غسان الاستانبولي

كاتب وباحث سوري

كيف ستَردّ سوريا على الاعتداءات الإسرائيلية

هذا يأخذنا إلى كلام الرئيس الأسد أثناء زيارته لأحد المواقع العسكرية في الغوطة الشرقية في شهر آذار/مارس عام 2018، عندما قال مُخاطِباً جنوده" المعركة أكبر من سوريا وأنتم تخوضون معركة العالم، وإنّ تحرير كُلّ قرية يُغيّر الخريطة السياسية والموازين العالمية"

كيف ستَردّ سوريا على الاعتداءات الإسرائيلية 
كيف ستَردّ سوريا على الاعتداءات الإسرائيلية 

من المعروف عن الرئيس السوري بشّار الأسد أنّه لا يقول الكلام جِزافاً، فكلّ كلمة لها معناها ومدلولها وهدفها مهما كانت المناسبة وأينما كان المكان، ومن المعروف عنه بأنّه أحد الزعماء العالميين القلائل الذين لا يشترطون حصولهم على الأسئلة التي سيتمّ طرحها عليه قبل أيّ لقاء صحفي، ولنتذكّر مُقابلته الصحفيّة مع شبكة" إن بي سي نيوز" الأميركية التي أدارها بِخبثٍ الصحافي الأميركي"بيل نييلي"  في شهر تموزـ يوليو عام 2016، والذي وصف خلالها الرئيس الأسد بأوصافٍ قاسيةٍ" ديكتاتور ومتوحّش يداك مُلطّختان بالدم.." ، في محاولةٍ منه لإخراج الرئيس عن تركيزه وعن هدوئه ولكنّه فشل في ذلك. 

هذا يأخذنا إلى كلام الرئيس الأسد أثناء زيارته لأحد المواقع العسكرية في الغوطة الشرقية في شهر آذار/مارس عام 2018، عندما قال مُخاطِباً جنوده" المعركة أكبر من سوريا وأنتم تخوضون معركة العالم، وإنّ تحرير كُلّ قرية يُغيّر الخريطة السياسية والموازين العالمية". 

نقول هذا لنصل إلى نتيجةٍ مفادها أنّ ما يحصل في العالم هو حرب عالميّة فعليّة، بين الولايات المتحدة الأميركية ومَن معها من جهة، وروسيا ومَن معها من جهةٍ أخرى، وأنّ الأميركي يخوض هذه الحرب بأسلوبين مختلفين، فمع كلّ من روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا هي حرب اقتصادية، ومع سوريا واليمن والعراق هي حرب عسكرية، ولعلّ لعنة الجغرافيا هي مَا جعلت سوريا المسرح الأكبر للجانب العسكري من هذه الحرب، ولاسيما بعد فشل الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في إسقاط القيادة السورية المُعادية لإسرائيل والرافِضة لأيّة عملية سلام معها، وتسليم قيادة الدولة إلى جماعة الإخوان المسلمين ليذهبوا مباشرة إلى سلامٍ وتطبيعٍ مع الكيان الإسرائيلي بحسب ما هو مُخطَّط. 

كان لا بدّ من قول ذلك لكي نصل إلى الاعتداءات الإسرائيلية المُتكرِّرة على الجغرافيا السورية، وخاصة الاعتداء الأخير الذي استهدف مناطق مدنيّة في بلدة صحنايا المُتاخِمة تماماً للعاصمة دمشق، والذي استُشهِدَ وجُرِحَ نتيجته عدد من المدنيين السوريين بعضهم من الأطفال. 

ولتوضيح الهدف الذي تسعى إليه إسرائيل من خلال عدوانها الاستفزازي الأخير، وكيف ستواجه سوريا هذا الاستفزاز، لا بدّ من أن نُضيء على التكتيك الذي تعمل به كلّ منهما: 

  • إسرائيل المأزومة على مستوى الكيان نتيجة الانتصار السوري على مشروعها في إسقاط الدولة السورية وانتهاء كل ما كانت تراهن عليه، وعلى مستوى رئيس حكومتها الذي تفصله عدّة أسابيع عن الانتخابات التي إن لم يفز فيها فمصيره ومصير زوجته السجن، ولاسيما بعد أن عجز عن تغيير الموقف الروسي الداعِم للدولة السورية والمُتحالِف مع إيران، وخاصة بعد تأكيد هذا الموقف خلال الاجتماع الأمني بين مندوبي كلّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل مؤخراً في القدس المحتلة، والذي عبّر عنه مُستشار الأمن الروسي" نيكولاي باتروشيف" بقولين علنيين في غاية الأهمية حين قال عن إيران "إيران حليف إستراتيجي لروسيا في الشرق الأوسط وأن روسيا ترفض محاولات شيطنة إيران وتصويرها على أنّها راعية للإرهاب في العالم أو أنّها تُشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين" ، وحين قال عن سوريا "إن أمن إسرائيل لا يتحقّق من دون عودة الأمن إلى سوريا" ، وبطبيعة الحال هذا إيحاء يرتقي إلى مستوى الإنذار. 

إذاً إسرائيل هذه التي يؤرِقها الانتصار السوري تحاول من خلال هذا العدوان إجبار سوريا على الردّ بشكلٍ مباشرٍ وفي العُمق الإسرائيلي، ولاسيما أن الإسرائيلي كان يعتقد أن قُرب المناطق المُستهدَفة من العاصمة وسقوط مدنيين بينهم أطفال هو استفزاز لا تستطيع دمشق تحمّله، الأمر الذي سيُجبرها على الردّ في العُمق الإسرائيلي بشكلٍ يبرّر لإسرائيل أن تدفع بالأمور نحو التصعيد الذي سيُشعِل المنطقة، ولاسيما بعد أن عجزت عن جرّ الولايات المتحدة الأميركية لشنّ حربٍ على إيران رغم كل التحريض، وخاصة بعد إسقاط طائرة التجسّس الأميركية من قِبَل الدفاعات الجوية الإيرانية، إضافة للأعمال الأمنية التي ضربت منطقة الخليج مؤخراً والتي نعتقد بضلوع يد الموساد فيها بشكلٍ مباشرٍ وذلك لاتِّهام إيران وتبرير العدوان عليها. 

  • أما سوريا التي أدارت هذه الحرب بحنكة مُنقطعة النظير، فهي تُدرِك تماماً الهدف الإسرائيلي، وتُدرِك أن العدو واحد سواء كان الإسرائيلي في الجنوب، أو التركي وعصاباته في الشمال، أو الأميركي وعصاباته في الشرق، كما تُدرِك بأنّ كلّ مترٍ من الأرض يتمّ تحريره سيمتدّ تأثيره من واشنطن إلى تل أبيب مروراً بأوروبا والخليج، وأنّ كلّ صاروخ سوري يجب أن تكون له حساباته الدقيقة، ولذلك تتريَّث في تحرير مدينة إدلب بانتظار أن تتغيّر بعض المُعطيات الإقليمية والعالمية، ومن هنا وبما أن سوريا تُحارِب عدواً واحداً ولو تعدَّدت الجبهات فمن الحكمة ألا تُستدرَج إلى معركة يُحدِّد العدو زمانها ومكانها، مع قرارها الأكيد بأّنها ستخوض كلّ معارك التحرير من الشمال إلى الشرق وصولاً إلى المعركة الرئيسية والأهم في الجنوب مع العدو الإسرائيلي بشكلٍ مباشر، ولكن ذلك بالتوقيت السوري وحسب الظروف السورية.