أحمد الزهاوي

كاتب مصري

ورشة المنامة المال مقابل الإستسلام

تنعقد في هذه الأثناء ورشة المنامة في البحرين بقيادة صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر الذي لا يمتلك أية صفة رسمية في مؤسّسات الدولة الأميركية ، ورغم ذلك يقود المؤتمر وتمّ تحديد شعار تلك الورشة من قِبَل القائمين عليها بالسلام من أجل الازدهار، وهناك ملاحظات عدّة يجب ذِكرها بخصوص مكان عَقْد الورشة و الدول المشاركة فيها وأهداف هذه الورشة من الأساس.

  • ما تُعرَف بصفقة القرن هي تصفية وتدمير كامل لجميع الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني

إختيار البحرين كمكان لعقد الورشة:
لعلّ إختيار دولة البحرين لعَقْدِ تلك الورشة يجعلنا نُدرِك أن السعودية هي مَن تقود هذا المؤتمر و هي أكثر المُتحمّسين له، وهي التي ستدفع أغلب المليارات التي حدَّدها كوشنر في خطّته، ولكن ليس من مصلحة السعودية حالياً تبنّي تدمير القضية الفلسطينية بشكلٍ مباشرٍ وعَلني على الأرض السعودية، فكلما أرادت السعودية أخذ موقف صادِم لشعوب المنطقة ولا تمتلك الشجاعة الكافية لإتخاذه، تفعل ذلك عبر الحكومة البحرينية لجسّ نبض الشعب السعودي وربما الشعوب العربية الأخرى، وفي إثبات ذلك نستطيع سرد عدّة مواقف، عندما قام محور المقاومة بقصف مواقع الجيش الإسرائيلي في الجولان بالصواريخ، أعلنت البحرين أن إيران دولة مُعتدية وأن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، وكان هذا التصريح أول اعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان لأن البحرين تحدّثت وكأن الجولان أرض إسرائيلية وليست أرضاً سورية محتلة إسرائيلياً، وعندما قامت فصائل المقاومة الفلسطينية بإطلاق الصواريخ على المدن الفلسطينية المحتلة أعلنت الحكومة البحرينية مُجدَّداً أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، وأن فصائل المقاومة الفلسطينية تقصف مدن فلسطين المحتلة بأوامر إيرانية، وحتى في الموضوع السوري عندما أرادت السعودية التقارُب مع الدولة السورية، قامت وسائل الإعلام السعودية ببثّ مشاهد المُصافحة الحارّة بين وزير خارجية البحرين والسيّد وليد المعلم والتي يُرجَّح أنها حدثت من جانب وزير الخارجية البحريني بإيعازٍ سعودي. 


 

ماذا تريد ورشة المنامة؟

ورشة المنامة تريد تصفية القضية الفلسطينية والقضاء على جميع حقوق الشعب الفلسطيني عبر إعطاء هذا الشعب مليارات الدولارات، ويا ليت تلك المليارات من خزائن أميركا بل هي من خزائن الرجعية العربية التي نُدرِك كل يوم لماذا حاربت مصر عبد الناصر و تُحارِب إيران الثورة اليوم بهذا الشكل الهيستيري، فتلك الممالك العربية كيانات وظيفية عند المشروع الإمبريالي العالمي، وهذه الورشة تريد تحسين الظروف المعيشية للشعب الفلسطيني مقابل أن يوافق هذا الشعب على استمرار إسرائيل في بناء المستوطنات وقَضْم الأراضي الفلسطينية بالتدرّج، وهَدْم القرى وطرد سكانها التاريخيين منها، و تدمير حق العودة والعمل على توطين دائم و بعيد الأمد للاجئين الفلسطينيين في الخارج، فالأفكار الأميركية الوقِحة هي بدل من الالتزام بما يُعرَف بحل الدولتين الذي ترفضه إسرائيل و ترفض حتى تقديم تنازل شكلي من أجل إنجاحه، و بعد ان أصبح حل الدولتين عقيماً، وإسرائيل غير مُستعدّة لتنفيذ بند واحد منه،  عملت أميركا بدعمٍ مُطلَق من السعودية و الإمارات أن تُبقي الوضع على الأرض الفلسطينية المحتلة كما هو عليه، مقابل أن تحسّن الوضع المعيشي للشعب الفلسطيني، و بالتالي لا يعترض الفلسطينيون بعد أن تتحسّن ظروفهم المعيشية على توسّع إسرائيل الاستيطاني وكل ممارسات إسرائيل، بإختصار أميركا تقول للفلسطينيين نُحسِّن وضعكم المعيشي وتنسون حقوقكم بالكامل و تنصاعون للسياسة الإسرائيلية في بلدكم انصياعاً مطلقاً مقابل مليارات الدولارات التي ستُحسِّن ظروفكم المعيشية، وبخصوص الأموال التي سيضخّها هذا المشروع في بعض البلاد العربية، فتلك الأموال لن تُقدَّم لشعوب هذه الدول بل ستُقدَّم من أجل تحسين أوضاع الفلسطينيين اقتصادياً في تلك الدول، وهذا الأمر له علاقة وثيقة بمشروع نيوم الذي يُلغي الحدود الإقتصادية بين بعض الدول، و الهدف من وراء ذلك إلغاء حق العودة و جعل الفلسطينيين يزدهرون معيشياً في مصر والأردن ولبنان حتى يتنازلوا بمَحْضِ إرادتهم عن طموح العودة إلى فلسطين المحتلة نتيجة ازدهار وضعهم المعيشي في البلاد العربية التي يقيمون فيها، وهكذا يكتمل مشروع أميركا القاضي بتدمير حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهو أمر لطالما أقلق إسرائيل لأنه يُخلّ بالتوازن البشري عددياً داخل فلسطين لمصلحة الفلسطينيين، وهذا ما يُفسّر لنا لماذا تم استهداف المخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان وبعد أن فشل المخطط يتم العمل من أميركا حالياً على تحسين أوضاع الفلسطينيين المعيشية في بعض الدول العربية حتى يتنازل الفلسطينيون عن حلم العودة إلى بلدهم ويبقون في تلك الدول. 

وفي النهاية يجب الإشارة إلى أن ما تُعرَف بصفقة القرن لا تتضمّن حلاً سياسياً نهائياً للقضية الفلسطينية كما يزعم البعض، بل هي تصفية وتدمير كامل لجميع الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني مقابل إمتيازات مالية خادِعة وزائِفة، صفقة القرن هي غطاء أميركي مدعوم من السعودية والإمارات لإسرائيل حتى تقوم بالتهام ما تبقّى من فلسطين المحتلة، ولكن تلك الصفقة لن تنجح و لا نقول ذلك من جانبٍ عاطفي، لكن فشلها محتوم بسبب الإجماع غير المسبوق للقوى السياسية الفلسطينية على رفضها، ولا توجد قوة خارجية قادِرة على إنجاح أمر أصحاب الشأن فيه يرفضونه بشكل كامل، وكما قال الشهيد عمر المختار "إنني أؤمن بحقّي في الحرية و حق بلادي في الحياة وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً