ميشال كلاغاصي

كاتب سوري

قمم مجموعة العشرين ونفاقِ الأغنياء

في عالمٍ هيمن فيه البعض على البعض، وانقسم العالم إلى عالمين، غنيٌ يلتقي ويجتمع لزيادة الغلَّة، وفقيرٍ يدفع ضريبة وحشية وجَشَع الأغنياء، في وقتٍ يتحدَّث فيه البعض عن النتائج الباهِتة لقمّة أوساكا، وسط استغراب البعض الاّخر من الإتفاق على عقد القمّة المقبلة في السعودية، إذ يبدو المشهد مقرؤاً من عنوانه، فلا إقتصاد يُرتجى هناك ولا حريات ولا حقوق المرأة وحقوق الإنسان، في معقل النظام الأكثر إرهاباً حول العالم وبشهادة العالم نفسه، وهو الباحِث عن استقرار النظام العالمي عبر مجموعة العشرين!.

قمم مجموعة العشرين ونفاقِ الأغنياء
قمم مجموعة العشرين ونفاقِ الأغنياء

قمم سنوية تعنى بمناقشة السياسات المالية والاقتصادية، وبمعالجة القضايا والأزمات المختلفة التي تتعرّض لها دول المجموعة والتي تتأثر بها وفقاً لأهدافها، وبما تراعي مصالح دولها، وكافة القضايا التي من شأنها التأثير على استقرار النظام المالي والاقتصادي العالمي بشكلٍ مباشر.
ومجموعة العشرين هي مجموعة من القوى الاقتصادية التي تضمّ أهم الدول الصناعية والناشِئة العشرين والأكبر في العالم، بالإضافة إلى حضورٍ أممي يمثل منظمّاته الدولية كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي، حيث اعتمد الحوار العالمي وسيلةً لمناقشة أهم القضايا السياسة الإقتصادية والمالية بغية الحفاظ على الاستقرار المالي في العالم عن طريق تعميق التعاون والتكاتُف في ما بينها، كما تُعنى بمناقشة المشاكل والمصاعب الإقتصادية والقيام بالإصلاحات الضرورية في النظام المالي العالمي، وإتّخاذ الإجراءات الوقائية لتلافي الأزمات، وتلعب القمم دوراً رئيساً في تخفيف التوتّرات الإقتصادية والسياسية وفي صون النظام التجاري العالمي.
هذه المهام – المُعلَنة - تفرض عليها الاهتمام أيضاً بطيفٍ واسعٍ من العوامِل المؤثّرة والمرتبطة بالنواحي الاقتصادية والسياسية والإجتماعية والإنسانية الناجمة عن النزاعات والصراعات والحروب التي تعاني منها دول المجموعة والدول الأخرى .. بفضل ارتباطها الوثيق بالحركة التجارية والإقتصادية العالمية والتي تتأثّر بنتائجها كالهجرات واللجوء والحاجة الدائمة للمساعدات بكافة أشكالها.
ويبقى السؤال، هل تهتم قمم دول مجموعة العشرين بمصالحها الإقتصادية وبالمسؤولية الإنسانية التي تُلقى على عاتقها بنفس الدرجة ؟ هذا إن كانت تهتمّ بها أصلاً ! ، وهل يهتمّ عالم الأغنياء بعالم الفقراء ،أمْ يكتفي بمعاملتهم على أنهم دول وشعوب مُستهلِكة لمُنتجاتهم ومستوردين لأسلحتهم ، ودمىً على مسارحهم وبأحسن الأحوال زبائن دائمين في متاجرهم.
ومن السذاجة بمكان أن تعتمد الدول من خارج المجموعة على رؤية البنود والمواضيع المختلفة والمُتعلّقة بهم أيضاً مُدرَجة على جدول أعمال القمم، لكن وفي أغلب الأحيان يتم تجاهلها والقفز فوقها، وتكتفي دول القمم بمناقشة مصالحها الخاصة ، وبعَقْدِ اللقاءات الثنائية على هامش القمم ، والتي تحظى وتستحوذ على إهتمامهم بشكلٍ مُطلَق.
ويمكن لمُتابعي هذه القمم ملاحظة اهتمام الإدارات الأميركية المُتعاقبة بها، وبسعيها لعدم تفويت فُرَص فَرْض هيمنتها على دول المجموعة من بوابة القيادة و"تحمّل المسؤولية" ... كما يمكن ملاحظة السلوك الأميركي المُعاكِس تماماً لمفاهيم الحوار والتعاون الدولي وكل ما من شأنه الحفاظ على النظام المالي والإقتصادي والتجاري العالمي ، فقد غدت الحروب التجارية والعقوبات ونَقْض الإتفاقات من طرفٍ واحدٍ ورفع الرسوم الجمركية ، تشكّل استراتيجيةً أساسية واضحة لسياسة الولايات المتحدة الأميركية ، ويُعتَبر سلوك الرئيس دونالد ترامب مثالاً واضحاً .
ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض وضع علامات الإستفهام على نظام السياسة الإقتصادية بإقراره سياسة "أميركا أولاً" والرسوم الجمركية التي فرضها على الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا وتركيا ...إلخ ، والحروب التجارية التي أطلقها وابتعد عن القواعد الجامِعة لمجموعة العشرين والمنظمات الدولية.
فقد تابع العالم منذ أيام انعقاد قمّة دول العشرين في مدينة أوساكا اليابانية... والتي اختتمت أعمالها بعدما هيمنت على اجتماعاتها قضايا حروب التجارة والتوتّر في الخليج وصفقات الأسلحة ، وانشغل قادتها بلقاءاتهم الثنائية بين باحثٍ عن تعزيز نفوذه وصفقاته، وثانٍ أثقلته الحروب التجارية، وثالثٍ هاربٍ من تِهَمٍ بالقتل تلاحقه ، ورابعٍ مُربَك بملفات إنتهاكه حقوق الإنسان، وخامسٍ يبحث عن صفقات السلاح ، وسادسِ يهتم بالشكل وبإلتقاط الصوَر إلى جانب القادة الكبار.
فيما غابت قضايا الفقراء ودولهم ، المُرتبطة بشكلٍ مباشر بالإستقرار العالمي وبنظامه المالي والإقتصادي ، وغُيّبت معها القضايا الإنسانية المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان والمرأة ، وبالقضايا المُحقّة والشرعية للدول والشعوب ، وقضايا من أتعبتهم الضغوط والحروب المُتعدّدة الأشكال التي يشنّها "الكبار" ، ونتائجها الكارثية بفعل الإحتلال والإرهاب وقَضْم الأوطان والإعتراف بها كحقوقٍ للغير ، وعبر الدمار والدماء والهرب واللجوء والجوع وفُقدان الأمن والأمان والأهم فقدان الأوطان .. أية قممٍ وأيّ نظامٍ عالمي مالي وإقتصادي ، وأيّ أغنياء ، وأيّ سراب...
في عالمٍ هيمن فيه البعض على البعض، وانقسم العالم إلى عالمين، غنيٌ يلتقي ويجتمع لزيادة الغلَّة، وفقيرٍ يدفع ضريبة وحشية وجَشَع الأغنياء، في وقتٍ يتحدَّث فيه البعض عن النتائج الباهِتة لقمّة أوساكا، وسط استغراب البعض الاّخر من الإتفاق على عقد القمّة المقبلة في السعودية، إذ يبدو المشهد مقرؤاً من عنوانه، فلا إقتصاد يُرتجى هناك ولا حريات ولا حقوق المرأة وحقوق الإنسان، في معقل النظام الأكثر إرهاباً حول العالم وبشهادة العالم نفسه، وهو الباحِث عن استقرار النظام العالمي عبر مجموعة العشرين!.