آلاء حسانين

شاعرة مصرية من مواليد 1996. حائزة على جائزة اليونسكو في شعر الفصحى (2015)

في النهاية تعرّفنا على نصيبنا من اليتم

أفكّر بالإنسان المسكين، الذي لا يملك غير الحلم. أفكّر كيف يقتل من يسخر من أحلامه، من ينفيها، من يوقظه ويمسك أصابعه ليشير بها نحو كل خراب العالم. أفكّر كيف يصير الإنسان مسخاً إذا لزم الأمر ويقود حروباً ويبني مآذن وأبراجاً بابلية ويشرب الدم في كؤوس فضية، دفاعاً عن أحلام باهتة، عن أمنيات طفولية قديمة. أفكّر في الإنسان المسكين، وأغفر له.. أغفر له، أغفر له.

منذ آلاف السنين والعالم يرجىء نهايته
منذ آلاف السنين والعالم يرجىء نهايته

في النهاية تعرّفنا على نصيبنا من اليتم، رفنا أننا وحدنا في هذا العالمع. نربي الوحشة، نعبىء الليل في آنية ونتوه. نحدّق في العتمة ونرى سوادها نهاراً. نقدّس رؤيا السراب وصوت اغترابنا الموحش ونقول: أصوات الآلهة.. الآلهة ترافقنا في طريقنا الطويل نحو القيامة. القيامة؟ لِمَ لا تجيء القيامة؟

منذ آلاف السنين والعالم يرجىء نهايته. يرجىء أمنية الإنسان القديم، لما أمعن في وجه الحياة وأدرك إنها لا بد تنتهي. قد لا تجيء القيامة، قد لا يصل الإنسان للضفة الأخرى. قد لا يكون من وجود لضفة أخرى. وقد تكون النهاية نهر يغرق فيه الإنسان ولا يرفع أحد جثته. قد يصير سمكة ولا يصطادها أحد. أفكّر بالسمك الذي لا يجد أحداً يصطاده، بالغزال الذي يلفت أنظار الصيّاد لينقذه من وحشة في الغابة، بالغزال الذي يتخيّل نفسه دائماً فوق مائدة. الغزال الذي يريد أن يكون فريسة الصيّاد الحاني.

وأفكّر، أفكّر بالإنسان الذي يحتاج أن يجد انعكاسه ... ويلوح له، منذ آلاف السنين، ومنذ آلاف السنين لم يجب أحد على إشاراته. لم يرد على الضوء بضوء.. وعلى الصلوات بمطر حزين. أفكّر بالإنسان الذي وجد يتيماً وناقصاً أجنحة وفراءً ومخالب.

الإنسان الذي يظل يحدّق في عريه ويقول: كان عندي منزل وخزانة ملابس وأمّ حانية وأبّ كبير يملك كل شيء، حتى فراء الدببة وأعشاش العصافير. لست يتيماً أيها الطير الذي يباهي بسربه، لست شريداً أيها الملك صاحب الغابة. أنا وريث الملك الكبير وابن لممالك شاسعة، وذات يوم سأعود إلى منزلي وتكون لي حوريات. لكن أبي الكبير يحتاج من يمتّص غضبه، إنه فقط يعاقب ابنه الصغير، ابنه الشقّي، لكن ذات يوم سيصبح راضياً ويعيدني إلى حظيرته.

أفكّر بالإنسان المسكين، الذي لا يملك غير الحلم. أفكّر كيف يقتل من يسخر من أحلامه، من ينفيها، من يوقظه ويمسك أصابعه ليشير بها نحو كل خراب العالم. أفكّر كيف يصير الإنسان مسخاً إذا لزم الأمر ويقود حروباً ويبني مآذن وأبراجاً بابلية ويشرب الدم في كؤوس فضية، دفاعاً عن أحلام باهتة، عن أمنيات طفولية قديمة. أفكّر في الإنسان المسكين، وأغفر له.. أغفر له، أغفر له.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]