صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان

العلّة في العرب لا في لغتهم

اللغة العربية الحديثة هي التي تأخذ من العامّيات ما تحتاج إليه، وما يسهّل عليها الوصول إلى الشرائح الواسعة من الناطقين بتلك اللهجات وتقرّبها إليهم في قالب فصحوي يجمع بينهم على مستوى التواصل.

العلّة في العرب لا في لغتهم - صالح الأشمر
العلّة في العرب لا في لغتهم - صالح الأشمر

في هذه العُجالة التي لا تحتمل الإطالة لكونها موجّهة للنشر في وسيلة إلكترونية، أودّ أن أسجّل بعض الملاحظات حول ما يُسمّى بأزمة اللغة العربية الفُصحى.

ينبغي بادىء ذي بدء التنبيه إلى أن المقصود باللغة العربية الفُصحى، هو هذه النسخة غير المُنجزَة من هذه اللغة العربية المكتوبة والمقروءة

في هذه المرحلة الراهِنة من تطوّرها، والتي تُسمّى بحق اللغة العربية الحديثة! وكل اعتراض على هذه التسمية مرفوض من قِبلنا ولاسيما إن 

جاء من قِبَل المُتقعّرين الذين يُقدّسون مستوى تاريخياً معيّناً من العربية الفُصحى مثاله الأعلى لغة القرآن الكريم التي لا يرقى إليها مثال، والمثال الآخر القابل للاحتذاء هو الآثار التي تركتها لنا العصور الذهبية للنهضة اللغوية والفكرية والأدبية والعلمية منذ ما يزيد على ألف عام. هؤلاء يرفضون لا بل يحتقرون أي خروج عن المقاييس والأساليب والقواعد البلاغية لتلك الفُصحى التراثية، وكأنها سبيكة ذهبية صافية باقية بتمام لمعانها وتوهّجها. وهذا وهْمٌ خالص في المنظور العلمي لدراسة طبيعة اللغات وما يطرأ عليها من عوامل البقاء أو الفناء.

-  هذه اللغة العربية الحديثة تحقّق تقدّماً مطّرداً على مستوى التواصل بين سكان العالم العربي بنحوٍ أفقيّ لا يكفّ عن التوسّع. وهذه اللغة الحديثة ليست عامّية مُطوّرة كما يزعم البعض، لأن لدينا عاميّات لا تُحصى فأية عامية من هذه العاميات، أو اللهجات هي الأساس الذي تقوم عليه هذه العامّية المطوّرة المزعومة؟

والصحيح أن اللغة العربية الحديثة هي التي تأخذ من العامّيات ما تحتاج إليه، وما يسهّل عليها الوصول إلى الشرائح الواسعة من الناطقين بتلك اللهجات وتقرّبها إليهم في قالب فصحوي يجمع بينهم على مستوى التواصل. 

- هذه العربية الحديثة هي التي نجدها في أوسع ملامحها انتشارا ًفي لغة الصحافة المكتوبة وفي نشرات الأخبار المرئية والمسموعة وفي برامج المساجلات السياسية وفي بعض المسلسلات المؤلّفة بالعربية الحديثة أو المُدبلجة من المسلسلات التركية أو المكسيكية أو الهندية، أو في بعض الرسوم المتحرّكة. كما نجد مستوى أدبياً من هذه اللغة الحديثة في الشعر العربي المُعاصر وفي القصص وفي المؤلّفات التي تتناول مجالات متعدّدة.

ما تقدّم يدخل في باب الإيجابيات، أما السلبيات فكثيرة نذكر منها:

* الإهمال المتمادية في تعليم اللغة العربية في المراحل الإبتدائية والمتوسّطة حيث لا تزال البرامج متخلّفة وعاجزة عن جذب اهتمام الأطفال والتلاميذ، لافتقادها إلى البساطة والسهولة في المُفردات والجُمَل والسياقات غير الجذّابة وغير المُمتعة.

* غياب الاهتمام الجدّي لتعليم اللغة العربية ونشرها من قِبَل المسؤولين عن القطاعات التعليمية والتثقيفية، وعدم تشجيع القراءة للعموم وغياب الرعاية النزيهة والشاملة للكتّاب والمُبدعين، وتراجُع التأليف في المجالات العلمية والتقنية وما إليها. 

* الأميّة التي لا تزال مُنتشرة على نطاق واسع في الكثير من الأقطار العربية حيث تفيد الإحصاءات بوجود حوالى مئة مليون أميّ وأميّة في العالم العربي، فضلاً عن أشباه الأميّين الذين لا يُحسنون القراءة والكتابة.

* قلّة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية حتى أن ما تترجمه إسبانيا وحدها كل سنة يعادل ما ترجمه العرب منذ عهد المأمون حتى اليوم.

*  أخيراً، من نافل القول إن اللغة العربية الفصحى تمتاز بقدرة لا مثيل لها على الاشتقاق والتصريف والتعريب. كأن نقول مثلاً: دبلجة يدبلج دبلجة فهو مدبلِج بصيغة الفاعل، ومدبلَج بصيغة المفعول. والدبلجة تعريب كلمة Doublage أي تبديل لغة فيلم ومثل: أدلج، يؤدلج أدلجة، فهو مؤدلِج بصيغة الفاعل، والشيء مؤدلَج بصيغة المفعول. تعريب إيديولوجيidiologie.

الخلاصة أنه يتبيّن مما تقدم أن العيب أو العلة في المسؤولين العرب عن الشؤون التعليمية والتثقيفية المقصرين في حق لغتنا العربية الجميلة والخالية من كل عيب أو علّة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]