سهى صباغ

كاتبة لبنانية

فيروز الجميلة عابرة للأجيال

أيّتها الجميلة فيروز، في عيدك أجمل تحيّة، وامتنان لكنزك الفني الذي قدمتيه لنا. نطلب منك الجديد دائماً.

كيفك انت ملا انت
كيفك انت ملا انت

"يا طير، يا طاير على طراف الدني، لو فيك تحكي للحبايب شو بني، يا طير، يا طير.."

محاكاة الطبيعة ومصادقة عناصرها، والتّحليق.. هو التأمّل. يأتي الصّوت ليعيد صياغة الكلمة، "يزيّته" الاحساس. يرسمه، يعيدك إلى الداخل. تحلّق. هل هو الشعر؟ بل هو الفن والأداء الذي يحتوي الشّعر بصوره المختلفة، والاحساس.

حين نذكر فيروز، فلا بد من ذكر الأخوين رحباني، وغيرهما ممن شاركوها فنّها، إن كان من حيث اللحن ونذكر هنا فيلمون وهبي، زكي ناصيف، وعبدالوهاب، وزياد الرّحباني وغيرهم، وفي الشعر أيضاً جوزيف حرب وسعيد عقل وغيرهم..

ولدت فيروز وولدت معها ذبذبات الاحساس. الجينات التي تشكلت مع الإنسان حين كانت الأرض نظيفة كالضّباب. الصّوت والموهبة "هبة"، لكن الثّقافة والنّضوج الفكري، والفنّي، والعاطفي هم اكتساب، وبحث وغذاء. في البدء، كان غذاء فيروز الرّوحي وصوتها، من التراتيل الدينيّة. لم تكرّر الصّلاة "بميكانيكيّة"، بل استوعبت عذاب المسيح، وقضيّته الانسانيّة. انتقلت معاناته إلى أبناء أرضه، وأصبحت معاصرة. دخلت فيروز بالمضمون وتغلغلت، وغنّت زهرة المدائن، "يا قدس يا مدينة الصّلاة، أصلي.. وتابعت: عيوننا إليكِ ترحل كل يوم، ترحل كل يوم.." تعمّقت فيروز بالأغنية، الإنسان، غنّت أجمل القصائد في الحبّ، والحبّ هو البيئة. عاشت الفنّانة الأغنية، لتصل إلى المتلقّي، حقيقة، حواراً، ثقافة مجتمع، وعادات وفولكلوراً. دخلت فيروز إلى وجدان المتلقّي: "كل ليلة عشيّة قنديلِك ضوّيه.. قوي الضوّ شويّ وارجعي وطّي، بيعرفها علامي وبيصلّي لتنامي.." حينها كان اللقاء متعذّراً والحبّ محرّماً. دخلت إلى القلب: "يا ريت، إنتِ وأنا بالبيت، شي بيت أبعد بيت.." وذهب المتلقّي إلى هناك برفقة حبيبه، وصوت صافٍ، ممتلئ بالمناخ الذي يعيشه ويصفه. إحساس يحمل الكلام. هي مدرسة، فهل تعلّم منها أحد ممّن يعرّفون عن أنفسهم بأنّهم فنّانون؟!..


"كيفك إنتَ ملّا إنت" واقتحام جيل زياد

يا طير يا طاير
يا طير يا طاير

تغيّرت الظروف الاجتماعيّة وأصبح الانفتاح أكبر. أصبحت ظروف الأحبّة أسهل لكن بقيت هناك أسباب للفراق، ومع جيل زياد الرّحباني، ابن الفنانة فيروز، ورغم صعوبة النّقلة، إلا أنّها كانت فنّانة متقدّمة، مؤمنة بموهبة ابنها، دخلت معه التجربة المغامرة. الفنّان بلا بحث وتجارب، ومغامرة وإقدام، ينتهي، وما شاءت فيروز أن تنتهي، ولا أن تتوقّف عن الغناء بعد رحيل زوجها ورفيقها بالفن الموسيقار عاصي الرحباني. هي التي لا تتغذّى كي تعيش، إلا فنّاً، غنّت "كيفك إنت ملّا إنت.." فلحق بها جيل زياد، الذي يريد أن يتخطّى الرومانسيّة الأسطورة، للتّعبير عن رومانسيّة واقعيّة. شرحت فيروز حالة اجتماعيّة، بلغة عبثيّة نوعاً ما، لم يعتد عليها جمهورها القديم: هيدي إمّي بتعتل همّي منك إنت ملّا إنت.. (وهنا تشاكسه، تتقرّب منه أكثر أو تغازله، حين تردّد "ملّا إنت" هو الذي لم ترغب به الأم كحبيب لابنتها، فرحل عنها وكما يبدو أنه تزوّج وأنجب، لكنّها تحنّ إليه وتلتقيه صدفةّ ربّما) قصّة ومعاناة كاملة، تعبّر عنها بكلمات مختصرة بسيطة. هذه الفيروز التي جعلوا منها ملاكاً مرتفعاً عن الأرض، ومترفّعة عن الملذّات، واضعين إيّاها في إطار،هي إنسانة تتمتّع بالهضامة، وترغب أن تعيش الحب، ترغب لو تعيد حبيبها. تكمل متناسية الوطن والأولاد، في حضرة سلطان الحب، ككل عاشق: قال صار عندك ولاد.. شو بدي بالبلاد الله يخلّي لولاد.. (ولكن) كيفك إنت ملّا إنت.." هذه "الملّا إنت"، تريد أن ترجعها إلى أيّام الشّباب الأوّل، من دون حواجز بين العاشقين.. وتنهي أغنيتها بسلاسة، ودون رادع اجتماعي لوضعهما: بحبّك انتَ.  


فيروز المشاكسة كابنها زياد "سمّعني العود عالعالي"

بترا درس بالوطنية
بترا درس بالوطنية

فيروز ذات الصّوت "الملائكي" ليست أقلّ مشاكسة من ابنها، المشاكس الأكبر  الفنّان والموسيقي زياد الرّحباني. صحّت النّاس من همومهم اليوميّة، لتخرجهم من أجواء الحرب التي عاشوها، وتعب الأيّام، رافعة الصّوت مستنجدة بـ"عود علي": وعيدا كمان ضلّك عيد يا علي، سمّعني العود، عالعالي.. عيدا كمان.." سلطنة، وصدمة كبيرة كانت هذه الأغنية، لجمهور فيروز"الملاك"؛ وما نفع الفنّان إن لم يقم بصدمات إيجابيّة، وتوعية الناس على المرح غير المصطنع، والمشاكسة، فالإدمان على المثاليّات أو على الكآبة مشكلة.


".. وحتى إنت يا حبيبي مش كاين هيك تكون"

فيروز الحداثة
فيروز الحداثة

تدخل الخشبة في الأسود، يتوّجها الكبرياء كحالها دائماً، قطعة فنيّة، منحوتة بالوقفة، والشكل، والزيّ الفنّي ذو الذوق الرّفيع. تغنّي: "دقّوا المهابيج خللوا الهوا جنوبي، صوت المهابيج ينده يا محبوبي.." ويرقصوا الدّبكة. رجّت الأرض، فجمعت الحبيب البطل، والوطن.

لم تكتب فيروز والرحابنة الدّراسات، ولا التاريخ، ولا الجغرافيا بشكل تقليدي مملّ، بل قدّموهم من خلال أعمالهم الفنيّة الممتعة. بتجربتها مع ابنها زياد، حاولوا لفت انتباه الناس لتفاصيل صغيرة كبيرة، كي ينصفهم التاريخ. كتب ولحّن، وغنّت: "كان غيرشكل الزّيتون" (والعدو الإسرائيلي هو أول الواعين، وكل سنة يقطع شجر الزّيتون) "كان غير شكل البلكون" (انظروا، إلى حضارتنا ومبانينا وبيوتنا القديمة التي تهدم هي وجمالها، وتشيّد المباني المقفلة الزجاجيّة، التي لا علاقة لها بهندستنا وبيئتنا و"البلكون (الشرفة) الذي كان غير شكل" يكاد يختفي، فتختفي معه العلاقات الاجتماعيّة، وتزداد الغربة، وتصبح المباني خالية من الذّوق. أين الزرع الجميل الذي كان يتدلّى، وقصص الحب وفتاة تشاهد حبيبها مارّاً. صديقة تنده لصديقتها أن تطلع لتتناول القهوة..) تُكمل الأغنية: "وحتّى إنت يا حبيبي مش كاين هيك تكون.." اشطحوا بأفكاركم واستنتجوا وستتابعون ما كان، وما تشوّه الآن، ومن كان السّبب بكل هذا..

أغنيات بكلام ولحن السهل الممتنع، ومعان عميقة تحفّر.


المدينة الفاضلة في الثقافة الفيروزيّة الرحبانيّة

مسرحيّات فيروز، كانت عبارة عن ملاحم اجتماعيّة وتاريخيّة، تؤخذ من الماضي، وتُسقط على الحاضر. يرسمون عالمهم الخاص، هي وشريكاها الأخوان رحباني، ومن شاركهم من خيرة الفنانين، نصري شمس الدين، ووديع الصّافي وغيرهما من أسماء. الفن بالنّسبة إليهم قضية، وحياة لا تنفصل عن الراتب، حتى لو تطعّم أحياناً ببعض المثاليّات، كرسم الضّيعة التي تشبه إلى حدٍّ ما المدينة الفاضلة. دخلت فكرة وفلسفة المدينة الفاضلة بسلاسة، إلى كل المشاهدين مهما كان مستواهم الثّقافي.  

في السياسة، وفي مسرحيّة بترا، تقف الملكة أمام عدوّها الذي خطف ابنتها وهدّدها بقتلها، إن لم ترضخ لمطالبه. أفهمته بأنها ليست موضع ابتزاز، والوطن لا يُبدّل بشيء ولا حتى بفلذة كبدها. تَحَرَّر الوطن، فَعَلِمت لحظتها أن ابنتها قُتِلَت!؟.. إنّها فنّانة ملكة، ارتفعت بفنّها إلى مرتبة عالية من الأخلاقيّات والنّبل.


في عصر "الفن الداعشي" تُغَيَّب أعمال فيروز

يسأل البعض، لماذا تغيّب فيروز وأعمالها عن وسائل الإعلام؟

أغلب الشّعوب العربيّة، تفتتح نهارها وصباحها على صوت فيروز، ويغيب عن الكثير من الإذاعات والفضائيّات، التي وجدت أصلاً، لمحاربة الفن الرّاقي بـ"الفن الركيك"، فوصلنا إلى عصر "الفن الداعشي"؛ وهذا موضوع نعود إليه لاحقاً، أمّا أعمال فيروز، فيبحثون عنها ذوّاقوها في كل الأماكن. يستمعون إليها عبر مذياع السيّارة، ويشترون أسطواناتها ويحفظونها في مكتباتهم، يستمعون إليها بأوقات ينشدون فيها الهدوء والرّاحة. "سمّعني فيروز لترتاح الأعصاب" جملة تتردّد غالباً.  


"ايه في أمل" والمبدع لا يشيخ.. شكراً فيروز

فيروز، مع حفظ كل ألقابها، فاللقب الأهم هو اسمها مجرّداً.. كل جديد وجميل آت، مرحّب به، أمّا الأصيل فيبقى بأصالته وجاذبيّته وجماله، كيف وإن كان أصيلاً ومجدّداً كما فيروز، التي لديها جمهور كبير من محبّي الحداثة الفنيّة (رغم أن فنّها القديم أيضاً حديث)، بسبب مواكبتهم لعصرهم الحديث وعصرها الآني هي أيضاً؟ لا يشيخ إلا العاطل عن العمل والإبداع. حين سُئلت مرّة الفنانة الكبيرة صباح، لماذا لم تستمر بالتجديد في فنّها كفيروز، أجابت: من حسن حظّ فيروز أن لديها إبناً كزياد..

"ودقّ ضلّك دقّ، وعي كل البشر الليل مش للنوم أصل الليل للسهر، إنت الدقّيق إنت الذوّيق، سمّعني.."

وفي واقعيّة قصوى، وأيضاً من كلمات وألحان زياد الرّحباني، "إيه في أمل": حبيبي.. ما عاد يلمسني الحنين/ في ماضي منيح/ بس مضى/ صفّى بالريح بالفضا..

أيّتها الجميلة فيروز، في عيدك أجمل تحيّة، وامتنان لكنزك الفني الذي قدمتيه لنا. نطلب منك الجديد دائماً.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]