التنمية وحل الأزمة في الأردن

الأزمة في الدولة الأردنية تكمُن في البنية الاستهلاكية للمجتمع فيها، فأية دولة وأيّ مجتمع في العالم يعتمد في تسيير أموره على المِنَح والمُساعدات الخارجية، سيخضع قراره بالمُحصِّلة لإرادة ومصالح المانِح والمُتبرِّع

التنمية وحل الأزمة في الأردن
التنمية وحل الأزمة في الأردن

يُعتَبر الأردن دولة وظيفية تابِعة غير مُنتِجة وحلقة ضعيفة من حلقات الأزمة الرأسمالية العالمية، دولة تعتمد في إدارة شؤونها على المساعدات الخارجية والمِنَح والقروض المُيسَّرة، ويدخل المجتمع الأردني والدولة الأردنية الآن في أزمة غير قابلة للحل بالأدوات المُستخدَمة حالياً، كما وتعجز القيادة السياسية والاقتصادية الحاكِمة عن تقديم حلول لها، وبذلك تتعمَّق وتتمدَّد هذه الأزمة لتشمل كافة مناحي الحياة، وتعمل الدولة فقط على اتّباع سياسة المُراوَغة والتحايُل من أجل تنفيس واحتواء حراك الشارع.  

الأزمة في الدولة الأردنية تكمُن في البنية الاستهلاكية للمجتمع فيها، فأية دولة وأيّ مجتمع في العالم يعتمد في تسيير أموره على المِنَح والمُساعدات الخارجية، سيخضع قراره بالمُحصِّلة لإرادة ومصالح المانِح والمُتبرِّع، طبعاً قد تعتمد بعض الدول وبعض المجتمعات على المِنَح والمساعدات الخارجية في إدارة بعض شؤونها، ولكن يكون ذلك لفترةٍ محدودةٍ ولظروفٍ قاهِرة، وليس بشكلٍ دائمٍ ومستمرٍ وفي كافة المجالات. 

هذا ويجب أن يعي الجميع أن شروط الخروج من هذه الأزمة مُتاحة، فالأردن ليس بحاجةٍ لهذه المِنَح والمُساعدات بشكلٍ دائمٍ ومستمرٍ، حيث أن هناك ثروات طبيعية هائِلة تكمُن تحت سطح الأراضي الأردنية وفوقها، والدراسات العلمية التي تُثبِت ذلك موجودة في مؤسّسات العمل الرسمي وغير الرسمي المُختصَّة، والثروات الطبيعية المُحتَجزة تحت سطح الأرض الأردنية متنوَّعة وتشمل الفوسفات، البوتاس، الصخر الزيتي، اليورانيوم، أملاح البحر الميت، الصخور الصناعية، الرمل الزجاجي وغيرها، وتُقدَّر بكمياتٍ هائلةٍ كما أثبتت الدراسات المُبكِرة منذ بدء البحث والتنقيب عنها عام 1847م، إضافة إلى توافر رؤوس أموال وطنية كبيرة مُتاحة ولكنها مُعطَّلة، وهي رؤوس الأموال المُعطَّلة في البنوك والمؤسَّسات المصرفية وفي صناديق التقاعُد الرسمية والشعبية، وفي صناديق الضمان الاجتماعي والنقابات العمالية والمهنية، والجمعيات والمُدخّرات الفردية والعائلية، وفي عقارات غير مُنتِجة وفي السوق المالي المُضارِب، والتي هي كفيلة بتنمية قطاعات الإنتاج الوطني تحت إشراف الكفاءات والخبرات والأيدي العامِلة الأردنية المشهود لها.

كما أن خطط ومشاريع الحلول للخروج من هذه الأزمة، يجب أن تركّز على مُعالجة العلَّة والسبب وليس مُعالجة الظواهِر فقط، والتي بدورها تتطلَّب صوغ مشروع وطني حقيقي تتوافق علية الشرائح الكادِحة والمُنتِجة، بحيث يتضمَّن آليات الخروج من هذه الأزمة الممتدّة والمُتعمِّقة، والذي يكمُن في تغيير النهج القائِم، وكَسْرِ التبعيّة للخارج، وتحرير الإرادة الوطنية، وتحرير الثروات الطبيعية والمُقدَّرات الوطنية المُحتَجزة، وإنفاذ تنمية حقيقية مُتمحِورة حول الذات الوطنية، وصوغ خطط تنموية وطنية تضمن بناء قطاعات وطنية مُنتِجة، وإعادة بناء النقابات العمالية والمهنية، ومنظمات المجتمع الوطني والجمعيات الإنتاجية والخيرية، بمعنى آخر مُمثّلين عن كافة الشرائح الوطنية وضمان انخراطها في صوغ خطط التنمية الوطنية الحقيقية، أيّ دولة وطنية مُنتِجة ومجتمع مُنتِج.

طبعاً وفي ظلّ هذا السياق يجب على مؤسّسات الثقافة ووسائل الإعلام (الرسمية والشعبية) أن تقوم بدورها على أُسُسٍ وطنيةٍ، وذلك من أجل تعميم الحوار حول خطط التنمية الوطنية والمحلية، وخَلْق حوارات مُنتِجة، والمُساهمة في تعميم ثقافة الإنتاج، وبناء ثقافة وطنية تقدّمية مُنتِجة ومُحارِبة لثقافة الاستهلاك، وتعميم القِيَم الإنسانية النبيلة ومُحاربة الفكر الظلامي التكفيري الهدَّام وثقافة التغريب.

