سيرج قوشيان

طالب سوري في ماستريخت - هولندا

كيف نحقق التقدّم في العالم العربي؟

"نحن شعب لا يتطوّر". غالباً ما كنت أسمع هذه المقولة عندما كنت أسكن في سوريا في نهاية كل نقاش يدور حول مقارنة الدول العربية مع الدول المتطوّرة حول العالم. وبذلك كان عدم التطوّر مشكلة كبيرة ومستمرة في الدول العربية. لكن عندما غادرت سوريا لأعيش في هولندا، أي بعد معايشتي للحضارة الغربية خلال سنتين، تغيّرت نظرتي إلى هذه المشكلة حيث اكتشفت أن انعدام التطوّر ليس المشكلة، بل هو إحدى نتائج مشكلة أخرى.

الطريقة رقم 1 لتحقيق التقدّم في العالم العربي

في ما يلي ملخص لنقاشنا:

أنا: "إذاً، ما هي  المعلومات التي يجب أن يحفظها الطلاب من أجل الامتحان؟" (توقّعت أنّ دروس كاملة يجب أن تحفظ لتقديم الامتحان كما كان النظام التعليمي في سوريا)

المعلمة: "لا يجب عليك أن تحفظ المعلومات من الكتاب مثلما هي".

هنا أحسست بالاستغراب وظهرت عليّ علامات الفضول كي أعرف ما هي الطريقة الصحيحة!

أكملت المعلمة قائلةً:"في الصف سيكتب كل طالب تعريفاً خاصاً به للمفاهيم الأساسية في المادة ومن ثم سيقارنه مع الطلاب الآخرين ليكتسب فهماً أكبر للدرس من وجهات نظر مختلفة. بخصوص الامتحان، يجب على الطالب أن يفهم الدروس المقرّرة وأن يجيب عن أسئلة تطالبه أن يكتب مقالات أو أجوبة تحليلية بناء على قضايا واقعية".

من الواضح أن هذه الطريقة لا تشبه طريقة "حفظ الدرس كاملاً مثلما ورد في الكتاب" التي يطلبها الأساتذة و ينفّذها الطلاب في الدول العربية.

لا يجب علينا في هذه اللحظة أن نكتفي بالقول أن طريقة التعليم هذه "جميلة" لأنها تعتمد على تفاعل الطالب مع المشاكل الفعلية التي يواجهها العالم من خلال توظيف المفاهيم التي تعلّمها بالمدرسة، مثل توظيف طالبٍ لمفاهيم التنمية المستدامة واستثمار الموارد في مادة الجغرافية لتحليل كيفية مواجهة مشكلة نقص مياه الشرب.

ما يجب علينا فعله هو أن نستفسر عن "هدف هذه الطريقة ومقوّماتها". وهذا ما سيناقشه المقال.


طريقة تفكير جديدة

لنأخذ مثالاً لنفهم ماذا تحقّق عملية التعليم هذه.

في مادة الفلسفة في سوريا يُطلَب من الطلاب حفظ مفاهيم مثل المعرفة التجريبية والعقل. ثم يأخذ السؤال في الامتحان الشكل الآتي: "ما هو العقل؟" بحيث يجب أن يُكتب التعريف كما ورد في الكتاب للحصول على الدرجة الكاملة.

يقابل هذه المادة في مدرستي في هولندا مادة "نظرية المعرفة" التي يتعلم فيها الطلاب عن مجالات المعرفة مثل العلوم الطبيعية (الفيزياء والعلوم مثلاً) والأخلاق. ومن ثمّ يُطلب من الطلاب أن يكتبوا مقالاً تحليلاً عن سؤال مثل ("نحن نعرف بثقة عندما نعرف قليلاً، مع ازدياد المعرفة يزداد الشكط". ناقش هذا القول مستشهداً بأمثلة من مجالين للمعرفة من اختيارك).

بمقارنة الحالتين، نجد أنّه في الحالة الأولى، أيّ في سوريا أو في أيّة دولة عربية، لا يُطلب من الطلاب أن يفكّروا ويبنوا آراءهم الشخصية عن القضايا المحيطة بهم، كما  هي الحال في المثال الثاني، لأن المعلومات تُلقّنُ للطلاب الذين سوف ينسوها ولن يستفيدوا منها في حياتهم العملية.فالطالب العربي الذي تعلّم تواريخ الاستعمار الأجنبي للدول العربية أو أسماء الموارد الطبيعية في الوطن العربي وأماكن استخراجها، لن يملك طريقة تفكير خاصة به لأن حفظه للمعلومات السابقة لا يغيّر من شخصيته أو نظرته للواقع.

وبما أن هذا الطالب يحصل على المعلومات نفسها التي يحفظها زملاؤه في الصف وجميع الطلاب بنفس مرحلته الدراسية في الدولة كاملة، فإن نظام التعليم العربي ينتج أجيالاً تفكر بالطريقة ذاتها، لأن أنظمة التعليم هذه لا تحثّ الطلاب على التفكير الناقد، بل تعمل على تحطيمه من خلال الحفظ والتلقين.

وبذلك نستنج أن المشكلة الحقيقة ليست عدم التطوّر بل هي طريقة التفكير.


التعليم لا يبني طريقة التفكير، لكن من يفعل ذلك؟

التعليم لا يبني طريقة التفكير، لكن من يفعل ذلك؟

الأسرة، بشكل أساسي. بما أن الشباب العربي لا يستفيد من المدرسة لفهم محيطهم، يبقى الأبوان والأفكار التي يورثاها للأبناء الداعم الأساسي لبناء طريقة تفكيرهم. أمثلة هذه الأفكار هي الدين والعادات والتقاليد التي تبني فهم الشاب العربي لمحيطه وهكذا تتشكل طريقة تفكيره.

هذه الأفكار (مثل الدين والعادات والتقاليد) تُورَّث عبر جميع الآباء في الدول العربية، وهكذا تبقى طريقة التفكير العربية متماثلة على الرغم من توالي الأجيال. هذا ما نستطيع تسميته "العقل الجمعي العربي".

نتيجة لتماثل الخبرات التي يحصل عليها الأبناء من آبائهم إلى حد كبير، يبقى التفكير العربي محصوراً بمجموعة من الأفكار التي تحكمه وتحدّه من التطوّر.


كيف يمكن لطريقة التفكير العربية أن تغيّر؟

 يبدأ الحل من تغيير نظام التعليم. لكن لا يجب أن يتغيّر هذه النظام بشكل عشوائي، مثل تغيير محتوى المناهج أو زيادة عدد الدروس في كل كتاب، بل هنالك أربعة مقومات يبنى عليها نظام تعليمي فعّال.


المقوّم الأول: خلق دوافع جديدة

الدافع شرط يجب أن يحقّقه النظام التعليمي للنهوض بالمجتمع (فري بيك)

لنأخذ مثالين في مجالين مختلفين عن مسألة الدافع:

1. في المجال الاجتماعي: ابتكر مارك زوكيربرغ في عام 2004 وسيلة جديدة للدراسة، حيث أنه أخذ صورة تحتوي عملاً فنياً يجب أن يكتب الطلاب مقالة تحليلية عنها وشاركها مع زملائه عن طريق الإنترنت من خلال موقع أسّسه زكربيرغ بنفسه. من ثم قام زملاؤه بكتابة ملاحظاتهم على هذه الصورة لكي يحصل الجميع على معلومات للدراسة منها. بعد فترة، تساءل زكربيرغ: "لماذا لا نستبدل الصوَر بأوجه أشخاص حقيقين بحيث يستطيع الجميع حول العالم رؤية بعضهم البعض لكي نسهل التواصل بينهم؟" هذا كان دافع بناء أكبر منصّة للتواصل الاجتماعي "الفيس بوك" الذي غيّر وسهّل طرق التواصل بين الناس في جميع أنحاء العالم.

2. في المجال العلمي: غادر أحمد زويل من الإسكندرية في مصر ليكمل دراسته في الولايات المتحدة، وكانت إحدى محطاته "معهد كاليفورنيا للتقنية". لاحظ العالم المصري أن مراقبة التفاعلات الكيميائية أثناء حدوثها هو أمر لم يستطع العلماء القيام به سابقاً وأنه لأمر مهم لتطوير مجال الكيمياء. لذلك تابع عمله ليخترع جهازاً يستطيع القيام بهذه المهمة، وهذا ما جعله يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999.

القاسم المشترك بين هاتين الحالتين هو أن كلا المخترعين امتلكا "الدافع". ففي كلا الحالتين هنالك مشكلة حثت المخترع على استخدام معرفته لحلها. بينما تكون عملية التفكير الروتينية للشاب العربي على الشكل الآتي:

الحصول على درجات مرتفعة بالمدرسة من خلال الحفظ المستمر ← الالتحاق بدراسة جامعية ذات مستو عالٍ ← الزواج ← العمل

تؤدي العملية التقليدية هذه إلى تقويض طريقة تفكير الطالب بحيث أن اهتمامه ودافعه يبقى منصباً على تحقيق الأفضل في المكوّنات الأربعة السابقة. وهذا ما يحد من أية دوافع أخرى تطوّر طريقة التفكير وتخرجها من هذه العملية المستمرة. لذلك يتوجب على النظام التعليمي أن يخلق دوافع جديدة بين الشباب.
تطوير القدرات للإبداع في مجال الاهتمام الخاص هو مثال لدافع مهم يجب أن يتم بناؤه بين الشباب. ويمكن فعل ذلك من خلال تغيير طريقة الامتحان. فبجانب الامتحانات الكتابية التي يقوم بها الطلاب، يجب أن يطلب منهم القيام بالبحث أكثر في مجالات اهتمامهم والقيام بأنشطة متنوّعة داخل الصف تخلق هذه الدوافع.


المقوّم الثاني: إعطاء الفرص وحصد النخبة

من خلال دمج معرفة الطالب في المدرسة بالقضايا الاجتماعية، سنحصل على أفراد فاعلين في مجالاتهم. مثلاً: يستطيع الطالب أن يتطوّر ويبدع بشكل أكبر في الفيزياء في حال تدريبه على حل مسائل من الواقع بشكل متواصل عوضاً عن حفظ المفاهيم (مثل السرعة) أو حفظ طريقة حل المسائل المتشابهة.

تغيير النظام التعليمي ليصبح وسيلة لتطوير طريقة التفكير لا يعني أن جميع الخرّيجين سيكونون مخترعين ومبدعين كما في حالتي مارك زوكيربرغ وأحمد زويل. لكن بين مجموعة الأفراد الفاعلين في مجالاتهم سيكون هنالك عدد من الأشخاص الذين يملكون طريقة تفكير مميزة عن الآخرين. يسمّى هؤلاء "النخبة".

لكي تستطيع هذه النخبة أن تقدم كامل إنتاجها للمجتمع، يجب أن تحصل على الفرص والدعم من النظام التعليمي. فكما رأينا في مثال أحمد زويل أنّه قام بأبحاثه في الولايات المتحدة ليقدّم بذلك مساهمة كبيرة للعلم وللعلماء في الغرب عوضاً عن فعل ذلك في مصر. ولذلك يجب أن يقدّم نظام التعليم العربي الفرص لأمثاله كي يقدّموا خبراتهم للدول العربية.

هذه الخبرات والإنجازات تغيّر نظرة الطلاب العرب وتحثّهم على الثقة بقدراتهم وإنتاج المزيد، بعيداً عن التفكير التقليدي القائم على الحفظ في المدرسة والعمل للحصول على راتب للعيش.

 


المقوّم الثالث: الابتعاد عن التعليم المتوارث

النتيجة التي نصل إليها من خلق الدوافع الجديدة هي الخروج عن طريقة التفكير التقليدية

رأينا سابقاً أن كل شاب عربي يكون تفكيره بناء على الأفكار التي يحصل عليها من الأبوين.

لكن لكي يستطيع النظام التعليمي خلق طرق تفكير جديدة ومتنوّعة بين الشباب، يجب عليه عدم تكرار المواضيع نفسها التي يتحدّث فيها الطلاب في منازلهم، كالعادات والتقاليد، بل تقديم مواضيع وقضايا جديدة ومتنوّعة، مثل أن يشارك كل طالب تجربته مع كتاب قرأه وأعجبه.


المقوم الرابع: التفاعل مع الواقع

يتحقّق التفاعل مع الواقع عن طريق تطبيق المفاهيم الموجودة في المناهج الدراسية بأمثلة واقعية لاستيعاب هذه المفاهيم بشكل أفضل. وهذا هو أهم عامل في الخروج عن طريقة التفكير التقليدية القائمة على التعليم المتوارث، إلى طريقة تفكير أكثر فاعلية.

على سبيل المثال: عندما يتعلم طالب في مادة العلوم عن أقسام القلب والدورة الدموية فإنه لا يعرف على الأغلب كيف ستفيده هذه المعلومات إذا عمل كطبيب في المستقبل. لذلك يجب أن تُربط معلومات الطالب في مادة العلوم بالأمراض التي سيحتاج فيها إلى تطبيق هذه المعلومات، لكي يعرف كيف يستخدمها في مهنته وحياته.


خاتمة

ربط المعرفة بالواقع هو أهم عامل في الخروج عن طريقة التفكير التقليدية

إنعدام القدرة على التطوّر لا ينتج من الفراغ. لذلك فإن عدم إمكانية التطوّر هو إحدى نتائج مشكلة أخرى، والمشكلة هي طريقة التفكير المستمرة القائمة على التعليم الأسري المتوارث أولاً ونظام تعليمي قائم على التلقين والحفظ ثانياً، وهذان العاملان ينتجان "العقل الجمعي العربي". بما أننا لا نستطيع التحكم بالتعليم المتوارث ضمن الأسرة، يبقى التركيز منصباً على خلق نظام تعليمي يقوم على تكوين طرق جديدة للتفكير بين الطلاب من خلال ربط التعليم بالقضايا الواقعية لحصد النخبة والخبرات والخروج عن طريقة التفكير التقليدية. من جهة أخرى، يعمل الإنسان دائماً بسبب دافع معين لتحقيق هدف محدّد. وبذلك عندما يغيّر النظام التعليمي الدوافع التي يملكها الطلاب في الدول العربية، تتغيّر الطريقة التي يتصرفون بها والنتائج التي يحصلون عليها. هذا هي الطريقة رقم 1 لتحقيق التقدّم العربي.


 
}