نجود حسين

كاتبة من سوريا

نَعي لمُنتهي الصلاحية

أدعوكم إلى تشييعي، وأنا لست بشهيد ولا بمقتول ولا حتى متوفى.

نَعي لمُنتهي الصلاحية
نَعي لمُنتهي الصلاحية

أبلغكم أنني تعدّيت الخامسة والثلاثين من زمن أرخته دائرة السجل المدني، أما دائرة الكرة الأرضية، فقد اعتبرتني فرداً من مليارات كثيرة فما هَم .. إن استباحتني دائرة القتل أو دائرة الفقر أو دائرة اليأس أم دائرة القهر.

دائرة رأسي، رفضت كونها مُضافاً إليه في جملةٍ إسمية، وأصرّت أن يفعل الفعل بمفعول مُطلق مؤكّد من شهادات جامعية، ودبلومات، ولغات، وعلوم الحاسوب، وعشرات من كتب الفكر والثقافة والفلسفة والعلوم.. وإلى ما هنالك مما لا يسمن ولا يغْني.

وتبعاً لحديث الرسول (ص): "لاعب ولدك سبعاً، وعلّمه سبعاً، وراقبه سبعاُ، ثم دع له الحبل على الغارب". ضِف إلى ما سبق أيضاً سبعاً أخرى لإنهاء التعليم العالي، وضِف ما لا يُعدّ من سنوات تضيع في انتظار فُرِص عمل لا تحصدها لأسبابٍ شتى، إلى أن .. تعدّيت وأصدقائي الخامسة والثلاثين من السنين.

هنا نصل إلى دائرة تشغيل الشباب التي اعتبرتني شيئاً مُنتهي الصلاحية بعد سن الخامسة والثلاثين.

فقل لي: يرعاك الله، ما أفعل بهذا العقل المُثقل بكل ما هو عاقِل ورصين بعدما مرّ السن القانوني لدائرة تشغيل الشباب، التي - باعتبارها – أصبحت خارجها.

ولأني درست الكيمياء أحيطكم عِلماً، بأن صناعة العقاقير والأغذية والكنسروة وما يُشاكلها تسجّل على غلاف المنتج تاريخ انتهاء الصلاحية الذي يسبق انتهاء استخدامها الفعلي بستة أشهر، أي فترة صلاحية كامنة. ومثلها تخزن أشجار أخرى لحاءها كي يغدو الخشب أكثر قيمة. ونحن نعتزّ بالغابات المُعِمرّة والحيوانات المُعِمرّة والأبنية المُعِمّرة .. وفقط.

سيّداتي، سادتي:

تقضي دائرة التموين بإتلاف ما انتهت مدة استخدامه، كما تقضي دائرة التوثيق بإعدام كل الملفات التي لا حاجة إليها، كذلك تقضي دائرة تشغيل الشباب باعتباري غير ذي جدوى.

لذا: أدعوكم إلى تشييعي، وأنا لست بشهيد ولا بمقتول ولا حتى متوفى، وذلك بعد صلاة الاستغفار لنا ولكم وللأحياء منا والأموات، في أي يوم تشاؤون، والشهر الذي ترغبون.. لا يهمّ العام بعد الخامس والثلاثين.

ملاحظة: التشييع فرض عين وتقبّل التعازي بالشكل الذي ترتأون.

وختاماً عليكم السلام.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً