نبيلة عبودي

كاتبة من الجزائر

وجع.. ووجع آخر

تركته غارقاً في الصمت. ومضيت. لم يفهم أنه كان أول رجل أحببت وآخر رجل تمنّيت.

لا أزال واقفة تحت ظل القدر أنتظر تبدّد الضباب. كل شيء يختبئ خلف هذا السديم رافضاً الظهور. حتى الحقيقة كانت تختبىء وراء قناع الزيف. ولا يزال الماضي الافتراضي يُذكّرني بالسؤال ذاته:

- زبيدة. هل كنت لتسامحيه لو أنك عرفت؟

فأجيب بالاستفهام ذاته: 

- لست أدري؟

على أوتار الكمان الحزين يعزف قلبي المهيض. وعلى اللحن الناشز أسير وقدري نحو قدر آخر، وصوتي الخائف يرتعش أمام سمفونية الغضب، ولا أزالني الحمامة التي تنتظر رصاصة الصياد في صمت! 

لا تزال عيناي تترقّبان. تنتظران في محطة عابري السبيل. تبحثان عن عينيه وسط هذا الزحام. وازدحمت الأسماء المتشابهة. المتساقطة إلى أذني باحثة عن إسمه المختلف وسط هذا التشابه. لكنه لا يشبه أحداً.

عماد مختلف. لا يشبه الرجال الذين عرفتهم. كلهم ذابوا وانصهروا فيه من دون أن يأخذوا منه شيئاً. وهذا ما جعله رجلاً اسثنائياً في نظري! 

لا تستطيع الرياح وإن اجتمعت أن تقتلع وجوده مني. ولا الزلازل أن تنال من إسمه المنقوش على جدران ذاكرتي المتصدّعة.ولا تستطيع الألسن الثرثارة أن توقف تدفّقه داخل أوردتي وشراييني، لأنه بكل بساطة أصبح أنا. وهل يمكن للإنسان أن يعيش من دون نفسه؟

هو الروح والجسد. الخيمة والوتد. هو الليل والنهار. هو الجبر والاختيار. هو الماء والنار. هو كل الناس وهو لا أحد! هو الذي ابتدأت منه وإليه سأنتهي!

ابتدأت منه فكنت امرأة جديدة نبضت منها الحياة، فاستفاق الربيع النائم ليغمرها بألوانه. ابتدأت منه لحظة نفضت الغبار عن أنوثتي المحتضرة وبدأت أتنفّس. 

ابتدأت منه يوم انتشلني من حفرة العوانس التي طمرني داخلها حزني على شبابي الذابل. ابتدأت منه يوم استعادت حياتي حريتها وأردت أن أكون! 

وكنت معه فراشة لا تملّ الربيع. وكان معي طبيعة لا تعشق إلا الربيع! 

لم يكن الوقت مناسباً لسؤاله، لأنه لم يترك لها مجالاً لذلك. اتّبع سياسة ملء الفراغ، فكانت تراه في كل مكان، ويحدّثها في كل زمان، وأصبحت لا تستفيق إلا على صوته، ولا تنام إلا على أنغام همساته. 

هي إلى الآن لا تعلم كيف تسلّل إليها هذا الرجل.كيف دخل بينها وبين نفسها.وهي التي أقسمت على الوفاء لذكرى الصداقة التي اقتنصها الموت بغتة، فاغتال الربيع.

وغاب الربيع هذه السنة.حمل حقائبه المعبقة بالورد والياسمين، وغادر آخذاً معه كل الذكريات. 

وخرجت كالفراشة من شرنقة الماضي نحو زمن آخر رسمه لي عماد وطرت معه. حلّقت بعيداً بعيداً، ثم وجدتني ملقاة على الأرض الصلبة، واستفقت على حقيقة أنه رجل متزوج وأب لإبنتين. 

لكن كيف لها أن تنسى؟ كيف لها أن تعيش؟

كانت مرمية بين السطور كقبر من القبور. لم تتنفّس الحياة إلا ساعة مدّ يده لها، وأخرجها من الفراغ الذي كادت أن تغرق فيه! 

لكنها غرقت يوم عرفته، واستسلمت لأمواج حبّه الرتيبة التي تلطمها بين الحين والآخر، فتزيدها حباً وتعلّقاً به. وأصبحت سمكة لا تتنفّس إلا في بحره! 

فكيف لها أن تعيش اليوم على شواطئ الفراق والوداع؟ كيف أرخت راياتها له وهي الأسطول الشامخ؟ كيف أهدت ثقتها للبحر وتعلم أنه غدَّار؟

وسألتها الألسن الثرثارة:

- ولكنه متزوّج!

فأجابت بثقة مكسورة:

- أعرف! 

ولكنني عرفت بعد فوات الأوان.بعد أن كان وأصبح فيّ. بعد أن ألبسني الشوق الفستان الأبيض في الخيال، وسقاني الحنين قبلة على الجبين. عرفت بعد أن أصبحت الريح صوته زالشمس ضحكته والسماء عينيه والربيع عرقه والخريف حبّه. وأنا عاشقة الخريف! 

أنا لا أبرّىء نفسي. لكنها أمرتني بحبه ففعلت.وعندما انتشلني عقلي من ذلك رفضت وتمردّت، وأعلنت العصيان عليه. وفي المقابل أعلنت ولائي ووفائي لنفسي التي لم تهدني سوى العذاب! 

تعذّبت يوم تركني أبي وحيدة في وجه الريح. جلدني البرد. قهرتني القسوة، وكاد الموت يمتّصني، وفي أقصى يأسي وضع القدر عماد في طريقي. ولكنه كان يقول لي دائماً:

- أنت الحياة التي وضعها القدَر في طريقي.

والتقطني كما يلتقط الفقير قطعة نقدية جاد بها القدر عليه، ولفّني بحنان أسكت تمرّدي، فأدفأني. لكنه أدفأ قلبي البارد، وبدأت تتسرّب داخلي أحاسيس ومشاعر مختلفة أذابت الجليد الذي اعتلى القلب المهيض! 

ووجدتني بين ذراعيه امرأة تفجّرت أنوثتها بعد سنوات من الجفاف العاطفي، وزرع حبّه في النفس البور، فاستقرّت جذوره داخلي وامتدت إلى الشريان والوريد، وأكل هذا الشعور الأعجف الذي زرعه داخلي الحزن السمين الذي لم يترك لي اليتم سواه ميراثاً! 

لكن عماد ترك لكل حاسّة من حواسي نصيباً. ولكل نقطة من جسمي هواء. 

ترك لأذني همسات من نار. حطبها دواوين وأشعار. ترك لعيني الشموس والأقمار. فلا ظلام يترصّد النهار. ترك لأنفي الربيع حالماً. معبقاً بالورود والأزهار. ترك لشفتيّ العسل صافياً. كالنفس المطهّرة من الأوزار. وترك لمسامي الحرير ملمساً تنحني وتتقاطع فيه الأقدار. فكيف أنتشله مني وقد تملّكني في لحظة عشق أبدي؟ إنه حالة حب نادرة! 

سعاد صديقتي. كانت تقول لي دائماً:

- نحن لا نصادف الحب الحقيقي إلا مرة واحدة. وإذا ضاع منا فقدناه إلى الأبد. 

ولكن حب حياتها ضاع منها عندما اختار أخرى موطناً يسكن إليه. في الوقت الذي صادفت أنا فيه الحب الذي بحثت عنه طويلاً كما بحث عني. وقرّرت الاحتفاط به مهما كان الثمن. 

لكن الثمن كان غالياً، ففي الوقت الذي وجدت فيه عماد فقدت سعاد. هكذا هي الحياة. تعطيك شيئاً وتأخذ منك أشياء. أهدتني حباً. وسلبتني صداقتي. ذاتي. وسمعتي، ووجدتني أمام السؤال الاختياري الذي يستلزم الجواب الإجباري:

- ماذا ستختارين؟ الحب أم الصداقة؟

بعد عناء وطول مأساة قدّم الفكر استقالته ومنح ذاته قرباناً للصمت. صمت الفكر المتعب، فرمى بورقة استقالته في وجه الحياة. وذهب يفتّش عن مكان بين قبور النسيان، فلم يجد. الأرض رفضته وزجَّت به في منفى العدم. ولم يبق منه غير بقايا فكر مسلوب الحرية متناثرة هنا وهناك. 

كل ليلة يتجّدد العذاب. وأجدني بين الأرق والكابوس. وليس أمامي إلا أن أنام مستيقظة. يا له من عذاب! 

الحب أمامي والصداقة ورائي. أين المفرّ؟

آمالي حقل ألغام. وهدفي لغم موقوت آن وقت انفجاره.تتبعثر الأحلام التي شيّدتها مع "عماد" أمامي كما تتبعثر المخاوف أمام عاصفة القسوة. ويركض خوفي كظبيّ صغير ضيع طريقه إلى أمّه. وعلى ضفاف أنهار الموت يخلع الربيع رداءه مخلّفاً برد الفراق. عندها أدرك أن لا موسم لي سوى الشتاء. 

وأدركت الحقيقة! 

على مروج الشوق تدحرجت آمالي لتصطدم بالهاوية. وعند أطراف الريح همسات الماضي تتردّد على ألسنة النسائم. وبين الأشواك والأحراش أغنية حب يتردَّد صداها كلما عزفت الريح ألحان الذكريات! 

وآب الماضي ليذكّرني باليوم العاصف. يوم فتحت بابي مكسورة، فسقطت أجزائي عندما رأيت سعاد. كانت أمامي. تحكي بصمت وفي صمت مأساتها. لقد طعنت بخنجر الخيانة مرتين. مرة بيد عماد زوجها. وأخرى بيدي أنا. صديقتها. كانت تعلم. لكنها أجّلت هذا اللقاء. أقصد هذا الحكم إلى هذا اليوم بالذات. 

