غسان الاستانبولي

كاتب وباحث سوري

كيف ستقترع إيران في الانتخابات الأميركية القادمة؟

وبالتأكيد فإن إيران ستكون الدولة الثالثة التي استجلبها "ترامب" لتكون عامِلاً فاعِلاً في هذه الانتخابات من خلال سياسته الفاشِلة إزاء الملف الإيراني، والتي ستنعكس حتماً على سِمعة الولايات المتحدة وربّما على الحال المعيشيّة والماديّة للمواطن الأميركي إن تدحرجت الخطوات بشكلٍ يؤدّي إلى رَفْعِ سعر النفط في الأسواق العالمية.

  • الصورة من انتخابات أميركا الرئاسية عام 2016 (أ ف ب)

كثيرة هي الأطراف التي استجلبتها السياسة الخارجية الأميركية لتكون عاملاً مؤثراً في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة، وخاصّة سياسة العقوبات الاقتصادية التي أوغَل الرئيس الأميركي" دونالد ترامب" في ممارستها، لاسيما العقوبات التي فرضها على كلٍّ من روسيا والصين والتي سيكون لردّهما بالمثل التأثيرالذي لا يُستهان به على الناخب الأميركي الذي سيتأثّر بالعقوبات المُضادّة التي فرضتها كلتا الدولتين.

وبالتأكيد فإن إيران ستكون الدولة الثالثة التي استجلبها "ترامب" لتكون عامِلاً فاعِلاً في هذه الانتخابات من خلال سياسته الفاشِلة إزاء الملف الإيراني، والتي ستنعكس حتماً على سِمعة الولايات المتحدة وربّما على الحال المعيشيّة والماديّة للمواطن الأميركي إن تدحرجت الخطوات بشكلٍ يؤدّي إلى رَفْعِ سعر النفط في الأسواق العالمية.

قد يبدو للبعض بأننا نُجافي الواقعية وأننا نعطي إيران دوراً لا تستحقه من خلال المُقارنة بين دولة عُظمى بكلّ المقاييس وبين إيران التي تُعتَبر دولة محدودة الإمكانيات مُقارَنة بالإمكانيات الأميركية، ولاسيما أنها ما زالت تُصنَّف على أنها ليست إلا دولة نامية من دول العالم الثالث، وأن تأثيرها في السياسات العالمية لا يمكن مُقارنته بالتأثير الأميركي.

ولكن ما يجعل رأينا يقترب من الواقعية هو المتابعة الدقيقة لمُجريات الأحداث منذ الانسحاب الأميركي من معاهدة الاتفاق النووي التي وقّعتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الأوروبيون مع إيران.

لو تأمّلنا بالأسباب التي دفعت بالرئيس الأميركي للانسحاب من هذا الاتفاق لما وجدنا سبباً وجيهاً سوى نظرة "ترامب " العنصرية لسلفه "باراك أوباما"،  ونعتقد أن "ترامب " لا يُمانِع باتفاقٍ آخر مع تعديلٍ طفيفٍ يحفظ ماء الوجه ليوافق عليه، وهمّه الأكبر وربّما الأوحد هو حَذْف إسم "أوباما " ليكون إسم "ترامب " هو البديل، ولكن كيف سارت الأمور حتى الآن؟. 

عندما أقدم الرئيس الأميركي على الانسحاب من الاتفاق النووي وضعت إيران الحلول والردود المُناسبة لكافّة الخيارات التي قد تُقدِم عليها الإدارة الأميركية، بما فيها الخيار العسكري الذي مازال هو أبعد هذه الخيارات وذلك لعدَّة أسباب: 

  • قرار الحرب ليس قرار "ترامب " أو مَن يُحرِّضه، بل هو قرار البنتاغون الذي أعلن في أكثر من مناسبة بأن الحرب مع إيران ستكون مُدمِّرة، وبأنها لو حدثت ستكون فوق القدرة الأميركية على تحمّل تبعاتها. 