لكن للأسف النَهْج المُتَّبع الآن هو الاعتماد على المِنَح والمُساعدات الخارجية كطريقٍ لإدارة شؤون الدولة والمجتمع، ما أدَّى إلى حَجْز التطوّر الطبيعي للمجتمع الأردني، وحَجْز تطوّر قوى الإنتاج الوطني فيه، وكان من تداعيات تطبيقه، القضاء على القطاعات المُنتِجة لصالح القطاعات المُستهلِكة، حيث تمّ تدمير القطاع الحيواني وقطاع الزراعة، وتهميش الصناعات الثقيلة والتحويلية، وحَجْز استثمار الثروات الطبيعية الهائِلة.

الأردن يحتاج إلى منظومةٍ مُتكامِلةٍ تخدم عملية إدارة الدولة والمجتمع، وذلك من أجل تحقيق التنمية في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية والسياسية، ومن أجل تحقيق تطوّر وازدهار ورقيّ وسعادة أفراده كافة، لكن ما يُعيق ذلك هو غياب الإرادة الوطنية لدى القيادات والمسؤولين في هذا البلد للتحرّر من نَهْجِ التبعيّة القائم الآن، إضافة إلى غياب الوعي الحقيقي للقوى السياسية والاجتماعية والنُخَب في المجتمع، حيث أن الثروات الطبيعية والمُقدَّرات الوطنية والكفاءات والخبرات والأموال عملياً وفعلياً متوافرة، والتغيير يجب أن يكون بإجراء إصلاحاتٍ على النظام القائِم، وذلك لتحقيق الديمقراطية البرلمانية (أحزاب)، وتحرير الإرادة السياسية بقرارٍ وطني مُستقل، وبناء اقتصاد وطني وكَسْر التبعية، وتحرير الثروات الطبيعية والمُقدَّرات الوطنية، وتحقيق تنمية وطنية مُتمحوِرة حول الذات الوطنية.

المطلوب هو مُعالجة جذرية للأزمة ونهجها، واتّباع التنمية كنهجٍ جديدٍ يعتمد التخطيط الاستراتيجي للارتقاء بالمجتمع والدولة من خلال تعزيز دور القطاعات المُنتِجة، التي تشكِّل ركيزة بناء الاقتصاد الوطني المُستقل، وركيزة الدولة المُنتِجة المُستقلّة والمجتمع المُنتِج المُنتمي بدل المجتمع المُستهلِك، ويكون ذلك باتّباع خيار التنمية بديلاً عن النمو، لأن النمو يبحث ويعتمد على الاستثمارات الخارجية، التي هي رؤوس أموال تبحث عن الربح، والربح وحده مُقدَّس لديها، ولا تهتمّ بتنمية المجتمعات التي تدخل سوقها، بل تمتصّ رؤوس الأموال الوطنية، وترحل تاركة وراءها الخراب والدمار والجوع والفقر والعَوَز، وذلك لأن الاستثمار في القطاعات المُنتِجة له مردود طويل الأمد، وهي تبحث عن تعظيم أرباحها السريع وغير مُستعدَّة للاستثمار في هذه القطاعات.

التنمية تخدم بالأساس الشرائح الوطنية الكادِحة والمُنتِجة (الدولة)، وهي بذلك تمثّل مشروع بناء دولة ناجِز الاستقلال ومجتمع مُزدَهِر مُعافى، حيث يوجّه رأس المال الوطني نحو بناء القطاعات المُنتِجة (الصناعة والزراعة والسياحة)، وإلى عملية تحويل الثروات الطبيعية والمُقدَّرات والمُدخَّرات الوطنية إلى خيراتٍ ماديةٍ وروحيةٍ بواسطة القوى المُنتِجة، حيث توجّه التنمية من أجل تنمية قوى الإنتاج الوطني وتحقيق الاستقلال الناجِز ولصالح المجتمع، ومن أجل تحقيق التقدّم والرَفاه والمُعافاة والسعادة والرقيّ والأمن الاجتماعي والنفسي لأفراد المجتمع وكافة شرائحه الكادحة والمُنتِجة.

لكن للأسف القيادة السياسية والاقتصادية ما زالت تتمسَّك باستجداء المُساعدات والمِنَح والقروض، وتتعمّد رَفْع الضرائب وتوسيع مروحة دافعيها، وترى فيها طريقاً للخروج من هذه الأزمة البنيوية، على الرغم من أن ما نتج من هذا النهج هو أن أصبحت الدولة ومؤسّساتها المُشغّل الرئيس للقوى العامِلة في المجتمع، وبذلك تمّ ربط المجتمع بكلّه وعلى كافة الصُعد، الاقتصادية، الاجتماعية، التعليمية، الثقافية والسياسية، بمؤسّسات الدولة البيروقراطية ورجالاتها، فدخلت البلاد في حالٍ من الفوضى، ودخل الاقتصاد مرحلة كَساد، فتنامت مُعدّلات الفقر والبطالة، وتلاشت الخدمات المجتمعية، وزاد السَخْط العام، وتولَّدت حراكات اجتماعية مُتعدِّدة الأنماط، حراكات مطلبية وحركات سياسية اتّخذت للمرة الأولى شعارات تغيير النهج وكَسْر التبعية وتغيير سِمة الدولة الاستهلاكية لصالح دولة الإنتاج.

الأزمة في الأردن هي في الواقع أزمة بنيوية الدولة والمجتمع، أزمة نَهْج وأزمة خيار، ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة المُستعصية إلا من خلال تغيير النَهْج وعلى كافة المستويات، حيث أن الخروج من الأزمة يتطلَّب صوغ مشروع ينطلق من تشخيص الواقع القائِم بالفعل وبالحقيقة الموضوعية، وذلك من أجل كَسْر التبعية وإنفاذ التنمية المُتمحوِرة حول الذات الوطنية، اللتان تشكّلان ركيزتان أساسيتان في مشروع النضال للتحرّر من الهيمنة.