محمد علي فقيه

صحافي انضم إلى قناة الميادين منذ تأسيسها

الأسير فؤاد الشوبكي.. بطل عملية "كارين إيه"

أعلنت عائلة فؤاد الشوبكي أن تدهوراً خطيراً طرأ على صحّته وهو في المعتقل، وتم نقله قبل نحو أسبوعين إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع.

فؤاد الشوبكي مع الزعيم الراحل ياسر عرفات
فؤاد الشوبكي مع الزعيم الراحل ياسر عرفات

الحِصارُ الإسرائيلي للشعبِ الفلسطيني واعتداءاته اليوميه يُعيدُ إلى الذاكرةِ كل المحاولات البطولية التي حاول  بعض القادة الفلسطينيين التصدّي من خلالها لهذا العدو. فما حدث في الأيام القليلة الماضية يُذكّرنا بالمحاولة التي قام بها "شيخ الأسرى الفلسطينيين" أو "قبطان فلسطين" اللواء فؤاد الشوبكي الذي حكمت عليه المحكمة العسكرية الإسرائيلية بالسجن 20 عاماً بعدما اتّهمته بأنه وراء عملية سفينة " كارين ايه" التي خطفتها إسرائيل في البحر الأحمر في الثالث من يناير - كانون الثاني 2002 التي يتردّد الكثير من المسؤولين الفلسطينيين في القول إنها «قتلت أبو عمار»، وكانت السبب الرئيس لعدوان مارس - آذار 2002.

فشلت قمّةُ "كامب ديفيد" التي بدأت في 11 تموز/يوليو عام 2000، وانعقدت على مدى  أربعة عشر يوماً من المفاوضات المُكثّفة بين الوفدين الصهيوني والفلسطيني تحت الرعاية الأميركية، على إثر رفض عرفات للمُقتَرح الخاصّ بوضع القدس، والذي قدّمه رئيس الوزراء الإسرائيلي أنذاك "إيهود باراك"، والمُتضمِّن لاقتراح ضمّ تجمّعات استيطانية هي "معاليه أدوميم" و"غِفعات زئيف" و"غوش عتصيون" إلى القدس، والاكتفاء بمنح السيادة للفلسطينيين على بعض القرى التي جرى ضمّها إلى القدس بعد العام 1967.

ففي تلك القمّة تعرّض عرفات إلى ما يُمكن تسميته مؤامرة مزدوجة من الراعي الأميركي للقمّة الرئيس بيل كلينتون وإيهود باراك معاً. فقد كان الهدف من الإتيان بالرئيس عرفات إلى تلك القمّة هو حشره في الزاوية وممارسة أقصى أنواع الضغوطات عليه، للقبول بالإملاءات والشروط الإسرائيلية التي حدّدها باراك مُسبقاً.

 وكان باراك قد سارع مباشرة بعد انسحاب جيشه المُحتل من الأراضي اللبنانية للضغط على البيت الأبيض والخارجية الأميركية لعقد هذه القمّة التي كان يهدف منها الضغط على عرفات لقبول مُقترحاته، والتغطية على فشله في لبنان وانسحابه من دون أي قيد أو شرط. فقد سيطر على الشارع الفلسطيني مزاج سوداوي بعد التطوّرات التي شهدها لبنان، والتي أدّت إلى الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من جنوبه في 25 أيار/مايو 2000، مما كان له من أثرٍ مباشر على نُشطاء قواعد التنظيمات الفلسطينية، الذين استمعوا إلى نداءات الكفاح المُسلّح التي أطلقها الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، الذي توقّع في شباط (فبراير) من العام نفسه، بأن الفلسطينيين سوف يُحبَطون من مفاوضات الوضع النهائي مع إسرائيل. وبذلك نجح نصر الله في مخاطبة قلوب الفلسطينيين، حيث قرن قوله بالعمل؛ فنجح حزبه في دفع إسرائيل إلى الهروب من لبنان من دون أن يتراجع عن مطالبه السياسية ولا عن استراتيجية الكفاح المُسلّح.

وقد أدّت "الضربات الموجِعة" على رأس عرفات وحشره في الزاوية، من فشل "كامب ديفيد" الثانية  والانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وما عكسه من يأسِ الفلسطينيين من تجربة المفاوضات، إلى الضغوطاتُ الدوليةُ والصهيونيةُ وحتى الفلسطينية الداخلية في أقصى درجاتها على عرفات، في أن يتّجه نحو خيار الانتفاضة، محاولةً منه لممارسة ضغط على الحكومة الصهيونية وكسر تعنّتها، عبر المناورة بين الأداتين السياسية والعسكرية. فالرجل توتّرت علاقتُه مع الإدارة الأميركية بعد فشل مباحثات "كامب ديفيد"، ومن ثم ازدادت سوءاً بعد أحداث 11 أيلول - سبتمبر 2001، وإعلان الحرب الأميركية على "الإرهاب"، ووضع عرفات في مصاف "المارقين - محور الشر"  .

اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) في 28 أيلول (سبتمبر) 2000، وبدأت الحرب من فرض الحِصار على الرئيس عرفات في مقر إقامته في مقاطعة رام الله وحتى تاريخ وفاته في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004.

في 17 نيسان – أبريل 2002، اجتمع وزير الخارجية الأميركي كولن باول مع عرفات داخل مقرّه المُحاصَر لـمدة ثلاث ساعات لـم تسفر، وفق ما صرّح به عرفات نفسه، عن أي مخرج للنزاع. غير أن عرفات أكّد لباول، وبكلـماتٍ شديدة الوضوح، أنه في حال اقتحام الإسرائيليين للـمقرّ فسيموت شهيداً ولن يسمح لهم باعتقاله أو طرده. عُـقِد اجتماع آخر بينهما بعد ثلاثة أيام، وانتهى بلا نتيجة هو الآخر. غضب عرفات، وقال للمُقرّبين منه: "باول يتحدّث معي كأنه مبعوث لشارون. أمن، أمن... لإسرائيل بالطبع. أنا هنا مُحاصَر، والـمناطق الفلسطينية كلها مُطوّقة وتتعرّض لهجوم. رجال ونساء يُقتلون يومياً، وجيش الاحتلال يُدمّر ويُخرّب. ولا يتحدّثون إلا عن أمن إسرائيل!".

في هذه الأجواء المؤلِمة ولِدَت فكرة السفينة "كارين إيه" التي كانت تحمل أسلحة نوعية للفلسطينيين لتشكّل نقلةً حقيقيةً في نوع الأسلحة وكميّتها؛ كان بإمكانها أن تفرض وقائعَ جديدة على الأرض، فبعد خطف السفينة قال شارون "إنها تكفي لشنّ حروبٍ لمدة ثلاث سنوات."

يقول عاموس غلبوع، العميد احتياط في الجيش الصهيوني، في  كتابه "حدثٌ دراميٌّ في البحر الأحمر" الذي نُشِر قبل أسابيع عدة في إسرائيل ويكشف فيه عن تفاصيل جديدة حول عملية السيطرة على السفينة "كارين إيه"، وهي العملية التي أطلق عليها الجيش الصهيوني إسم "عملية نوح": "مثلما كان جلب تلك الشحنة تحوّلاً، فكان كشْفُها والسيطرةُ عليها تحوّلاً هاماً كذلك". ويُضيف: "جاءت فكرة السفينة "كارين إيه" لتثبّت الموقف الأميركي والغربي من عرفات، وخصوصاً أن تعاونه في جلب السفينة كان مع إيران وحزب الله.

ويقول غلبوع: "أدرك عرفات منذ بداية الانتفاضة أن ما لديه من سلاح لن يمكّنه من المناورة عسكرياً بشكلٍ جيّدٍ، وخصوصاً أمام قوّة البطش الصهيونية التي كان يُدير دفّتها شارون في ردع الانتفاضة".

في صبيحة الرابع من يناير - كانون الثاني 2002، خرجت الصحف الإسرائيلية بعناوين عن تنفيذ إسرائيل عملية «سفينة نوح»، وتعلن عن ضبط سفينة أسلحة تحمل إسم "كارين إيه" في البحر الأحمر على بُعد 500 كيلومتر من ميناء إيلات الإسرائيلي. وذكرت الصحف أن السفينة الآتية من إيران كانت مُحمّلة بزنة خمسين طناً من الأسلحة، بينها صواريخ وقاذِفات وراجمات وقنابل وألغام مختلفة، وصواريخ مُضادّة للدروع بينها صواريخ من نوع «ساغر» ومواد مُتفجّرة مُتطوّرة من نوع C4 وقوارب مطاطيّة وأدوات غوص وأسلحة رشاشة وصاروخية.

وكشف تقرير نشرة «إي إف إي ريسيرتش» المُختصّة بموضوع الاستخبارات والأمن، عن أن الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، التي كانت تراقب السفينة من لحظة انتقالها من ميناء بندر عبّاس الإيراني، كانت تظنّ أن الحمولة موجّهة إلى حزب الله. غير أن أحد أفراد الطاقم تحدّث عن الوجهة في أجهزة الاتصال اللاسلكية، والتي كان يتنصّت عليها رجال الاستخبارات الأميركيون، خارقاً الإرشادات الواضحة التي حذّرت الطاقم من التكلّم في هذا الموضوع والحفاظ على "صمتٍ تامٍ في أجهزة الاتصالات". إسرائيل سارعت إلى اتهام عرفات بالوقوف وراء شحنة الأسلحة، وقال مسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية إنها "لو وصلت إلى المقاومة لكانت نقلة نوعية في تاريخ الصراع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي".

وردّ عرفات على تلك الاتهامات"مُتّهماً إسرائيل بالمناورة. إلا أنه رضي بتحمّل «المسؤولية المعنوية»، بناءً على طلب أميركي بعد الكشف عن ضلوع مسؤول ماليّة رئاسة السلطة اللواء فؤاد الشوبكي بتمويل العملية.

وصرّح وزير الخارجية الأميركي كولن باول بأن "(عرفات) بعث إليّ برسالة قبل ثلاثة أيام تتعلّق (بالسفينة) "كارين إيه" يُعلن فيها قبول المسؤولية ليس مسؤوليته شخصياً، لكن بوصفه رئيساً للسلطة الفلسطينية". ونقلت صحيفة «هآرتس» عن رسالة عرفات ما نصّه "رغم أنني لم أعلم بالقضية ولست ضالِعاً فيها إلا أنني كزعيم للسلطة الفلسطينية يجب أن أكون مسؤولاً عن الخاضعين لي حتى إذا عملوا بخلاف رأيي وأنوي تقديمهم للمحاكمة".

ورضيَ عرفات بتحميل الشوبكي المسؤولية العلنية، غير أنه رفض تسليمه إلى أجهزة الأمن الإسرائيلية، بل حرص على إبقائه إلى جانبه، مع الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، في مقر المقاطعة أثناء عملية «السور الواقي»، قبل أن يتوصّل إلى تسوية بعد العدوان باحتجازهما في سجن أريحا تحت حراسة أميركية وبريطانيّة.

وكانت حكومة أرييل شارون قد رفضت توضيح عرفات هذا حيث وصفه مسؤول في رئاستها لوكالة فرانس برس بأنه «ذرّ رماد في العيون». واعتبر أن «ياسر عرفات مسؤول مباشرة عن جميع تفاصيل هذه القضية بصفته رئيساً للسلطة الفلسطينية التي كانت هذه الأسلحة مُرسَلة إليها». وتابع "من يمكن أن يُصدّق حقاً أن ياسر عرفات لم يكن على عِلم منذ البداية بشراء الأسلحة وهو الذي يُشرف على كل المالية الفلسطينية".


اقتحام سجن أريحا

فؤاد الشوبكي خلال محاكمته أمام محكمة الاحتلال الإسرائيلي
فؤاد الشوبكي خلال محاكمته أمام محكمة الاحتلال الإسرائيلي

لم تهمل إسرائيل الموضوع، فبعد اغتيال أبو عمّار اقتحمت قوات الاحتلال بعد أن افتعلت الحماية الأمنية البريطانية – الأميركية إشكالاً مع الأسرى في سجن أريحا في الأول من أيار/مايو 2006 وساقت الشوبكي وسعدات إلى مُعتقلات "الشاباك".

في 18 مايو - أيار 2006، خرجت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بعنوان عريض يقول «الصندوق الأسود في مكتب عرفات يفتح أبوابه لجهاز الشاباك». تقرير تضمّن، بحسب الصحيفة، اعترافات الشوبكي عن "استخدام أبو عمّار ملايين الدولارات لتمويل صفقات كبيرة لشراء السلاح والمعدّات القتالية".

وقال الصحيفة إن اعترافات الشوبكي زادت القناعة الإسرائيلية بأن عرفات توجّه إلى المحور الإيراني، الذي لم يكن بعد في قوّته الحالية، لمواجهة إسرائيل. إذ ذكرت أن الشوبكي أكّد في التحقيقات أن مَن يقف وراء تهريب السلاح على متن سفينة "كارين إيه" كان «حرس الثورة الإيرانية» وحزب الله، مُشيراً إلى أن الشوبي التقى مع مبعوثين إيرانيين في دبيّ خلال عام 2001، واقترحوا عليه مساعدة عسكرية للسلطة الفلسطينية، تضمّ بناء مصانع أسلحة وتكنولوجيا صنع معدّات قتالية وتدريبات عسكرية. وأضاف أن «الأسلحة التي كانت على متن السفينة جرى تمويلها من جانب عرفات شخصياً، إذ أمر بنقل 125 ألف دولار لتغطية أجرة السفينة".

وأشارت "هآرتس" إلى أن اعترافات الشوبكي لم تقف عند حدود "كارين إيه" بل تعدّتها إلى تفاصيل عن بداية انتفاضة الأقصى، التي تُشير إلى الخيار الذي اتّخذه أبو عمار حينها. وقال إنه مع بداية الانتفاضة "وصله أمر من الرئيس ياسر عرفات بأن يشتري أكبر كمية مُمكنة من السلاح ومن مصادر مختلفة. وأنه أسّس جهاز تنسيق بين الأجهزة الأمنية وممثّلين عن السلطة في دول مختلفة وعملوا كمنفّذين لصفقات شراء السلاح".

كما تحدّث الشوبكي، بحسب الصحيفة، عن أوامر من عرفات بتمويل تصنيع محلّي لمعدّات قتالية اشتملت على قاذفات قنابل وقنابل يدويّة وعبوات ناسِفة، وتمويل إنشاء "كتائب شهداء الأقصى".

أما عن حالة الشوبكي اليوم فقد أعلنت عائلته بأن تدهوراً خطيراً طرأ على صحّة الشوبكي، وتم نقله قبل حوالى أسبوعين إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع.

وقال نجل الشوبكي حازم في اتصال هاتفي خاص للميادين نت إن "والده يعاني من سرطان البروستات وإذا لم تتم معالجته فالمرض سينتشر في أنحاء جسمه". وأضاف حازم "أن سلطات الاحتلال تسمح للعائلة بزيارته مرة واحدة في الشهر. إلا أن إجراءات الوصول إلى سجن النقب تأخذ حوالى 14 ساعة، حيث نتعرّض لتفتيش عدّة مرات من قِبَل الحواجز الإسرائيلية قبل الوصول إليه في السجن". وتابع أن والده هو أكبر سجين فلسطيني وعمره الآن 79 عاماً. وقد حكمت إسرائيل عليه بالسجن عشرين عاماً، لكن بعد محاولة عنيدة من محامي الشوبكي أُنزِل الحُكم إلى 17 عاماً.

وقال حازم الشوبكي للميادين نت إن المحكمة الفلسطنية برّأت الوالِد إلا أن السلطة بناء على اتفاق أميركي- بريطاني أوقفته في مقابل فك الحصار عن عرفات.

ربما كانت عملية تهريب الأسلحة في السفينة بداية يأس عرفات من التسوية والعودة إلى المقاومة المُسلّحة خاصة بعدما رأى أمام عينيه انتصار 25 أيار – مايو 2000 وانسحاب إسرائيل من لبنان.  الحقيقة تثبت أن عرفات كان يُتقن لا فن الممكن وحسب، بل فن البدائل كذلك.

الجدير بالذكر أن إسرائيل لا تزال تعتقل قبطان سفينة "كارين إيه" عمر عكاوي الذي حكمت عليه بالسجن 25 عاماً. وقد أُطلق سراح اللبناني سالم السنكري أحد البحّارة العاملين على السفينة في عملية تبادل الأسرى في 29 كانون الثاني/يناير عام 2004.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]