تغريد عبد الجواد

كاتبة من مصر

في فنجاني ذئب ووردة

في رحلتنا نبحث عن الاطمئنان، نحتمي بإله، بسر، ببشارة، نرفض التسليم بعبثية الحياة ونبحث عن الحكمة والمعرفة>

  • لوحة "شجرة الشعر" (Jonas Lundh)

سواء كان ثقباً أو نافذة فإننا نتوق إلى معرفة ما يحدث أمامنا. نريد تحطيم الحواجز التي تفصلنا عن العالم حتى ولو كنا نعيش في الجنة نلهث للوصول إلى الحكمة ولكشف كل شيء يرتدي ثوب المجهول.

فعلاها من قبل آدم وحواء ودفعا الثمن وخرجا من الجنة، ونحن أحفادهما مستعدون لدفع الثمن نفسه وربما أكثر من دون ندم ولا كلل. فالمهم أن نعرف.

بدأ الموضوع بفنجان قهوة، شربته وبعثت صوَره إلى بعض المفسّرين.

"في حياتك يوجد طريق واسع وكبير وامرأة حسودة، لديك أيضاً قلب طيب وحزن صغير سينتهي بعد يومين أو شهرين أو عامين، سينتهي يوماً ما، حتماً سينتهي".

قلت لنفسي ماذا لو وضعت الطريق والمرأة والحزن تحت الميكروسكوب وشربت المزيد من القهوة؟

صارت عادة يومية، ليس فقط  لمعرفة ما يحمله لي المستقبل، فالماضي والحاضر يحتاجان إلى تفسير أيضاً. الحياة برمّتها مليئة بالتعقيدات. كنت في حاجة لفهم نفسي، لأترجم ما يدور في داخلي وما يحدث من تفاعلات بيني وبين العالم.

في الفنجان وردة، ذئب، قلب وعينان تنظران في المدى وطرق كثيرة. في الفنجان رموز وعلامات ورسائل تقول إن ثمة أملاً وحياة وسلاماً في المستقبل. في الفنجان كان حب كبير ينتظر بحجم القلق الذي يستعمر قلبي في الحاضر واليأس الذي لم أستطع التخلّي عنه في الماضي.

كلما جلست في مقهى، طلبت قهوة وبدأت رحلتي مع الفنجان. لا يقتصر الموضوع على التقاء شفتيّ بفم الفنجان ولا امتزاج القهوة بدمي. يتحوّل الفنجان إلى صديق عظيم، أحب أن أقضي معه أكبر وقت ممكن، وأشعر بأن هناك طاقة تجذبني إليه. قوة تجبرني ألا أتركه وأرحل، بل يجب أن يعود معي إلى البيت حتى يأتي النادل ليقصف عمر العشرة التي نبتت بيننا ويأخذه من يدي ويعيده إلى مخدعه، ويذكّرني بأنني ضيفة وعليّ ألا أطيل جلستي، وأن هنا يقع بيت الفنجان وعلى الفراق أن يحدث، وعليّ أن أحترم فروض المقهى وأرحل بهدوء.

في رحلتنا نبحث عن الاطمئنان، نحتمي بإله، بسر، ببشارة، نرفض التسليم بعبثية الحياة ونبحث عن الحكمة والمعرفة، ننجذب إلى حياة أخرى نتحوّل فيها إلى آلهة أو كائنات نورانية، حياة تنصفنا وتمنحنا ما ظننا أننا نستحقه.  لأننا بالطبع نستحق الأفضل، نستحق حياة أخرى غير التي نتجرّعها، تسيطر علينا فكرة النبش في ما نجهل.

وفي خضمّ كل ذلك الشغف ننسى أن هناك حياة نضيّعها بحب من بين أيدينا حبا في المجهول، الذي يبدو جميلاً ورائعاً لمجرد أننا لا نعرفه. نترك جنة المعروف من أجل جحيم المجهول مثلما فعل أبونا الأول "آدم".

هذا ما وجدنا عليه آباءنا ولو رفضنا ذلك الإرث ماذا نفعل بصفاتنا الوراثية؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً