إسماعيل مكارم

شاعر وأستاذ جامعي سوري مقيم في روسيا

يحتفل الروس بمولده سنوياً.. هل تعرفون "شاعر الريف الحزين"؟

يحتفل الروس سنوياً بذكرى مولده. إليكم نبذة عن سيرغي يسينين الذي لقّب بــ "شاعر الريف الحزين".

احتلّ الأدب الروسي مكانته العالمية لدى القرَّاء منذ زمنٍ طويل. فقد عرف القارئ العربي مثلاً ليو تولستوي في (الحرب والسلام) و(آنّا كارينينا). وكذلك قصص ومسرحيات أنطون تشيخوف، ثم أول رواية شيوعية (الأمّ) لمكسيم غوركي، وغيرهم من الأدباء والشعراء. لكننا اليوم سنتوقّف عند واحدٍ من أشهر الشعراء الروس، سيرغي يسينين.

لا نُجانِب الصواب عندما نقول إن شخصاً مثل ألكسندر بوشكين قد بلغ في القرن التاسع عشر قمّة الأدب الروسي ولا يزال علامة مُميَّزة في الأدب العالمي. هذا ما يمكننا قوله أيضاً وبجرأة عن سيرغي يسينين الذي تُمثّل أشعاره ذروة الأدب الروسي في القرن العشرين.

فقد كان نتاجه، خاصة الشعر، تصويراً للشخصية الروسية، حيث استند إلى الإرث الروحي للشعب الروسي من تقاليد وطقوس عقدية ودينية واجتماعية. كما عكس شعره الوعي القومي في بلاده.

نجح يسينين الذي رَحَل مُبكِراً (1895 – 1925) في استكمال التقاليد الفنية والنظرية والجمالية التي أسَّس لها ممثلو النهج الواقعي في الأدب الروسي، بدءاً من بوشكين وصولاً إلى غوغول ثم دوستويفسكي وغيرهم.

عندما بلغ سيرغي يسينين المولود في قرية نائية تُدعى كونستانتينوفو حتى استحقّ لقب (شاعر الريف الروسي الحزين)، عندما بلغ الثانية من عُمره انتقل الى عهدة جدّه لأمّه ليعيش في كنفه مع أخواله الشباب. وبرفقة أخواله ترعرع وكبر حتى بلغ سن الرشد. كان سيرغي حفيداً محبوباً من قِبَل جدّته، التي قصَّت عليه الحكايات الشعبية حتى أدخلت إلى قلبه حبّ الاطّلاع والقراءة. تعلّم يسينين في مدرسة إعداد المعلمين التابعة للكنيسة الروسية، وهي متوسّطة يمكن للطالب أن ينتقل بعدها إلى موسكو وينتسب إلى دار المعلمين، لكن بحسب ما قاله يسينين نفسه: "من حُسن الحظ أن ذلك لم يحصل".

لكن بقي يسينين مولَعاً بالقراءة وسَماع الحكايات الشعبية، وكانت أولى محاولاته الشعرية في سن التاسعة، لكن يُقرّ بأن كتابته "المُتّزنة" للشعر بدأت وقد أصبح شاباً. وقد استغرب يسينين لماذا لم تجد أشعاره الصدى المطلوب في الوسط الأدبي في العاصمة سان بطرسبورغ، إذ أنه كان قد أرسل بعضاً منها الى المجلات التي تهتمّ بالشعر والشعراء. ولم يحظ بالاستقبال الحار إلا بعد سفره إلى سان بطرسبورغ، وتعرّفه إلى شعراء معروفين حينذاك مثل بلوك وكلويف وبيلي، الذين شجّعوه ورحّبوا بوجوده بينهم.

في العام 1919 أصدر عدد من الشعراء ومنهم يسينين مانيفيست عن المدرسة الإيمانيجيزمية وأرادوا منها وضع أسس فكرية وفنية وفلسفية لقول الشعر. ولكن تلك المدرسة ما لبثت أن ماتت، وكان أحد أسباب ذلك ترك يسينين لتلك المدرسة بُعد أتباعها عن حب الوطن.

من تصريحات الشاعر المعروفة أنه لو قُدِّر له أن يبدأ حياته من جديد لما قام بكتابة بعض أشعاره وقصائده، الا أن تلك القصائد كانت لها أهمية خاصة في صيرورته كشاعرٍ وإنسان، ومنها قوله "في أيام الثورة كنت إلى جانب الثورة بكل جوارحي ولكن استقبالي وفَهْمي للثورة كان بمثابة استقبال إنسان قروي- إبن ريف"، ويضيف "إذا سألتم عن أشكال الشعر فإني اليوم  مشدود نحو ألكسندر بوشكين".

رغم تضارُب الروايات حول موته بين إنتحار أو قتل، يبقى أن يسينين عاش حياة قصيرة جداً. لكنه ترك لمجتمعه وللعالم إرثاً شعرياً كبيراً يحمل من الجمالات الكثير. فقد أحبَّ يسينين الطبيعة وتغنَّى بها شعراً تحوَّل بعضه لاحقاً إلى أغنياتٍ لم تزل حيّة إلى اليوم.

وفي ختام هذه الجولة التعريفية بسيرغي يسينين إليكم بعض قصائده التي ترجمناها إلى العربية.

               

مقطوعة يُحاكي فيها الشاعر يسينين الميثولوجيا الدينية
"خرج يسوع كي يختبر الناس

خرجَ يَسوع كي يَختبرَ الناسَ في المَحبة،

مَشى على طريق بمَظهَر رَجُل مِسكين.

على جُذمور قربَ الغابةِ يَجلِسُ رَجُلٌ عَجوزْ

يَلوك بلا أسنان فطيرة ًجافة.

***     

رأى العَجوز ذلك الرجُلَ المِسكينَ

قادماً على الطريق بعصاه الحَديدية،

وفكّر: "أرأيتْ كيف حالته رَثّة،

أفهمُ، يَتمايلُ من ُسوءِ صِحتِه والجوع".

***

اقتربَ يَسوع مُحاولاً إخفاءَ حزنهِ وألمهِ:

فهمت، لا يمكنُ الوصولُ إلى قلوبهم!

وقالَ العَجوز وهو يَمدّ يَده:

"خذ، إمضغ قليلاً، ستصبحُ حالك أحسن" .

***        

السّائِلة الصّغيرة

وطفلة صَغيرة تبكي أمامَ نوافذِ البيتِ الغني،

خلفَ النوافذِ تسمَع ُأصوات ُالبَهجة والغِبْطة.

الطفلة تبكي وترتجف من البَرد، وسَماءُ الخريف ترعدْ،

ها هي تمسَحُ الدّموعَ بيَدَيها البارِدَتينْ.

***

من وجهها الباكي يَتعالى النداءُ بطلبِ قِطعةٍ من الخُبزْ،

ها قد بُحّ الصوتُ وانهارتْ قوى الجسم الصّغيرْ،

صوتُ الطفلةِ لا يصلُ إلى أسماع المُحتفلين في الداخِلْ،

تجمّدَ جسمُ الطفلةِ ولم ينقطع البُكاءْ وخلفَ النوافذِ ضحكاتُ المُترفينْ.

***

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]