علي عاشور

كاتب من السعودية

عن بن سلمان وترودو و"تحمل المسؤولية"

من جريمة قتل خاشقجي إلى "الليالي العربية"، كيف تعاطى كل من بن سلمان وجاستن ترودو مع "مسؤوليته"؟

بعد لقاء وليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان مع فريق عمل برنامج ستون دقيقة التابع لقناة (سي بي إس)، اكتسحت تعليقات الأمير حول مقتل الصحافي جمال خاشقجي وسائل الإعلام العربية والعالمية. كما انتشرت التعليقات والاقتباسات في مواقع التواصُل الاجتماعي. تصريح الأمير "أتحمّل المسؤولية بالكامل" يعطي مفارقات كثيرة حول دلالات مفردة المسؤولية.

في الجانب الآخر من الشمال، حيث كانت الحملات الانتخابية في كندا في أوج انطلاقتها، فجّرت صورة رئيس الوزراء جاستن ترودو، المُسمّاة "الوجه البني"، والتي التقطت له بحفل تنكّري تحت عنوان "ليلة عربية" عام 2001، فجّرت صخباً في الإعلام الكندي والغربي ومواقع التواصُل الاجتماعي.

لم يستطع ترودو التقاط أنفاسه بعد اعتذاره الأول حتى أردفت الصورة بصورة ثانية وبمقطع فيديو قصير له أيام المراهقة صابغاً جسده باللون الأسود مع قيامه ببعض الحركات الصبيانية. انهالت الاتهامات على ترودو من كل جانب. فصفات "العنصري" و"المنافق" و "المدّعي" و"الصبياني" لم تكن سوى بداية مطالبة بعض الكنديين له بالتنحّي عن مواصلة السباق الانتخابي. رغم ذلك، قدّم ترودو اعتذارات علنيّة يدين فيها تصرّفاته السابقة. "أنا أتحمّل مسؤولية أفعالي" تلازمت مع ترودو في تعليقاته على أسئلة الصحافيين واعتذاراته الرسمية للشعب الكندي.

كلا الموقفين يعطيان مفارقات كثيرة، حول مفهوم المسؤولية.

من الواضح أنّ الدلالة المتضمّنة من وراء "المسؤولية" في تصريح الأمير محمّد بن سلمان هي تبرئة الحكومة السعودية ونفسه من تحمّل مسؤولية الفعل إلى تحمّل مسؤولية الأثر. ما يعنيه هذا أن ما يفعله موظفو الحكومة السعودية من أخطاء ومخالفات ليست بالضرورة قرارات أو أوامر صادرة من الحكَّام في السعودية، بحسب تصريح الأمير. وهذا يعطي الحكومة السعودية حماية وبراءة مُطلقين من أفعال موظفيها وعواقبها. إضافة إلى ذلك، فالموظف – الفاعِل - يتحمّل مسؤولية فعله، بينما الحكومة السعودية ستتحمّل مسؤولية محاسبة الفاعِل وما سيصدر ويتحدّث عنه في الصحافة العالمية، التي بدورها لن تزحزح التوجّهات السياسية للمملكة ما دامت الحكومات الغربية باقية في دعم الحاكِم السعودي.

من جهةٍ أخرى، يعطي هذا التصريح إشارة إلى أزمة فراغات ونقاط ضعف موجودة في مؤسّسة الحكم السعودية، كما يعطي إشارات إلى وجود خلل تنظيم مؤسّساتي كبير. فإذا كان مساعدو الأمير المباشرين يتّخذون قرارات من دون عِلمه، وهذا ما يفترضه التصريح بخصوص قضية خاشقجي، فهذه أزمة فراغ في المؤسّسة الحاكِمة لا نعرف إن كان الأمير يضعها ضمن "المسؤولية" التي يتحمّلها.

غير أن أزمة أخرى تتصاعد مع هذا التصريح، وهي ردّة فعل الشعب السعودي وبعض مُثقفيه. اعتبر الكثيرون تصريحات وليّ العهد "استثنائية وشجاعة" من دون التفكير بما يكمن وراء التصريحات والأوضاع التي تمرّ بها المملكة والمنطقة، واستنتاجات الصحافة الغربية وفتح ملف تقارير السي أي إيه مع مرور عام على ذكرى مقتل خاشقجي. إضافة إلى فتح ممر العلاقات مع "إسرائيل". وكأّن غالبية الشعب والمُثقفين كان طموحهم ومُناهم هو الحد من دور (هيئة الأمر بالمعروف والنهيّ عن المُنكَر)، وفتح باب الحفلات الغنائية والموسيقية، وتسهيل تصريح الفعاليات والندوات الشعرية والمسرحية، وفتح قاعات السينما، والسماح بقيادة المرأة للسيارة وسفرها من دون إذن الرجل، أو إمكانية نقد المؤسّسات الدينية على مواقع التواصل الاجتماعي. كما السماح للأقليات الموجودة بالتعبير عن هويتها دينياً وثقافياً، رغم أن هذا التعبير وإن كان يتصادم مع الكثير من الإشكالات السابقة لم يكن ممنوعاً.

تكمُن المفارقة الكبرى في تصريح الأمير، وتفاعُل الشعب السعودي، بعدم رضاه عن بعض القوانين التي تحارب وتقمع حرية الرأي، حقوق المرأة، حملات الاعتقالات، بينما يحدث كل ذلك أثناء وجوده في أعلى هرم الحُكم من دون إيجاد حلول وإقرار أوامر بتغيير هذه القوانين. فأين موقع "المسؤولية" من هذه المفارقة؟ إقرار وممارسة وفرض القوانين في دولة حُكم ملكية بالضرورة يعني موافقة الحاكِم على القوانين. وفي حال عدم رضاه لماذا لا يكون من ضمن نطاق "المسؤولية" تغيير القوانين التي تتعارض مع أساسيات حقوق الإنسان؟

من هنا يبدو أن ماكينة الإعلام الرسمية وطبقة المُثقفين التابعة لرؤية 2030 الذين يتصدّرون تويتر وفيسبوك نجحت في تشويه المفاهيم والرؤى. كما عملوا على تفعيل إغفال الأجيال الصاعِدة مع التغييرات المُتسارِعة داخل المملكة. فعملية تمييز دلالات المفردات والمفاهيم الصادرة من جانب الإعلام الرسمي و"المثقف الرسمي" أبطلت فعاليتها عند غالبية الشعب الذي جرّ نحو الاهتمام الداخلي، بصبّ تركيزه على قرارات رفع الأسعار والفواتير والضرائب وتبعات الحروب والصعوبات الاقتصادية الداخليّة، والذي بالضرورة لا يخلو من الخوف والترقّب.

في الجانب الآخر في الشمال، نجح ترودو بقيادة حملة الانتخابات الفيدرالية الكندية وتمثيله كقائد للحزب الليبرالي الكندي. فبالرغم من أن الصوَر المنشورة في حفلة "ليلة عربية" تعود إلى عام 2001، وبالرغم من أنّ الفيديو يعود إلى أيام مراهقته، طلب ترودو من الشعب الكندي مُسامحته لأنّ ما يحمله الشعب من مفاهيم حول ما قام به رئيس وزرائه في الماضي يعتبر جزءاً من ثقافة الشعب وسلوكياته، والتي يرفضها الكنديون وما تحمله من دلالات. ولأنّ جاستن ترودو يمثّل الشعب الكندي، فإن تحمّله لمسؤولية أفعاله، وإن كانت من الماضي، لا تكفي بالنسبة له إلا بقبول الشعب لاعتذاره الرسمي.

رغم خسارة الحزب الليبرالي الكندي لبعض المقاعد، والتي يعتقد بعض المحللين أنّ حادثة ترودو جزء لا يتجزأ منها، فقد نجح بالترشح وسيكمل دورة رئاسية أخرى يقود فيها بلاده كممثلها الأول.

بالرغم من اختلافات ردود الأفعال داخل كندا، والتي كان الكثير منها صادراً من معارضي ترودو، أو من الناقمين على أوضاع البلاد الحالية وسياسييه بشكل عام، وبالرغم من حملة الإعلام والصحف التي ما زالت تلاحق ترودو وتنتقده عَلناً في محطات حملته الانتخابية، يعي الجميع أن مسؤولية نجاح البلد تشمل الجميع، ومن غير المسموح لأيّ فرد مهما كان مركزه وكانت صلاحياته أن يتصرّف أو يقرّر ما يهين أو يضرّ أو يشوّه صورة الشعب على المستوى السياسي والثقافي.

هذه المفارقة في طرح مفردة "المسؤولية"، رغم الاختلاف الشاسع ما بين القضيّتين، تعطي مشهداً حول الفروقات والاختلافات في التعامل مع الأحداث ما بين القيادات والشعوب. كما تطرح أسئلة كثيرة حول أوضاع الشعوب العربية وتكبّدهم تبعات قرارات وقوانين لم يكن لهم دور فيها ولكن تبعاتها تنعكس عليهم بشكل مباشر.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً