نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

من كنف عائلة تجوّد القرآن خرجت ... ولاء الجندي تطوّع الطرب

داخل بيت درَجَ على التلاوة القرآنية نشأت. تلك التلاوة المُتردّدة في أرجاء الطرب الأصيل الواسعة، اختزنتها ولاء الجندي في ذاكرتها، حتى صارت الأغاني الطربية مطواعة عندها ولا يعصى عليها شيء.

ولاء الجندي (21عاماً) إسم لامع وواعد في مجال الفن غناء وعزفاً، حقّقت فوزاً مُبكراً في أكثر من موقف على أبواب الخروج من مرحلة طفولتها، فقد نشأت في بيت درَجَ على التلاوة القرآنية، المُتردّدة في أرجاء الطرب الأصيل الواسعة، فاختزنت في ذاكرتها ما سمعته في البيت من فنون الغناء العابرة بعمق للأجيال السابقة، ولعمالقة الطرب الأصيل.


حازت على تأليف وتلحين "ما عاد حبيبي يسأل عنّي"

حلّت ولاء ثانية في مسابقة غناء في برنامج "غنّي مع غسان" للفنان غسان الرحباني، وهي في الرابعة عشرة من عُمرها، فغّنت بسحر "حب إيه"، و"لسّه فاكر" لأمّ كلثوم، وبنتيجة المسابقة، حازت على تأليف وتلحين أغنية منه، هي الأولى الخاصة بها، وهي "ما عاد حبيبي يسأل عنّي".

ورغم جمال الأغنية ورقّتها، وقبولها بها، لكنها لا تُعبّر عن طموحها الفني مستقبلاً، كما تعلّق بتحفّظ.


إختارت ولاء "مضناك"، مُسترجِعة زمن طفولتها الأولى

بعد الفوز في مسابقة الرحباني، عكفت ولاء على الدراسة، حيث كانت قد نالت الشهادة المتوسّطة، فابتعدت عن الغناء، وحافظت على تعلّم العزف على العود على يد أستاذ خاص، تُعطي لكل حقل وقته، وظلّت على هذه الحال حتى دخولها الجامعة. 

على أبواب الجامعة، عندما أرادت استئناف الغناء، كان برنامج "ذي فويس" على محطّة "أم بي سي" يجذب الفنانين، والجمهور، فتقدمّت للمشاركة، به، ومن البديهي أن تدخله بسهولة.

لحظة أدائها لمقطع من الأغنية التي تقدّمت بها أمام لجنة التحكيم، وهي أغنية محمّد عبد الوهاب "مضناك"، خطفت ولاء الجندي ألباب أفراد اللجنة الذين دُهِشوا لدى سماع صوتها الصافي، وطبقتها العالية، "جحدت عيناك زكي دمي".

كانت ولاء مُدهِشة في أدائها غير المُرتَقب، ما حدا بأعضاء لجنة التحكيم على "خطفها" بسرعة من دون تردّد. كاظم الساهِر دُهِش، ولم تستطع شيرين كتم مشاعرها. فتوجّهت من الساهِر قائلة تكراراً: "مش طبيعية..مش طبيعية". أما صابر الرباعي، فكان الخاطِف السريع، وربما لم يكن ذلك من حُسن حظها في التطوّرات التي اتّخذها البرنامج لاحقاً. 

إختارت ولاء "مضناك"، مُسترجِعة زمن طفولتها الأولى، يوم كانت تنصت لجدّها، صاحب الصوت الجميل في التلاوة القرآنية، والإنشاد الديني، والأغاني الطربية العتيقة، وكانت "مضناك" من مُفضّلاته. تقول ولاء: "من جدّي، سمعت أغنية مضناك للمرة الأولى، ولفتتني الأغنية، ولفتني الأداء الذي قدّمه، وانجذبت إلى سحر الطرب الأصيل معه الذي كان يؤدّيه دائماً".

 


يعيش بيت الأهل الجوّ الطربي

لم تخف ولاء التحدّي، واختارت في مسابقاتها أصعب الأغاني أداء من المقامات الثقيلة للطرب الأصيل، اللون الذي تحبّه، والذي نشأت عليه، فإضافة إلى الجدّ، يعيش بيت الأهل الجوّ الطربي عينه، عبر الراديو أو التسجيلات الصوتية. ولما حان وقت الظهور، غنّت للمرة الأولى "جيت بوقتك فرفح قلبي"، وهي لملحم بركات، وكانت واقفة على شرفة منزلها، صدحت بها لدى إطلالة والدها "جود" عائداً من ضنى العمل النهاري الطويل. 


الأغاني الطربية مطواعة عند ولاء
الأغاني الطربية مطواعة عند ولاء

الأغاني الطربية مطواعة عند ولاء، لا يعصى عليها شيء. تغنّي لأمّ كلثوم، ومحمّد عبد المطلب، ومحمّد عبد الوهاب، ووديع الصافي، وفيروز، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، ومختلف ألوان الفن الغنائي الأصيل. ولا يستغرب المرء أن تعرف أغانٍ لم تسمع بها بقية الناس العاديين. وفي برنامج "ليالي الكويت"، عزفت الفرقة، وهي شاركتها عزفاً على العود "كل ده كان ليه"، و"مضناك" لعبد الوهاب، و"يا دارة دوري فينا" لفيروز، و"يا ليل الصب"، وكادت تكون مديرة البرنامج أمام مذيعين مُتخصّصين في الفن.

 


تتطلّع ولاء إلى المستقبل بأمل كبير

في مسابقة "ذي فويس"، لعبت بعض تطوّرات البرنامج دوراً لم يكن في صالِح ولاء التي توقّع لها كثيرون من النقّاد والخبراء الفنيين الفوز بالمرتبة الأولى. فقد تواجهت في المسابقة عن فئتها مع التونسية "محرزية الطويل"، وتعتبر ولاء أنها ظُلِمَت بالنتيجة، لكنها تستدرك بالقول: "في النهاية كلها لعبة، فيها خسارة وفيها ربح"، مؤكّدة أن ذلك لن يؤثّر في مسيرتها الفنية التي تطمح إليها، ولافتة إلى أن البرنامج أفادها كثيراً، كتجربة، من جهة، وكصيت، من جهة ثانية.

ومن فوائد المشاركة في البرنامج، بحسب ولاء، تعرّفها إلى أحد الفنانين اللبنانيين الشهيرين، جان ماري رياشي، وتقول ولاء: "كنت أحب أعماله، وأتمنّى أن أخوض تجربتي معه قبل أن أتعرّف إليه، وفوجئت، وفرحت، بوجوده في البرنامج، فقد كانت الفرقة العازِفة فرقته. من جهته، أحب ما قدّمت في البرنامج، ونهاية البرنامج، أثمرت عقداً مشتركاً لمواصلة العمل الفني معه، وأتمنّى أن نثمر عطاء جديداً، يجمع بين الأصالة والطرب، والتذوّق الشعبي". 

أضافت: "ليست الأمور سهلة. التحدّي كبير في ظلّ الظروف الاستهلاكية السريعة التي نعيش. وعملنا يسير ببطء، لكن أملنا كبير في أن نقدّم تجربة فنية جديدة يحبّها الجمهور، ومن الصعب أن تجد أغنية حديثة يردّدها الجمهور، ويطرب عليها، لذلك نلاحظ غالبية الفنانين يعودون للأغاني القديمة، أغاني ما نسمّيه الزمن الجميل. ونحن نسعى إلى نمط جديد، ونعمل أيضاً على تجديد أغان قديمة".


الناس بحاجة لأغنية سريعة

تتطلّع ولاء، وهي لا تزال في مُقتبل العُمر، إلى المستقبل بأمل كبير، ف"طموحي كبير بلا حدود، وأطمح مستقبلاً لبناء شركة تجمع مختلف الفنون المُتقاطِعة، من الهندسة الداخلية (اختصاصي)، إلى الرسم، والموسيقى والغناء"، كما قالت واثِقة من نفسها، وهي تعلّمت العزف سماعياً في غالبه، ومنذ سنوات طويلة، وتقول: "لم أتعلّم "النوتة" إلا لخمسة أشهر فقط".

وبهكذا روحية، لا تأبه ولاء لخسارة مسابقة "ذي فويس"، فــ "الحياة تجارب، وأمامنا مشوار طويل"، تقول ولا تنتقد الفنون بسلبية، بل بتحليل منطقي ينمّ عن تجربة مُبكرة، وحُسن اطّلاع، فتقول عن الفن الحديث، السريع والرائج، إنه ربما يكون حاجة للناس في عصر كل ما فيه سريع.

تقول: "لم يعد الجمهور يتحمّل الاستماع إلى أغنية من عشرين أو ثلاثين دقيقة. إنما يحتاج إلى موسيقى سريعة، إيقاعية، تدخل الأذن بسرعة، وتخرج بسرعة، ولذلك تعتمد الكثير من الأغاني على مقام "الكورد"، الناعِم والخفيف. أكثر الفنانين يعتمدون هذا النمط".


أما المقامات الشرقية الثقيلة المُتضمّنة تنوعاً في اللحن من مقام إلى آخر، فــ "هذه قليلة في أيامنا"، بنظر ولاء، التي تُضيف: "لا يكفي أن يكون الصوت جميلاً، لأنه يحتاج إلى ثقافة فنية، موسيقية، تُمكّن صاحبه من حُسن الاختيار لتقديم أغانٍ جميلة وراقية وقابلة للاستمرار الطويل والحياة".

ولاحظت ولاء أن التركيز كان سابقاً على الصوت، و"اليوم على الإيقاع والموسيقى الصاخِبة التي تطغى على صوت الفنان، ولا أعرف إن كان ذلك مقصوداً، أم عفوياً".

تمضي ولاء في تجربتها مع الرياشي للسنوات القادمة، غير خائِفة من مصادرة طابعها الخاص، وطموحاتها، وتنتظر أن تقدّم فناً جديداً، وبالانتظار، يجري العمل البحثي في الألحان، والأصوات، وما الذي يجب عمله، وتقدّم بالتعاون معه حفلات في لبنان وبلدان مختلفة، منها الخليج العربي، وعلى الأخصّ دبي وقطر، ولها ذكريات طازجة جميلة مع حفلات النساء الخليجيات "اللواتي أدهشنني بحبهنّ الكبير لفيروز، وأنا غنّيت لهن الكثير من أغانيها". 

المشوار طويل مع ولاء الجندي، والحديث يحمل تشعّبات كثيرة، وكبيرة بحجم طموحها.