صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان

... وما زال البحث عن رسائل سركون بولص مستمراً

نشير إلى مسألة أثارها البعض وتتعلق بزعم أن سركون بولص كان شاعراً عالمي النزعة، وأنه لا يولي العراق والعالم العربي ولا حتى التراث العربي اهتماماً كما يبدو من قصائده. وهذا زعم مردود على أصحابه لأن سركون كان يحمل همّ العراق وأهله، كما يهتم بقضايا العالم العربي. ولكن بأسلوب شاعري غير مباشر بخلاف الشعر السياسي الصريح الذي يكتبه بعض الشعراء.

سركون بولص وخالد المعالي
سركون بولص وخالد المعالي

ذات يوم من عام 1967 كان فتى عراقي يجتاز صحراء القائم داخل الحدود السورية سيراً على قدميه، بعد أن دله من يعمل هناك على تهريب البضائع والأشخاص على الطريق التي يجب أن يسلكها لئلا يقع في قبضة حرس الحدود السوريين. 

كان هذا الفتى العراقي قد وصل لتوه من بغداد إلى القائم، حيث أوصى بعض الأصدقاء بمساعدته لمغادرة البلاد إلى سوريا بطريقة غير شرعية، بسبب عدم حصوله كما الكثيرين، على جواز سفر يسمح له بالخروج من العراق.

وكان هذا الفتى الآشوري، كما يدل عليه اسمه سركون الذي يلفظه العرب سرجون، قد أوجد لنفسه على صغر سنه مكانة مرموقة بين شعراء العراق الشبان الذين عرفوا بشعراء قصيدة النثر. وكان قد نشر بعض قصائده في عدد من الصحف العراقية واللبنانية خصوصاً في مجلتي "شعر" و "حوار" وغيرهما.

كان هذا الفتى قد ولد عام 1944 ونشأ على ضفاف بحيرة الحبانية، حيث كانت تتمركز قوة إنكليزية أثناء الاستعمار الإنكليزي للعراق. وكان قد تعلم لغة المستعمر من البيئة المحيطة ومن والده الذي كان يعمل كمدني مع هؤلاء العساكر. 

وعندما بلغ الثالثة عشرة من العمر انتقلت عائلته إلى مدينة كركوك حيث تابع تعليمه وتنمية ثقافته العربية والإنكليزية، وحيث برزت موهبته الشعرية ومقدرته على ترجمة النصوص الإنكليزية. 

كانت كركوك مدينة متعددة الأطياف العرقية من آشوريين وتركمان وأكراد وعرب وحتى أرمن. وقد أغنى المتأدبون من هؤلاء السكان اللغة العربية الأدبية بما نقلوا إليها من مشاعرهم وأمزجتهم وتراثهم المحلي. هناك أنشأ سركون مع بعض الأصدقاء الشعراء "جماعة كركوك" التي ضمت إليه كلاً من فاضل العزاوي ومؤيد الراوي، وصلاح فائق. وكان هؤلاء طليعة شعراء قصيدة النثر الوافدة حديثاً إلى بلاد الرافدين، وشكلوا عماد هذه الحركة التجديدية في القصيدة العربية، بعد قصيدة التفعيلة التي كان أبرز روادها بدر شاكر السياب ونازك الملائكة. 

من كركوك انتقلت عائلة سركون بولص إلى بغداد حيث تابع دراسته في جامعتها. وعقد صداقات جديدة إضافة إلى الأصدقاء القدماء الذين انتقلوا هم أيضاً إلى العاصمة العراقية المزدهرة آنذاك. وقد نشر الشاعر الشاب بعض نتاجه الشعري وبعض ترجمتها الشعرية والأدبية الإنكليزية في الصحف المحلية واللبنانية. حتى بات هو الرائد الحقيقي لقصيدة النثر العربية.

نعود إلى صحراء القائم التي كان الفتى العراقي يسير فيها متخوفاً من أن يراه حرس الحدود. لكن الحذر لا يغني عن القدر كما يقول المثل. إذ فوجىء بسيارة للشرطة السورية تقطع عليه الطريق وتلقي القبض عليه وينقل بالسيارة ذاتها إلى الحسكة، حيث ينزل شرطيان منها ليتحدثا إلى زملاء لهم في المركز العسكري ويتركان الشاب في السيارة.

ويبدو أنهما نسياه فأطالا الغياب فانتهز الفرصة وخرج من السيارة إلى مقهى قريب. دله صاحبه على موقف للسيارات استقل منه سيارة متوجهة إلى حمص، ومنها سافر إلى حلب ثم انتقل إلى دمشق حيث أمضى بعض الوقت قبل أن يسافر إلى لبنان بسيارة تعمل على خط دمشق بيروت. وكان عليه أن ينزل من السيارة عند المصنع ليلتف على المركز الحدودي وليعود ويركب السيارة ذاتها لتقله إلى بيروت. 

