط من دون الغوص بصوغ الفعل ذاته وعلى الأرض والتحضير لمقاومة وطنية فاعلة لكل سياسات التغوّل الأميركي.

ستبقى الجماهير الفلسطينية بقدراتها وإمكاناتها وإبداعاتها في صوغ مقاومتها صمّام الأمان والبوصلة الوطنية للإنجاز الوطني المُرتَقب.