الرئيس الأميركي الحالي هو رجل مال وتجارة وليس رجل حرب، وقد أعلن في أكثر من مناسبةـ خاصة أثناء حملته الانتخابيةـ بأنه سيُعيد كل الجنود الأميركيين إلى بلدهم، ولعلّ هذه الفجوة بين الرغبات وبين الواقع جعلته يتخبَّط في تصريحاته، من استعداده لتدمير إيران إلى طلب الحوار مع القيادة الإيرانية وإرسال الرسائل بمختلف اللغات، ولكن القرار الإيراني بالردّ على تلك الرسائل والمُرسلين لن يكون قبل الانتخابات الأميركية المقبلة. 

  • أيّة حرب ولو كانت محدودة وما سيتبعها من اهتزازاتٍ ماليةٍ واقتصاديةٍ في الداخل الأميركي ستُطيح بآمال "ترامب " في الفوز بكرسي الرئاسة لمرحلةٍ ثانية. 
  • القرار الحاسِم والعَلَني لقادة محور المقاومة الذي يؤكِّد بأن إيران لن تكون وحدها في أيّة مواجهة مُسلّحة، وأن إسرائيل بالكامل ستكون ضمن دائرة النار. 
  • والسبب الأهم هو إدراك القادة الإسرائيليين بأن كل كيانهم سيكون هدفاً في أيّة مواجهة عسكرية، وهذا ما سيجعل وجود هذا الكيان في خطرٍ داهِم، ولذلك رأينا رئيس الوزراء الإسرائيلي يُسارِع لكي يطلب من الرئيس الأميركي عدم الردّ على إسقاط إيران طائرة التجسّس الأميركية. 

وبما أن خيار المواجهة العسكرية هو خيار مُستبعَد لجأت إيران وبمهارةٍ فائقةٍ إلى سياسة اللعب على حافَّة الهاوية، لذلك نراها تردّ على كل خطوةٍ تصعيديةٍ بمثلها حيناً كما حدث في احتجاز ناقلة النفط البريطانية، وبأكثر منها أحياناً كما حدث في إسقاط الطائرة الأميركية، وذلك في محاولاتٍ ناجحةٍ حتى الآن لكي تُظهر بأن النمر الأميركي في المنطقة ليس إلا نمراً من ورَقٍ، وكذلك لكي تضع حدّاً للتخاذُل والتأرجح الأوروبي حيال الاتفاق النووي. 

ونحن هنا لا ننكر أن الاقتصاد الإيراني قد تأثّر بالعقوبات المفروضة، ولكن لإيران خبرات ناجِحة في تجاوز هكذا أزمات، وخاصة في هذا الوقت ومع وجود أصدقاء أقوياء يمكن الاعتماد عليهم مثل روسيا والصين، والمُلفت أن هذه الخبرات مازالت تتحدَّى وتبتكر، ولذلك نسمع التصريحات الإيرانية عالية المستوى، كأن يقول أحد المسؤولين الإيرانيين بأن" تصدير النفط عبر مضيق هرمز إمّا أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد"، كذلك تفتيش السفن التي تعبر المضيق، إضافة إلى مشروع القانون المرفوع إلى مجلس الشورى الإسلامي والذي سيتم بموجبه فرض رسوم على كل السفن التي ستعبر المضيق، وغير ذلك من إجراءات..  ولعلّ قمّة التحدّي هما أمران: 

أولهما هو طريقة توقيف ناقلة النفط البريطانية التي تم توقيفها بإنزال جوي وتحت أنظار البوارج الحربية الأميركية والبريطانية. 

وثانيهما هو رفض إيران للمُقترَح الروسي الذي تسلّمته، والذي يقول بأن روسيا مُستعدِّة لأن تسوِّق باسمها كل ما تنتجه إيران من نفط، وما رَفْض هذا المقترح إلا الدليل الصارِخ على الثقة الإيرانية بأن يدها هي العُليا، وأنها تمتلك من القدرات ما يكفي لكي تربح هذه الجولة من التصعيد. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً