زينب حمود

كاتبة من لبنان

"لكم لبنانكم ولي لبناني"

إلى كل المتشائمين: لكم لبنانكم ولي لبناني.

أن نُضيء شمعة خير من أن نلعن الظلام، والأكثر خيراً أن نُطفئ التلفاز ونعود إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية، عندما كنا نرى الواقع بأمّ العين لا من شاشات "الفبركة". عندها فقط سنخلع السواد، ونوقف الرثاء، ونحيي لبنان المدفون تحت ركام النفايات. سنصدم في البداية لأننا كنا ضريرين، لا بأس، المهم أننا سنؤمن في ما بعد أن لبنان رغم علاّته البيئية قادر على المنافسة سياحياً.                                        

يحتاج لبنان اليوم، أكثر من أيّ يوم مضى، إلى عائدات السياحة، لا سيما السياحة البيئية المطلوبة عالمياً. ومع ذلك يميل الإعلام الأجنبي منه واللبناني إلى بتر ذراع الإقتصاد المتينة في هذا البلد المُتهاوي اقتصادياً. فعلى الرغم من توافر مقوّمات السياحة البيئية، من عوامل طبيعية أيكولوجية ومناخية وثقافية، في بلد لا تتعدّى مساحته ال 10452 كلم2. لقد آمنّا نحن اللبنانيون قبل الغرباء أنه لم يبق من لبنان سوى جيفة نتنة، تقتلنا رائحتها الكريهة بعدما أخذ موت لبنان الجميل بعد الجريمة.                                               

ما كان أعظم جرمنا عندما قتلنا بيئة لبنان الخضراء! تعدّينا على الطبيعة. وسلبنا الإنسان صحته. وقطعنا شريان لبنان الحيوي المُتمثّل بالسياحة. فألف رحمة على السياحة البيئية بعدما زيَّنت أكياس القمامة شواطئ بيروت، وبعدما غصّ الليطاني بالنفايات، وقضمت المقالع الجبال، وقطعت الأيادي الأشجار، واشتعلت الحرائق في الغابات والوديان. إلى السياح في لبنان والعالم: لا تقربوا لبنان بعدما خيَّم التلوّث على برّه وبحره وجوّه، حتى صارت بيئته عصيّة على الحياة قبل أن تكون صالحة للسياحة.                                                        

هذه صورة مُصغَّرة من لوحة "لبنان القذِر" التي تتفنّن ماكينات الإعلام في خطّها. تستمر بتضخيم أزمة النفايات ونستمر بالتصديق، وكأن الإعلام كالأنبياء دائماً على حق. نصدّق "سي أن أن" مثلاً عندما وصفت رائحة البحر - كل البحر - برائحة المراحيض. تماماً كما صدّقنا إعلامنا المحلي عندما حذَّر من خطورة السباحة في بحر لبنان الملوّث - كل البحر. لقد بات الإعلام عبئاً على السياحة البيئية، التي ما ضرّها التلوّث بقدر ما ضرّتها الفبركات والشائعات.                                                                                    

صحيح أن لبنان يئّن من جرح التلوّث الذي أصابه، ومن واجب الإعلام أن يحكي عن جراحه ويبحث له عن علاج. أحد لا يسأل الإعلام أن يتجاهل قضايا البيئة المصيرية. لكن إذا كان الإعلام يحمل لواء حماية سلامة الدولة البيئية، ما الذي يمنعه من أن يحمل - بيده الثانية - لواء حماية سلامة الدولة الإقتصادية؟ لِمَ لا يسلّط الضوء على ما تبقّى من جمال ومساحات لم تطأها أيدي الملوّثين؟ علّه بذلك يحميها ويحمي السياحة في لبنان.

مشكلتنا مع الإعلام أنه، اللّهم إذا ما كان صادقاً في تغطية التلوّث والتشويه، يؤطّر الواقع اللبناني، فيسلّط المِجهر على القبيح منه ويتجاهل جمالياته، عن قَصْد أو عن غير قَصْد، عن حماسة وحرقة أم عن سبق صحفي ومصالح، لا يهم. المهم هو خطورة هذه التغطية الإعلامية. لن نعاتب الإعلام الأجنبي، بل اللوم على إعلامنا الذي رسم خريطة لبنان الجديدة المبتورة المعالم السياحية.

لن نستفيض في الحديث عن لبنان الأسود الشهير. سألبّي طلب فيروز عندما غنّت "احكيلي عن بلدي"، وسأحكي عن ذلك المنسي، عن  "بلدي لبنان". سأحكي للناس عن جنّة بعقلين الرابضة على أرض الشوف رغم أنوف الملوّثين. سأدعوهم إلى لوحة فنية مرسومة بأنامل طبيعية إسمها "الشلالات الزرقاء". سأتغزّل بوادي قنوّبين المُندرِج على لائحة التراث العالمي لغناه الطبيعي والثقافي، ولترتمِ الشلالات على انحداراته الصخرية خجلاً.

إلى كل المتشائمين: لكم لبنانكم ولي لبناني. نعم، سأقف إلى جانبكم. سأتحسّر معكم لرؤية الكسّارات على حدود عكار- الهرمل. لكنني سأعود لأنحني أمام أشجار شاهقة في غابة العذر الذهبية، أيقونة عكار المُتألّقة. وسأشارككم النحيب على وديان تحترق في بداية كل صيف. لكنني سأغنّي بعدها في "بالوع بلعا"، مفخرة البترون، وأنا أعبر الوادي مأخوذة بالمنحوتات الفريدة على صخوره. سأصير شاعرة في وصف شوان، جنة كسروان، المُتأهّبة دائماً لاستضافة محبّي المشي والتخييم والسباحة. وأما حبيبتي المنسية بعدران، فسلامي على صخورها وغاباتها وأحراجها ومعالمها التراثية والأثرية.

سأواجه السلبيين الذين يندبون فُقدان لبنان لمقوّمات السياحة البيئية بأوراق الضنية. سأدعوعهم إلى القرنة السوداء أعلى قمّة في الشرق الأوسط، إلى أكبر غابة للزاب والأرز في لبنان، إلى تأمّل مجموعة نادرة من الطيور والنباتات البرية. السياحة البيئية بألف خير ما دامت في لبنان محميات طبيعية غنية بالتنوّع البيولوجي كمحميّة أرز الشوف ومحميّة عميّق وإهدن... مشكلتنا أننا نشاهد التلفاز. فتعلّمنا أن ننظر إلى القسم الفارِغ لا الملآن من الكوب، حتى فقدنا الأمل بإضاءة الجانب المظلم من لبنان. هل غرق "الميؤوس منه" لدرجة استحالة انتشاله من براثن التلوّث؟ ها هي اليابان أصيبت بقنبلتين نوويتين، لكنها انتفضت من تحت الركام لتصبح من أقوى الدول إقتصادياً وتكنولوجياً.

فلينتفض لبنان - بما لديه - كطائر الفينيق، وليربط الاستثمار مع حماية البيئة بدعم السياحة البيئية. وهذا يتطلّب خطوة جريئة مفادها التخطيط والإدارة والحماية للموارد الطبيعية، والأهم هو التمويل لقطاع مُنتِج. لكن ذلك كله لا نفع منه ما دام السائح اللبناني ينفق ماله خارج بلده، لأنه لا يؤمن أن لبنان جدير لأن يمارس فيه سياحة داخلية. ننتظر من الإعلام أن ينصف "بلدي لبنان"، وأن يكون زيناً له لا شيناً عليه بالترويج لسياحته البيئية، بالتوازي مع التحذير من مخاطر التلوّث. أما إذا استمر الإعلام بتشويه صورة لبنان، فإن السياحة البيئية ستبقى منسيّة حتى نُطفئ التلفاز!

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]