أمضى سركون حوالي السنة في العاصمة اللبنانية محاطاً بأصدقاء من الشعراء أمثال توفيق الصائغ وأدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج والرسام بول غيراغوسيان. وفي أحد الأيام تم اعتقال الشاعر العراقي بتهمة دخول البلاد بطريقة غير شرعية حيث أدخل السجن، إلا أن أصدقاءه عملوا على إطلاق سراحه شرط أن يغادر لبنان. وقد توسط له يوسف الخال مع السفير الأميركي الذي أعجب بعمق اطلاعه على الشعر الأميركي ومنحه تأشيرة خاصة سافر بواسطتها إلى الولايات المتحدة حيث استقر في سان فرنسيسكو. 

هكذا تابع سركون السفر ملاحقاً خيالاته ما بين الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي في ما بعد. وكان مربط خيله في أوروبا بيت صديقه خالد المعالي في مدينة كولونيا. ولأن سركون كان الحالم الدائم والزاهد في متابعة الشؤون المادية، فقد تولى المعالي تأمين بعض المنح المادية له لكي يتابع إنتاجه الشعري والثقافي وأعمال الترجمة.

ودامت هذه العلاقة بين الصديقين لسنوات طويلة. وكانت علاقتهما أشبه بعلاقة المريد بشيخه كما يقول المريد وهو الشاعر والناشر خالد المعالي صاحب "دار الجمل". 

وكان المعالي يتولى مهمة تنسيق وجمع ونشر أعمال سركون إلى اليوم الأخير في حياته. وكان آخر لقاء بينهما عشية وفاته (في برلين في 22 تشرين الأول 2007) نوعاً من الوصية والاعتذار. الوصية أن يتابع المعالي نشر مؤلفاته التي يعرفها، والاعتذار لأنه لم يتمكن من وضع مقدمة لهذا الكتاب أو ذاك ولاسيما مقدمة ترجمته لكتاب "النبي" لجيران خليل جبران (صدرت الترجمة عن دار الجمل عام 2016).

ويعمل المعالي منذ بضع سنوات على جمع رسائل سركون إلى العديد من أصدقائه ومعارفه، وحصل على كثير من تلك الرسائل بفضل تعاون أصحابها أمثال: صلاح فائق، أدونيس، توفيق الصائغ، محمود شريح، جاد الحاج، وديع سعادة، مؤيد الراوي، حسين موزاني، وغيرهم... والبحث لا يزال جارياً على أمل إصدار تلك الرسائل في كتاب يصدر في العام المقبل. وفي هذا السياق أيضأ كان تخصيص دار الجمل لجائزة أدبية باسم سركون بولص.

بقي أن نشير إلى مسألة أثارها البعض وتتعلق بزعم أن سركون بولص كان شاعراً عالمي النزعة، وأنه لا يولي العراق والعالم العربي ولا حتى التراث العربي اهتماماً كما يبدو من قصائده. وهذا زعم مردود على أصحابه لأن سركون كان يحمل همّ العراق وأهله، كما يهتم بقضايا العالم العربي. ولكن بأسلوب شاعري غير مباشر بخلاف الشعر السياسي الصريح الذي يكتبه بعض الشعراء.

أما رؤيته إلى قصيدة النثر فهي تمتاز بوجهة نظر لم ترد عند غيره من شعراء هذا النوع من الشعر. فهو يرى أن قصيدة النثر العربية ليست محاكاة لنظيرتها الغربية كما يقول أنسي الحاج وغيره، لكنها تستمد جذورها من التراث العربي نفسه.

ويقول: "أنا أذهب إلى القرآن الكريم، والتراث العربي.. لا شك في أننا نجد من خلال قراءاتنا للتراث شعراً عربياً غير موزون. وهذه هي النواة لقصيدة النثر العربية". ويضيف:"لقد بدأنا كتابة قصيدة النثر كبديل، وليس كشبيه بمثال يحتذى، كان موجوداً في الشعر العربي".. وكان ذلك في شكل شذرات انتشرت هنا وهناك في مؤلفات موجودة ضمناً في التراث العربي مثل "رسالة الغفران" للمعري، و"التوابع والزوابع" لابن شهيد، إضافة إلى تراث الصوفية كإبن عربي وإبن حزم، وهناك نصوص كثيرة لكنها تبقى شذرات.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]