نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

محيط أعمال في معرض "حبر المسافة" لرودي رحمة

"حبر المسافة" يطرح تساؤلاً عن ماهيته، معرض هو أم محيط؟ والزائر يختار التعبير المُتناسب مع تفاعله مع الأعمال المنتشرة من خارج الصالة، إلى ممرّاتها، ففسحاتها التي تعصى على القدرة على احتواء الكمّ الكبير من الأعمال.

لا يمكن تحديد وصف لرودي رحمة الفنان، نحتاً، ورسماً، وشعراً. عنده أسلوبه الخاص الذي قد يميّزه عن الآخرين بمجرّد نظرة إليه، لكن المضامين والمعاني التي يلجأ إليها، تمتد بسلسلة من التفاسير العابرة بين الروحاني- الصوفي، والمادي، بين الديني والعقلاني، بين الانطباعي والكلاسيكي والتجريد. تنوّع يمكن رصد جذوره ابتداء من نشأته الأولى في مدينة بشرّي الجبلية المتصومعة عند سفح جبل الأرز، وعلى كتف الوادي الذي يستلهم منه الموارنة ثقافتهم الأولى، أي وادي قاديشا المعروف بوادي قنّوبين حيث عاش عشرات الرهبان مُتنسكّين بعيداً عن العالم.

يبدأ رحمة ببشراويّته التي لا بدّ من تأثير جبراني عليها، إن بشكلٍ مباشر مقصود وعن سابق إصرار وتصميم، أم بشكلٍ عفوي نظراً للظروف التي عاشها جبران والتي هي ظروف كل من يحيا في هذه المنطقة، كذلك لِما لجبران وأعماله الفنية والأدبية والفلسفية من تأثير فارِض على محيطه.

يمكن تلمّس جبران في روحانيّات رحمة المُصاغة نحتاً، وفي لغته الشعرية المنسابة انحدارات حاملة معها ثلوج الجبال، وبرودة المناخ، والصخور الراقِدة فوق رؤوس الناس وبيوتهم، تشكّل لهم منحوتات طبيعية تلقائية المسير.

لكن رودي رحمة لم يعد بشراوياً بحتاً، ولئن بقي عليه بعض من  الأثر الجُبراني، لكنه في انتقاله إلى المدينة، بيروت وجوارها، وتنقّله بين مختلف عواصم العالم، واحتكاكه بمختلف الثقافات والعقائد، لم يبق مسيحياً- مارونياً حصراً، وإن ظلّت مسيحيته المارونية حاضرة في أعماله بوضوح، لكنه تحوّل إلى مزيجٍ ثقافي عقائدي مُتنقّل بين التقليد الذي جاء منه، وبين الحداثة التي ذهب إليها في بيئات ومجتمعات مختلفة حول العالم.

هو مُتديّن، مثالي الهوى، ونظراً لتفاعله مع الآخرين من مختلف المشارب، تتضمّن أعماله النزعات المادية العقلانية. يتجاوز مسيحيّته الخجولة، المُحجّبة، العفوفة، العُذرية ليتشظّى باتجاهات مختلفة، نحو التحرّر، والانطلاق، والعبث بالرؤى المُتواردة إليه أحلاماً صافية، ونزعات انطلاق وانخطاف في الأعالي نحو السماء بما هي مفهوم ديني، ونحو المجرّات بما هي مفهوم علمي لا حدود للعقل على تتبّع نهاياتاها.

في تعابيره يتناول الجسد بالرؤية الجُبرانية، المُتراوِحة بين الحقيقة والهيولى، وهي رؤية مسيحية بامتياز، لكنه ينتقل على هواه بالجسد ليعبّر به عن الانطلاق كيفما شاء وحسب رغباته، من دون حدود، ولا حواجز.

وبالنسبة للشكل، يتمتّع أسلوب رحمة بالغزارة أولاً، وبالدقّة المُتناهية ثانياً، وبالقدرة على التعبير بشكل يُلامس الحقيقي المُطلق، ثالثاً. يحدوه مفهوم أن الفنان هو مَن يستطيع التقاط لحظة، أو بُرهة، أو ثانية، يحدث فيها أمر ما، ولا تتكرّر، فيجسّدها في عمله الفني لوحة، أو نصباً، أو لحناً، أو كلمات شعر. لذلك تبدو أعماله محاولات تطويع للمواد التي تُحيط به، من الخشب، إلى الحجر، أو الحديد، ومتى أحبّ الخروج عما هو مُقدّم إليه من الطبيعة، صهر "برونزه"، وأخرجه بتقنيته الفذّة ناطقاً بما يريد هو، وبما يختلج في نفسه من رغبات، ونزوع نحو الانخطاف المُطلق.

عابراً صالة الزاخم في جامعة البلمند في الكورة اللبنانية، هناك يمكن قراءة رودي رحمة بتمعّنٍ، من دون عناء، في المعرض الوسيع الذي أسماه "حبر المسافة"، ضمّ كافة أصناف أعماله، التي يصفها بأولاده، يرعاها كمن يرعاهم، ويُنضّدها، ويُصفّفها بما هو مُتاح بأعلى مراتب الذوق، والشفافية، مُطلقاً عليها االتسميات التي تُعبّر عما يختلج فيه، لكنها قد تحمل معانٍ مختلفة بما تختزنه من تنوّع رؤى، وتعدّد تصاوير، ولو في المنحوتة الواحدة.

من عناوينه على سبيل المثال لا الحصر: "المدى" منحوتة لجذع شجرة حوّل ببساطة إلى ما يشبه الديناصور، ومثلها خشبياً "راحة نسر"، برونزياً "تناقل الحضارات"، ثم التصاعدية في مجموعة واسعة من الأعمال المُتلاصِقة والمتواصلة بالأجساد البشرية الراقِصة بكيريوغرافية فذّة تشكّل عالماً قائماً بحدِ ذاته، "كلام الأصابع" في منحوتتين سوداء وبيضاء وفيها الكف يكاد يتحدّث حركة ودقّة تعبير، "دائرة الحب" بجسدين يتمم كل منهما نصف الدائرة، "جاذبية"، "إيقاع"، "بكفي"، و"أبدية الحب"، و"وقعة أمل"، و"الأرواح الراقصة" كتعبير جبراني لكنه منحوتة واقعية قد تتشكّل في رقصة يؤدّيها ثُنائي، آدم وحواء وكأن واحداً يتلقّى آخر هابطاً من السماء، لكن العمل يستلهم احترافية الأراجيح الباهِرة التي يؤدّيها ماهرون في التأرجّح. ويصل ذروة عنونته المادية بمنحوتة "تناقض الوحدة"، والتّوق للحرية بمنحوتة "شعلة الحرية".

عشرات العناوين الأخرى متوافرة بين هذه النخبة من أعماله الغزيرة، لكنها الفائِضة كماً ونوعاً، لا تخلو من الكثير من التجريد، وبعض الانطباعي، ولا يتردّد في صنعِ بعض البورتريهات لأشخاصٍ أحبهم، واستلهم ثقافتهم وعقلهم، في المقدّمة إبن مدينته جبران خليل جبران ومحبوبته ماري هسكل، وسعيد عقل، وشارل مالك، والمسرحي الراحِل ريمون جبارة وسواهم.

"حبر المسافة" يطرح تساؤلاً عن ماهيته، معرض هو أم محيط؟ والزائر يختار التعبير المُتناسب مع تفاعله مع الأعمال المنتشرة من خارج الصالة، إلى ممرّاتها، ففسحاتها التي تعصى على القدرة على احتواء الكمّ الكبير من الأعمال.

رحمة يتحدّث عن المعرض وأهم ما فيه صرخة الجسد، كما قال، مُضيفاً إن المعرض هو "بين الطبيعة التي نعيش في طفولتنا، وبين ربنا الذي عندما نكبر نشعر أنه يصغر فينا، لكن لكي يصبح في دقات قلبنا أكبر".

ويتناول انطباعات ممارسته النحت فيقول: "نلاحظ الأحرف، والصخرة المتحرّكة، التي تكسر ذاتها لكي تمشي، ولا يبقى الجماد أمامنا جماداً، بل يصبح مُتحركاً بالنسبة للفنان، وكم أن هذا العالم كله يقرأ فيه الناس، خصوصاً الفنان، الأشكال ما وراء الطبيعة، والماورائيات التي نراها في السماء التي تظهر بعيدة جداً، لكنها قريبة بالنسبة لي".

أضاف: "عندما نغمض أعيننا نرى مجرّات ومجرّات أكبر بكثير من كل ما نراه أمامنا. من هنا، عندما نغطّ حبر المسافة بالجو العالي، نستطيع أن نكتبه بصورةٍ وذكريات ولا أروع، وطرقة الإزميل يمكن تكون حاملة كل القوّة والصلابة لجسدٍ لكي يوصلنا لأنعم الأشياء في الحياة".

ويعرض مشاركته في معارض عالمية بطريقته الشعرية": "حبر المسافة" اليوم هو الذي أتى بي من عدّة معارض، من اللوكسمبورغ، وباريس، وامستردام، وميامي، وموناكو، ولندن، ونيويورك، وصولاً إلى دبي وأبو ظبي، إلى أن عدت إلى هنا. و"حبر المسافة"، جمع ذاته حتى صار نقطة، بقلب البلمند وهو يحكي عن ثلاثين سنة من الأساسات".

وعبّر عن رؤيته لما يتميّز به الفنان: "هناك صرخة واحدة تصرخها الأجساد التي نراها أمامنا، تلبس ريحاً، وهذا الريح يتجمّد بلحظات، لأن أصعب الأمور في النحت أن تلتقط لحظة وتنحتها، أو لحظة لترسمها، أو لتقولها بيت شعر".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]