نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

أحرار نيا يمدّ يد الحب لماتيس

يعبّر المعرض عن الروح الإيرانية المتسمة بالأناة، والصبر، والفن المشرقي، في روحيّة ألفة وتقارُب ونزعة جامِعة لمختلف الحضارات.

  • أحرارنيا: تفاعل التاريخ الشرقي والحداثة الغربية
  • أحرارنيا: تفاعل التاريخ الشرقي والحداثة الغربية
  • أحرارنيا: تفاعل التاريخ الشرقي والحداثة الغربية
  • أحرارنيا: تفاعل التاريخ الشرقي والحداثة الغربية

كانفتاحه على الآفاق عبر بحر الروشة قبالته، ينفتح غاليري جانين ربيز مُجدَّداً على تجارب عالمية، راحِلاً نحو آفاق بعيدة، ليستضيفها في صالته على الروشة البيروتية، فيحلّ معرض الفنان الإيراني فرهاد أحرار نيا بعنوان: "الفن بلغة أخرى"، أعمالاً عديدة تصطفّ على جُدرانه برؤى مُتنوّعة، ويُقام بالتعاون مع مُحترفات روز عيسى للمعارض والمتاحف والفنون في لندن.

يُعبِّر المعرض في تجلّياته العامة عن الروح الإيرانية المُتّسِمة بالأناة، والصبر، والفن المشرقي، في روحيّة ألفة، وتقارُب، ونزعة جامِعة لمختلف الحضارات، شرقيها وغربيها، تندمج في الأعمال صوَراً، ومضامين هي بحد ذاتها نقطة التقاء بين حضارات الشعوب، وتقاطعاتها.

من الأعمال التفاعُلية مع ثقافات وحضارة الآخرين، يمدّ أحرارنيا يد السلام والحب والتفاعُل لماتيس، الفنان الفرنسي الذي خرج من الحرب العالمية الثانية مُقْعَداً، وبات الرافِض للحرب، وتداعياتها، محاولاً تحويل مفاهيمها إلى أحلام سلام، وتقارُب مع الآخرين، ومع شعوب العالم، عبر قُصاصاته الورقية كزهور وأوراق نبات تشي بالوَعد، والأمل.

لكن أحرار نيا، وتقرّباً من ماتيس، والتزاماً بحبه التفاعُلي معه، وترجمة لنزعته لالتقاء الحضارات، يحضن ماتيس في أسلوبه، وتجلّيات أنامله، لكن بطريقته الإيرانية الشيرازية، مُعتمداً أسلوب التطريز الإيراني الخلاّق، بدلاً من القصّ الورَقي، ومُعيداً صوغ روحيّة ماتيس بطريقةٍ أرقى، وأعمق تحسّساً، وأغنى أسلوباً في التعبير. فشتّان ما بين قص الورق وبين التطريز، خصوصاً متى كانت تقنياته شديدة الخصوصية حدّ السِحر، حيث تتجلّى الأشكال المُطرَّزة كقطع لصيقة بينما هي مُطرَّزات حقيقية، وسرّها أنها لا تظهر آثارها في خلفية اللوحة.

في هذه المجموعة، وهي الأكثر عدداً بين المجموعات الأربع التي يتكوَّن المعرض منها، تندمج روحيّتان في روحيّة واحدة، هي الماتيس-أحرارنيا، مُتطابِقة الرؤى والتعابير، ومختلفة الأسلوب والتقنية.

في مجموعة ثانية هي "ختم" (Khatam)، يستحضر أحرارنيا فناً خاصاً ببلاده مُستوحى من "الأرابيسك"، لكن مع تطوير الأسلوب حيث تُستَخدَم في الشكل قطع شديدة الدقّة، والصِغَر، من معادن وعِظام وأخشاب، وتتلاصق لتعطي المظهر الخارجي المُتنوّع والجميل. وقد صنعت الخشبيات والسجاّد على قاعدة هذا الفن المُستند في جانب منه إلى شكل من أشكال الحَداثة التي شهدتها بدايات القرن العشرين مع التركيبيين أو البنّائين الروس.

وفن "الختم" يوازي فن الموزاييك، لكن بدقّة أكثر، ونمنمات مُتسلسِلة غير مُتناهية، تعبِّر عن الروح الإيرانية المُتّسِمة بالأناة، والروية، وطول البال، والصبر الطويل، ما يمكن ترصّده في صناعة السجّاد قطبة قطبة، وبطريقة مُنمْنَمَنة تجعل منه الأفضل صُنفاً في العالم.

إلى مجموعة "الحفر" (Dig)، من ثلاثة رفوش مطلية بالفضّة، تُحفّز على العمل بصورة عامة،

ومن جهة ثانية، تدعو إلى نبش التاريخ، واسترجاع جماليّته وقِيَمه، ويتمثّل هذا المنحى في النصوب والصوَر المطبوعة في الرفوش، مُستعيدة صوَراً لرموز لبنانية قديمة شكّلت جزءاً من الثقافة والمُعتقدات العائدة إلى عصرها، كما في مدن صيدا، وبعلبك، وجبيل، وصور وقد اختارها أحرار نيا من نصوب وتماثيل وأشكال معروضة في "المتحف الوطني في بيروت" خلال جولات له في لبنان.

المجموعة الرابعة، هي "سيّدة في شبه الجزيرة العربية" (A woman in Arabia)، يستند أحرارنيا إلى صوَر التقطتها سيّدة وظّفتها السلطات البريطانية لمسح ما أمكن من العالم العربي، وهي عالِمة الآثار جيرترود بل (1868-1926)، في فترة تحضير الاستعمار البريطاني للوفود إلى الشرق، فطرحت "بل" أفكار تقسيم المنطقة التي استندت إليها بريطانيا، وحلفاؤها، في رسم الخريطة الجديدة التقسيمية للشرق العربي.

بلوَر أحرار نيا صوَراً غير متوافِرة في أمكنة أخرى، التقطتها بل، مُستخدِماً تقليد التطريز الإيراني، فجمّلها، وظهّرها بصورة أكثر وضوحاً مُستخدِماً الشكّ بالإبر، والقطبات الطرية، وتقنيات أخرى تحوّل الصورة الفوتوغرافية إلى مُجسّمات أكثر وضوحاً، وحيوية، تارِكاً فيها الإبر والخيطان على سجيّتها مُفسِحاً لقراءة حرّة لعناصر التاريخ.

يندرج خيار أحرار نيا لجيرترود بل ضمن استعادته لأعماق التاريخ، والغوص في حقائقه، ونقلها إلى الواقع الحديث، وهي نزعة اعتمدها في مختلف أقسام معرضه الأربعة.

أحرار نيا من مواليد شيراز في إيران 1971، يعمل مُتنقّلاً بين مدينته ومدينة "شيفيلد" البريطانية، حيث حاز شهادته الفنية في (Experimental and Documentary Film Theory and Practice).

يُسجَّل له العديد من المعارض الفردية في مختلف دول العالم ابتداء من 2004، ويُعتَبر فنه جامِعاً ومُتفاعِلاً بين تقاليد عالمه الإسلامي، مع مجتمعات الغرب ورؤاها التحديثية، باعتماده العودة إلى عناصر تاريخية غابِرة، بالتكامُل مع تحديثات فنية مُعاصِرة، وحديثة. 

 

"الفن في لغة أخرى" هو المعرض الأول لفرهاد أحرارنيا في لبنان، ويستمر حتى 24 تشرين الأول/أكتوبر من الجاري.

 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً