هناء الحاج

كاتبة من لبنان

الحرية في التعليم والتعلّم ... قبل صباح الخير

الحرية في التعليم والتعلّم قبل صباح الخير لئلاّ نقلّدَ الأسلافَ في خطيئتِهم. وأنا اليوم وأنا أمارسُ أمومتي في التعليم أؤكِّد -في حصّتي على الأقل- أنّ التقويمَ ليسَ جامداً نضعُ علامات لمن يحفظ قاعدة ويطبّقها أو لمَن يحفظ بيت شعر وهذا لا يُلبّي إلاّ مَن يريد الشعور بالاكتفاء في قيادة التعليم.

التعليم طريق المستقبل - هناء الحاج
التعليم طريق المستقبل - هناء الحاج

شيءٌ ما لعلَّه البركة جعلني أحبُّ القراءة والكتابة. أبي أيضاً كان يحبُّ القراءة والكتابة. كنت أكره التعليم إلى أن جعلني أمّاً لأولاد منحوني ثقتهم وآمنوا بي فأصبحت أمّاً لأولاد كثيرين وهذه حكايتي المُقدَّسة.

لا أفعلُ شيئا خارقاً _أنا معلّمة اللغة العربية - أتهيّأُ لاستقبالهم بوجه جميل.

الحريّةُ بالنسبةِ لي قبلَ الدّرسِ، حتّى قبلَ صباح الخير. فأنا أعرفُ تمامَ المعرفةِ أنّني أمامَ أطفالٍ يجهلون لغتَهم ويسخرون منها. وهم بالطبع غيرُ مذنبين إذْ أنهم يمارسون الجزءَ الأهمّ من الوعيِ الجماعيّ، يتشاركون به بين أفراد المجتمعِ كلّهِ. فاللّغةُ هي تلك الرابطة الاجتماعية التي تربطهم بمحيطهم.

نحن إذا تفحَّصْنا الأمورَ تفحّصاً عقلانيّاً نرى أنّ التعميمات المُجحِفة بحق اللّغة قائِمة على تفكير يُعلَنُ من دون وَجل أنّ هناك ثقافة تُحرِّمُ على التلميذ التلذّذَ في لغتِه ويُحرِّمُ على المعلّم التلذّذ في تدريسها. وهذه النظرة الخاطئة جعلت من اللغة حجرَ عثرة في سبيل تطوّرها وارتقائها، وحجر عثرة أمام التلاميذ الذين لا رغبةَ لهم في الاستزادة. وهذا بالطبع يحول دون امتلاكهم تقنيّة استعمالها أو لنقل الرغبة في تعلّم تلك التقنية. أما السؤال لماذا لا نُقرِّبُ القواعد العامة من المُتعلّمين؟ ولماذا نستعمل طريقةَ المُتأخّرين الذين غلبَت عليهم شدَّةَ التعقيد والقوّة؟ أليست اللغة هي مجموعة الكلمات التي نُعبِّرُ بها عن أغراضِنا؟ وإن كان الأمرُ على هذا النحو فلماذا التكلّف والتصنّع؟ ولماذا مازلنا نذهب مذهبَ القُدامى؟ 

صحيحٌ أنّ اللّغات كائنات تنشأ وتنمو ثم تهرمُ وتموت وفقاً لقوانين حتميّة، وصحيحٌ أنّ تحوّل اللغة يسعى بها حتماً إلى الانحطاط لأنّ التاريخ عدوّ اللغة وليس عاملاً من عوامل تطوّرها وتكاملها، إلاّ أنّ على المُعلّم والقارىء والكاتب أن يحافظَ على تماسكِ هذه اللغة، وذلك لا يكون إلاّ باستعمالها استعمالاً صحيحاً من دون أخطاء وهذا بالطبع لا يعني العودة إلى لغة لسان العرب ومُفرداته. اللغة الصحيحة المُبسَّطة تكفي للاستمرار ولسنا بحاجة إلى المزيد، مع الاعتراف الضمني أنّ العودة إلى الأصل أمرٌ ثقافيٌّ ضروري وهام. ولكن لتكن تلك العودة اختيار الدارسين والمُتخصّصين فيتعرّفوا على حاملي لغتهم ويأخذوا صورتهم في التعليم والتعلّم مع كل ما يحملونه من جفاف وتعقيد. 

الحرية في التعليم والتعلّم قبل صباح الخير لئلاّ نقلّدَ الأسلافَ في خطيئتِهم. وأنا اليوم وأنا أمارسُ أمومتي في التعليم أؤكِّد -في حصّتي على الأقل- أنّ التقويمَ ليسَ جامداً نضعُ علامات لمن يحفظ قاعدة ويطبّقها أو لمَن يحفظ بيت شعر وهذا لا يُلبّي إلاّ مَن يريد الشعور بالاكتفاء في قيادة التعليم. 

أما الآن فعلينا مواجهة الواقع، ففي مجتمع مُتحرّك ومُتحوّل لا يكفي النظر إلى الوراء والوقوف على أمجاد القدامى الذين نحترمهم ونُجلُّهم. علينا السعي قُدماً من غير الإساءة إلى لغتنا بالفوضى وقلّة المعرفة. ورغم كل ما كان وما سيكون لنستعدَّ من جديد بكل حواسنا وإمكانيّاتنا للإنسان الجديد الذي سنصيره.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]