نظراتها ضائعة بين ورود الصداقة التي ذبلت. وربيع الحب الذي استقال من الفصول. لا تزال تحدّق في بعينيها العسليتين بينما الخوف داخلي يشتدّ. أما العذاب، فسئم من تعذيبي وتركني لأموت أمام نظراتها. 

وما أقساه من عذاب! 

لا تزال صامتة. ولا يزال العذاب يشتدّ. وبينهما صوت خائف بدأ يمزّق شرنقة صمته. وبعد لحظات. انبعث خافتاً من جبّ عميق.  

- سعاد. أنا لا أبرّىء نفسي. أعرف أنني أخطأت. لكن صدّقيني. صدّقيني. الوحدة صعبة. صعبة جداً.

ما أصعب أن أبكي ولا تمسح دموعي سوى وحدتي! ما أصعب أن أنام ولا حبيب يؤثّث أحلامي! ما أصعب أن يحترق الجسد شوقاً ولا يلمسه إلا الخيال! ما أصعب أن يثقلني الحزن ولا صدر أرتمي عليه سوى الفراغ! ما أصعب أن أكون اليوم عزباء رميت الرجال بالأمس في سلّة المهملات! وما أصعب أن أجد الحب وأن أتخلّى عن عرشه في لحظة! 

وفي تلك اللحظة سمعتها تقول:

- الوحدة صعبة. لكن الخيانة أصعب! 

وانكسر مرة أخرى على صخرة التأنيب. تهزّني زلازل الضمير. وتجلدني سياط الخيانة، فأصرخ. أصرخ. ثم أسقط كطير جريح مهيض الجناحين. على أحدهما حب أخرس. على والآخر صداقة ثكلى! 

- أنا رفضت الاختيار. كنت أعرف أنني ألعب بالنار. ورحت بكل خبث أتقمّص كل الأدوار، فأنا الصديقة وأنا الغريمة. أنا الضحية وأنا الجانية. أنا الوفية وأنا الخائنة. لكنني لست أنا! أنا لم أكن يوماً هكذا! 

وجاء صوتها حاراً مرة أخرى. كحمم تنسكب في أذني:

- ولكنك فعلت! 

- وأنت قلت. قلت لي"نحن لا نصادف الحب الحقيقي إلا مرة واحدة. وإذا ضاع منا فقدناه إلى الأبد".

- ولكنه لم يكن لك يوماً حتى يضيع منك. عماد كان لي منذ البداية! 

- لكنه أرادني للنهاية! 

- أنا المرأة الأولى في حياته! 

- وأنا الأخيرة التي أراد أن يكمل معها حياته! 

وأضفت أقول:

- أنت وضعته أمامي. ووضعتني أمامه. أنت فتحت الباب أمام كل ما كان سيكون. ولعب القدر لعبته. 

- ولكن الصداقة كانت بيننا. والحب حارسنا جميعاً.

- لكنه خاننا. أجل. الحب خانك. خان عماد وخانني، فخنتك وخنت نفسي. مبادئي. وخنت كل النساء. وأنا التي نذرت عمري سفيرة لحقوق المرأة. 

- وها أنت اليوم تنتهكينها! 

- وماذا عن حقّي.أليس لي حق في الحياة؟

- ولكن حياتك تعني موتي. ويتم يمنى ويسرى!

يخرس لساني وأعود إلى ذاتي. مجروحة. مهزومة. أنتشل نفسي المدفونة تحت ركام اليأس والضياع. وفي كل مرة أعيش ضياعاً من نوع آخر. أقسى من سابقه! لم يبق أمامي سوى الهروب. لأول مرة تخونني لغتي. تخذلني قوّتي. تفرّ من رأسي أفكاري. ومن نفسي مشاعري. ولأنني خائنة خانتني كل الأشياء التي من ذاتي. أنا التي علّمتها الوفاء. واليوم لم أحصد سوى الغدر والخيانة. 

ملأت حقيبتي الفارغة من الثياب. المليئة بالذكريات النازفة. ومضيت نحو المطار أبحث عن وجع آخر. في موطن آخر. هناك. حيث لا أرى ولا أسمع. حيث الظلام والصمت. ووحدة كالهواء! 

وعندما فتحت الباب وجدته أمامي. كان سيتكلّم لكنه خرس أمام فصاحة الحقيبة المقنعة بصمتها. ثم أدركه الكلام، فسمعته يقول:

- زبيدة. إلى أين؟

- إلى حيث لا توجد أنت. 

- وما كان بيننا؟

- حملته الريح بعيداً؟ 

قاطعني واثقاً:

- لكنني طلّقت سعاد!

وبعد تنهيدة طويلة قفز صوتي المتعب قائلاً:

- آه. وذاك وجع آخر.

تركته غارقاً في الصمت. ومضيت. لم يفهم عماد أنه كان أول رجل أحببت وآخر رجل تمنّيت. لم يفهم أنني اخترت موطناً آخر. ووجعاً آخر.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً