حسام بن الأزرق

أكاديمي في كندا ومترجم في قسم اللغات الحديثة

المسلمون في مُقاطعة كيباك الكندية: مأزق العِلمانية والهوية والحريات الدينية

الكيباك الكندية تشن حملة مقاطعة منذ أقرّت حكومتها مؤخّراً قانوناً (Bill 21) يُحظِّرعلى مُعلّمي المدارس وأعوان الشرطة والقُضاة والعديد من العامِلين في القطاع العام؛ ارتداء الرموز الدينية (الصليب والحِجاب والقلنسوة اليهودية وعمامة السيخ).

المسلمون في مُقاطعة كيباك الكندية: مأزق العِلمانية والهوية والحريات الدينية
المسلمون في مُقاطعة كيباك الكندية: مأزق العِلمانية والهوية والحريات الدينية

جدل وانقسام وتصريحات واقتراحات ومحاولات لتدوير الزوايا  لإيجاد مخارج مقبولة، هذه هي حال مقاطعة الكيباك الكندية منذ أقرّت حكومتها مؤخّراً قانوناً (Bill 21) يُحظِّرعلى مُعلّمي المدارس  وأعوان الشرطة والقُضاة والعديد من العامِلين في القطاع العام؛ ارتداء الرموز الدينية (الصليب والحِجاب والقلنسوة اليهودية وعمامة السيخ). وقد أثار ذلك احتجاجاتٍ شديدةٍ على تعرّض الحريات المدنية في المُقاطعة للانتهاك. 

كما قدَّمت بعض منظمات المجتمع المدني مثل رابطة الحريات المدنية الكندية والمجلس الوطني لمُسلمي كندا طعناً لدى المحكمة العُليا لمقاطعة كيباك باعتبار أن هذا القانون يُعتَبر تعدِّياً صارِخاً على الحرية الدينية للأفراد، ويتعارض مع الميثاق الكندي للحقوق والحريات. ومما لا شك فيه أن هذا التشريع لن يُجبِر فقط الناس على التخلّي عن قناعاتهم العميقة وطموحاتهم المهنية، بل سينتهك حرية التديّن والتعبير التي تمثّل أحد أعمدة نموذج التعدّدية الثقافية في كندا.

وأثناء رحلة البحث لتقصِّي الخلفيات التي دفعت صنَّاع السياسة لتمرير قانون قد يُساهِم في التشريع للتمييز والعنصرية ضد الأقليات، فإني خلصت إلى أن الخلاف مُرتِبط أساساً بثلاث مسائل أساسية هي السيادة والهوية الوطنية ومُقارَبة مثيرة للجَدَل وصارِمة لمفهوم اللائكية (العلمانية الفرنسية). ولئن كان واقع المُقاطعة أشدّ تعقيداً فهو مُرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه الجُملة الوارِدة في تقرير بوتشارد تايلور لعام 2008: "ما زال سكان كيباك من أصولٍ فرنسيةٍ كنديةٍ غير مُرتاحين بوضعهم المزدوج كغالبيةٍ في مقاطعة كيباك وأقلّية في كندا".

ولذلك فإن هذه الوضعية المُزدوجة هي التي جعلت من السياسة تجاه الأديان في كيباك وسيلة أخرى لتعزيز السيادة الوطنية.


السيادة بأساليب أخرى

تقتضي السيادة الوطنية ثلاث ركائز: الاقتصادية والسياسية والثقافية. منذ الثورة الهادئة في الستينات والتي تُحيل إلى جملةٍ من التغيّرات الجذرية في كيباك مثل عَلمَنة المجتمع وإنشاء دولة الرفاهية، بُنِيَت هوية المُقاطعة على هذا الثلاثي. وعلى الرغم من الإنجازات التي حقّقتها المُقاطعة في مشروع بناء أمّة مُتمايزة عن باقي كندا، فإن أعمدة السيادة الوطنية تلقّت ضربات وانتكاسات كبرى على مرّ السنين.

فعلى المستوى الاقتصادي، انتهجت المُقاطعة في الستينات  والسبعينات سياسات حمائية، كما اعتمدت استراتيجيات إنمائية تقودها الدولة وتضطلع بموجبها الحكومات بدورٍ محوري. علاوة على ذلك، وقع تأميم الكثير من الشركات  خاصة Hydro-Québec والتي تُعتَبر أكبر مُنتِج للكهرباء في البلاد. لكن مع النصف الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، شَهِدَ الاقتصاد في كيباك تغييرات هيكلية كبيرة. فبالمُوازاة مع انخفاض التعريفات الجمركية واحتدام المُنافسة العالمية دقّت العَولَمة آخر مسمار في نعش هذا المنوال الاقتصادي ومعه السيادة الاقتصادية.

وعلى المستوى السياسي، عُرِفَت كيباك عبر التاريخ الحديث بمُحاولاتها الانفصال عن كندا الأمّ من خلال استفتائي 1980 و 1995 واللذين باءا بالفشل بسبب تأثير المُهاجرين وتصويتهم برفض الانفصال عن كندا. كما أظهر استطلاع رأي أجراه معهدAngus Reid بالشَراكة مع هيئة الإذاعة الكندية في سنة 2016 بأن  ثلاثة أرباع سكان الكيباك يفضّلون بقاء المُقاطعة كجزءٍ من كندا.

وفي أعقاب الضعف الذي ضرب الركنين الأولين ازداد تركيز صنَّاع القرار في المُقاطعة على السيادة الثقافية. ففي استطلاع رأي أجراه معهد Angus Reid في سنة 2013 أفاد 86 في المائة من سكان كيبك بأن "ثقافة الكيبك تحتاج إلى الحماية". وإلى جانب تمرير قوانين لحماية اللغة الفرنسية تُعدّ العلمانية والكاثوليكية من القِيَم الثقافية الأساسية في كيبك.


فَهْم ازدواجية العلمانية والكاثوليكية

يُعَنون الكاتِب الصحافي الكندي كونراد ياكابوسكي أحد مقالاته في جريدة غلوب أند ميل بالقول إن سكان الكيبك "لا يمارسون أية عبادات دينية ولا يؤمنون ومع ذلك هم كاثوليك". وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسّسة Léger Marketing في عام 2008، فإن نسبة الكاثوليك في كيباك والتي يبلغ عددهم حوالى ستة ملايين والذين يحضرون القدّاس أسبوعياً تبلغ الآن 6 في المائة  وهي أدنى نسبة في أيّ مجتمع غربي. ولكن هنا تكمُن المُفارَقة. وفقاً لتعداد أُجرِي سنة 2001 فإن هناك أكثر من 80 في المائة من سكان كيباك لا يزالون يعتبرون أنفسهم كاثوليكاً ومُتمسّكين بالدين كأحد أركان الإرث الثقافي للمُقاطعة وليس الروحاني.

هذه العلمانية الممزوجة بنكهةٍ كاثوليكية (عِلمانية مع تحيّزات كاثوليكية) تعود إلى علاقة مُتقلّبة تاريخياً بين السلطة السياسية  والكنيسة. فمن ناحية، تطوّرت القومية في الكيباك منذ الستينات من خلال الرفض الكامل لسلطة الكنيسة والتي اعتادت أن تكون الجهة الوحيدة تقريباً المُسيطرة على قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الإعلامية. وجنباً إلى جنب مع حكومةٍ مُحافظةٍ بشكلٍ مُتطرّف، منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى خمسيناته، يساعد هذا على تفسير المشاعر الشعبية وراء الرفض الديني. ولذلك يمكن القول إن الكثيرين لم يعقدوا بعد سلامهم مع الماضي. وقد أمسى التشكيك العِلماني في الدين تقليداً محورياً في المُقاطعة. ومن ناحيةٍ أخرى، كانت الكاثوليكية تمثّل دائماً علامة ثقافية مُميّزة تمسّك بها سكان المُقاطعة إلى حدٍ كبيرٍ ضد باقي المُقاطعات الناطِقة بالإنكليزية وذات الأغلبية البروتستانتية. واليوم صارت الكاثوليكية علامة ثقافية في وجه الديانات الجديدة وأبرزها الإسلام.

وقد درست عالِمة الاجتماع الكندية جينيفيف زوبرزيكي هذه الظاهرة في كتابها "قطع رأس القديس: القومية والدين والعلمانية في كيباك" حيث تُحاجِج أن الكاثوليكية لم تعد مُجرّد دين بالتصوّر التقليدي بل حوّلت إلى مُجرَّد إرث ثقافي. وبعبارةٍ أخرى "فإن الرموز والممارسات والقطع التاريخية المُرتبطة بالكاثوليكية وقعت عَلمَنتها  وإعادة إضفاء طابع القداسة عليها كعناصر عِلمانية للأمّة وتاريخها".


الهوية الوطنية في خطر!

عقب وصوله إلى السلطة، أكَّد الوزير الأول الجديد للكيباك فرنسوا لوغو أنه سيتواصل تعليق الصليب في المجلس التشريعي الإقليمي. ويُصرّ الحاكِم الجديد للمُقاطعة على أن الصليب هو ببساطةٍ رمز تاريخي وليس دينياً، وبالتالي فإن وجوده في المجلس التشريعي لا ينتهك شرط حياديّة الدولة في مسألة الدين. ويعتبر ريتشارد مون الأستاذ في جامعة ويندزر الإبقاء على الصليب في المجلس الوطني بمثابة استجابة للقلق والتخوّف العام بشأن الهوية الوطنية. فبالنسبة للكثير من سكان الكيباك يُعزّز الصليب من جديد مفهوم الوحدة الوطنية في سياق محلي وعالمي يتميّز بتغيّراتٍ سكانية كبيرة  وتواصل وفود آلاف المهاجرين إلى كندا. لكن وللأسف، فإن التركيز المُكثّف على الثقافة الوطنية لن يؤدّي فقط إلى إقصاء أو عَزْل مجموعات مختلفة إثنياً أو دينياً عن المشاركة في مختلف مستويات الحياة اليومية، بل سيرسّخ تصوّراً خاطِئاً مفاده أن قِيَم ومُمارسات الجاليات الدينية الأخرى وخاصة المسلمين  تتعارض مع الثقافة المدنية/ العلمانية للمقاطعة. وبذلك يصبح الالتزام بالحياد الديني مُبرّراً وذريعة لاستبعاد بعض أفراد الأقليات وتغذية المخاوِف من الاختلافات الثقافية والدينية. وفي هذا السياق يمكننا استحضار مفهوم "الهويات القاتلة" للكاتب اللبناني أمين معلوف وهو الذي سلَّط الضوء على التداعيات الوخيمة لـ"عَسكَرة" الهوية ولخَّص ذلك في جملةٍ مُحكمةٍ قوامها "إن الهوية صديق مُزيَّف، تبدأ بالكشف عن تطلّع مشروع وتصبح فجأة أداة حرب". ولقد أدّى هذا الهَوَس بحماية الهوية الوطنية لمُقاطعة الكيباك إلى تقوية شوكة الحركات القومية واليمينية المُتطرّفة التي تعتبر المسلمين والمهاجرين تهديداً للهوية المسيحية البيضاء في كيبك وكندا عموماً. ولا تزال أجواء الحزن والألم تُخيِّم إلى اليوم على الذكرى الثانية للهجوم الإرهابي الذي استهدف أحد مساجد مدينة كيبك في عام 2017  وأسفر عن مقتل ستة مُصلّين وإصابة العشرات.

لقد أصاب المُفكّر الجزائري محمّد أركون عندما وَصَف العلمانية الفرنسية بـ"العلمانوية" والطوباوية لأنها لم تحقّق أهم أهدافها المُتمثّلة في حرّية المُعتَقد من جهة والمساواة بين جميع الأفراد بغضّ النّظر عن الديانة التي يعتنقونها من جهةٍ أخرى، وبالتالي فهي علمانية مُغلقة مُصابة بالغلوّ بدليل أنها لا تتعامل مع جميع الأديان بالطريقة نفسها.  فالإسلام بالنسبة إليها مُقارنة بالأديان الأخرى يمثل خطراً على كيانها ووجودها، مما يفسّر سبب اضطهادها للمسلمين ومنعهم من ممارسة بعض طقوسهم الدينية، وهي بذلك تُخالف العلمانية الحقّة القائمة على المساواة بين مختلف الأفراد في الحقوق والواجبات بغضّ النظر عن مُعتقداتهم وتوجّهاتهم الدينية.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً