صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان

يحتفل به العالم اليوم... إليكم أصل عيد رأس السنة ومعناه

يحتفل العالم اليوم بعام ينصرم ليستقبلوا عاماً جديداً. لكن لليلة رأس السنة أصول تضرب عميقاً في التاريخ. إليكم أصل ليلة رأس السنة عند الشعوب وفي الأديان القديمة.

يحتفل به العالم اليوم... إليكم أصل عيد رأس السنة ومعناه

أفضل مكان أقضي فيه ليلة رأس السنة هو المنزل، مع إبريق من الشاي وكتاب، وربما شاهدت فيلماً بالأسود والأبيض أتسلى فيه برؤية فريد الأطرش وسامية جمال في بعض قصص الغرام الساذجة، وأتمتع خصوصاً برقصات هذه الفنانة النادرة التي تدير أصلب الرؤوس باستدارة قوامها وحركاتها الرشيقة وابتسامتها المغرية.
أما لماذا لا أحتفل بعيد رأس السنة ولا يعنيني كيف أقضي ليلته التي هي عندي كسائر الليالي، فلأنني لا أحفل بعدد سنوات العمر التي أعلم أنها تنقص في كل يوم وليلة ...ولأنني لا أفهم لماذا كل هذا الاهتمام بإحياء مناسبة لا يعرف المحتفلون شيئاً عن أصلها وفصلها، وهي في الحقيقة تشويه "حضاري" معاصر لتقليد زراعي وديني قديم يمجد الخصب والرخاء الذي تغدقه الطبيعة على الناس منذ القدم.
وذلك أن الاحتفال برأس السنة كان ابتداؤه قبل مئات السنين من اعتماد التقويم الشمسي في مدينة بابل  في العراق.

وكان هذا الاحتفال يبدأ مع الربيع في أواخر شهر آذار ويستمر 11يوماً. في اليوم الأول يستيقظ الكاهن في المعبد قبل نحو ساعتين من منتصف الليل ويغتسل بماء الفرات المقدس ثم يتلو ترنيمة للإله ماردوخ، إله الزراعة الأكبر، يسأله أن يزيد من العطاء والخير في مواسم الحصاد في العام الجديد.

ويتلو ذلك عرض مسرحي تكريماً لآلهة الخصب الأخرى ومسيرات يتخللها الرقص والموسيقى والتنزه في الحدائق والحقول، تنتهي عند مبنى يسمى "دار العام الجديد" ويكثر الناس من تناول الطعام والشراب كعربون على تقديم الشكر لماردوخ لما أفاضه عليهم من خيرات الأرض في العام المنصرم.
أما في مصر فكان الناس في مثل هذه الأوقات يقصدون المقابر لزيارة الموتى لأنهم يؤمنون بالخلود..ثم يخرجون إلى الحقول في مواكب يرفعون فيها الزهور والرياحين (أصل عيد شم النسيم )، وتستمر احتفالاتهم الراقصة والتنعم بالأكل والشرب خمسة أيام يقتطعونها من أيام السنة ولا يحتسبونها في التاريخ.
ولما دخل الفرس مصر نقلوا هذه العادات إلى بلادهم وأطلقوا على هذه الاحتفالات اسم "عيد النوروز"، ومعناه بالفارسية "اليوم الجديد".
وكان الرومان أيضاً يحتفلون برأس السنة في الـــ 25 من شهر آذار. وكان الأباطرة يتلاعبون بالاشهر والسنوات لإطالة مدة حكمهم المحدودة إلى أن قرر المجلس الروماني نقل رأس السنة إلى الأول من شهر كانون الثاني. وقد اعتمدت الكنيسة هذا التاريخ من دون أن تضفي عليه صبغة دينية، وبذلك انفصل رأس السنة عن أصله كعيد زراعي ديني.
وتحول عيد رأس السنة في العصر الحديث إلى مناسبة علمانية لا علاقة لها البتة بميلاد السيد المسيح، ولا بمواسم البذار والحصاد طبعاً.
ولم يبق من أثر للأصل الزراعي والديني لهذه المناسبة سوى أشياء بسيطة لا تذكر، مثل الإكثار من الاكل والشرب في عموم البلاد التي تحتفل برأس السنة. مثل صنع نوع من الحلوى في بريطانيا حيث يتمنون الأماني وهم يمزجون مكونات هذه الحلوى وتكون حركاتهم باتجاه عقارب الساعة لأن في ذلك مجلبة للحظ في اعتقادهم.
وفي إيطاليا ينوعون الأطعمة في هذه الليلة لأن ذلك يجلب الخير المالي في السنة الجديدة.
وفي الدنمارك يلقون أطباق السنة المنصرمة على أبواب الجيران، ومن يجد في الصباح أطباقاً كثيرة على باب داره فهذا دليل على أنه سيكون سعيداً في العام الجديد.
وفي كاتالونيا بإسبانيا تقليد يتمثل في طفل يتغوط كرمز للأسمدة المخصبة للتربة.
أما في فرنسا فإنهم يكثرون من الضجيج ليلة رأس السنة لاعتقادهم أن ذلك يطرد الأرواح الشريرة. ولعل هذا الاعتقاد وراء خروج  اللآلاف بمسيرات صاخبة تبلغ ذروتها في الثواني الأخيرة المتبقية من العام المنصرم يدخل بعدها العام الجديد، وسط دوي المفرقعات والألعاب النارية الضخمة وهياج الجماهير السكرى والمخدرة بوهم سعادة يأملون أن ينعموا بها في العام الجديد.


 
}